
22 Apr 2010, 03:41 PM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: بومرداس
المشاركات: 1,115
|
|
رد إدارة موقع شيخنا أبي عبد المعز على «سعيد بن دعّاس اليافعي»
رد إدارة الموقع على «سعيد بن دعّاس اليافعي المتطاول،
المحروم من التّمييز بين الحق والباطل،
الناقض للقواعد الشرعية بالمقاول والمعاول»
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أما بعد:
فقد سبق وأن تعهّدت الإدارة بعدم الردّ على الإغارات الحاقدة والاشتغال بما هو أنفع، ولكنَّ تماديَ داء التعالم الذي حمل المنتقِدَ المتطاوِلَ المدعوَّ ﺑ: «أبي حاتم سعيد بن دعاس المشوشيّ اليافعيّ اليمنيّ» في رسالته التي وسمها ظلمًا وعدوانًا ﺑ: «تَمَادِي فَركُوس فِي مُخَالَفَةِ الحَقِّ وَبرهَانِهِ المَنقُولِ وَالمَحْسُوس» على الخروج عن أصول الحوار، والانحراف عن سلوك سبيل الأدب، إلى ركوب أسلوب العوامّ من السّبّ والشّتم، جعل الإدارة تُولِي على نفسها توضيحَ الالتباس لذوي الأفهام من القرّاء المنصفين ورفع الأوهام التي قد يقع فيها من لا يعرف حقيقة أمرهم.
وإن كان الأولى السكوتُ على مَن عادتُه في المقال: التفحّشُ والتفظيعُ، وفي مناظرته التّسفّهُ والتّجهيلُ، وفي أسلوبه التّعنّتُ والوقيعةُ في الأخيار. قال الباجيّ -رحمه الله-: «ولا يناظر مَن عادتُه التّسفّهُ في الكلام ولا مَن عادتُه التفظيعُ، فإنّه لا يستفيد بكلامه فائدة»(١- «المنهاج بترتيب الحجاج» للباجي: (10).). وقال الجوينيّ -رحمه الله-: «وعليك ألاّ تفاتِحَ بالمناظرة مَن تعلمه متعنِّتًا، لأنّ كلام المتعنّت ومن لا يقصد مرضاةَ الله في تعرُّف الحقّ والحقيقة بما تقوّله يورِث المباهاة والضجر وحزن القلب وتعدّيَ حدود الله في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وإن لم تعلمه كذلك حتى فاتَحْتَه بالكلام ثمّ علمته عليه وجب عليك الإمساك عن مناظرته، فإن رأيت نصرة دين الله سبحانه في الإمساك عنه زدت في الحد وبالغت في التحرز عنه»(٢- «الكافية في الجدل» للجويني: (532).)،
هكذا، ولا يزال النّموذج الدمّاجي بأخلاقيّاته المزرية يحرّك آليّاتِ الجهل المركّب، ومن الصّعب بمكانٍ أن تنيرَ بالإفهام مَنْ ظنّ لجهله أنّ فهمه يعلو كلّ فهم، وأنّه ينفرد بالحقّ دون سائر البشر، وهذا -بلا شك- من أعظم آفات العلوم، قال ابن حزمٍ -رحمه الله-: «لا آفةَ على العلوم وأهلها أضرُّ من الدخلاء فيها وهم مِن غيرِ أهلها، فإنّهم يجهلون ويظنّون أنهم يعلمون، ويُفْسِدون ويقدّرون أنّهم يُصْلِحُون»(٣- «مداواة النفوس» لابن حزم: (23).).
ومِن مظاهر قلّة فهمه وضعف رشده من مجموع مسوَّداته: أنّ هذا المتطاول المغرور لا يفرّق بين حالةِ «ما ينبغي أن يكون عليه» وحالةِ «ما هو كائنٌ فيه»، ومنظارُه في ذلك قاصرٌ للأسف الشّديد أسّسه على الحالة الأولى مع غفلةٍ تامّةٍ عن الحالة الثانية، الأمرُ الذي ولّد في نفسيّة المسكين ونفسيّة مزكّيه حساسيّةً مفرطة لحالات الحاجة والاضطرار، بلغت إلى نفي وإنكار القواعد الشرعيّة القائلة بأنّ «الممنوع شرعًا يُباح عند الحاجة الشّديدة وهي الضّرورة» وقاعدة: «الضّرورات تُبيح المحظورات وتُقدَّرُ بقدرها» وقاعدة «الحاجة تُنَزَّل منزلة الضّرورة عامّةً كانت أو خاصّةً»، وهذا ليس بغريب على النّموذج الدمّاجي في ردّ هذه القواعد، فقد ربّاه شيخه على هذا المسلك التّربويّ المَقيت، حيث صرّح شيخُه من قبلُ بكلّ معاني الاحتقار والتّهوين أنّه يبول -أكرمكم الله- على القواعد الأصوليّة للإمام الشافعيّ رضي الله عنه(٤- في شريط: «تبيين الكذب والمين».).
ولا يخفى على كلّ ذي لبٍّ أنّ ردّ هذه القواعد المستنبطة من دلالات النّصوص التّشريعيّة العامّة المعلّلة هو ردٌّ لتلك النّصوص المحكمة مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، فهذه القواعد وليدةُ الأدلّة الشّرعيّة والحجج الفقهيّة لا يجوز ردّها باعتبار مبدئها اعتقادًا ولا باعتبار من تلبّس بها عملاً.
ومِن هنا ندرك مورد ضلال فهم هذا النّموذج الدمّاجيّ المتعالم النّاشئ من عدم التّفريق بين الأصل المحرِّم وبين الاستثناء المبيح للحاجة العارضة كما أوضح ذلك شيخنا أبو عبد المعزّ محمّد عليّ فركوس –حفظه الله- في كلمته الموسومة ﺑ«في نفي التّعارض بين الأصل المحرِّم سدًّا للذريعة والاستثناء المبيح للمصلحة الراجحة».
فالمتطاول المغرور جعل من الأصل المحرّم مانعًا من أن يجيب بحكم الضرورة في الاختلاط الواقع في الطّواف والسّعي وغيرها من المشاعر، وكذا المستشفيات ووسائل النّقل ونحوها، كما أنّه لم يُخْبِرْنا كيف يسافر خلائق دمّاج إلى أوطانهم وأداء نسكهم، كما لم يُفْصِحْ لنا بأيّ وسيلةٍ سافر دعاتهم إلى إنجلترا وغيرها من البلدان، وكذلك الموالون من دعاة الغلوّ والتفظيع، فقد سافروا في الاختلاط واستقبلتهم مضيفات الطّائرة بالتّحدّث والإكرام مع أنّه لا ضرورة لسفرهم... فكفانا -إذنْ- من مظاهر التّعالم والتّورّع واستعراض عضلات التّقوى!! فربّك هو أعلم بمن اتّقى.
قال الشّاعر:
وَإِنَّ عَنَاءً أَنْ تُفَهِّمَ جَاهِلاً فَيَحْسَبَ –جَهْلاً- أَنَّهُ مِنْكَ أَفْهَمُ
مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ
مَتَى يَنْتَهِي عَنْ سَيِّئٍ مَنْ أَتَى بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَيْهِ تَنَدُّمُ(٥- «جامع بيان العلم» لابن عبد البر: (1/109).)
ومِنْ سقيم فهمه عدمُ تفريقه بين تقليد العلماء والاستشهاد بأقوالهم، وشتّانَ بين تقليد عالمٍ من غير معرفةٍ لدليله وبين إيراد الفتوى معزَّزةً بالأدلّة والقواعد، ثم الاستشهادِ على صحّة ما ذهب إليه بأقوال أهل العلم السّابقين أو المعاصرين، ولكنّ تعنُّتَه أعماه عن الحقّ فأصبح يرى المُحَال صوابًا كما قال الشّاعر:
وَإِذَا بُلِيتُ بِجَاهِلٍ مُتَحَامِلٍ يَجِدُ الْمُحَالَ مِنَ الأُمُورِ صَوَابًا(٦- «بهجة المجالس» لابن عبد البر: (2/431).). وأمّا شرحُه -هداه الله- لحديث «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ ...»(٧- أخرجه أبو داود في «الملاحم»، باب الأمر والنهي (4345)، والطبراني في «المعجم الكبير» (345)، من حديث العرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (702).) فعلى هواه، وشرّاح الحديث لا يُقِرّونه على هذا الفهم -كما سيأتي-، وأمّا مسألة جنس فعل المأمور به فقد خبط فيها خبط عشواءَ، ورحم الله الهاديَ بنَ إبراهيمَ الوزيرَ القائلَ: «إنّ من حقّ النّاقض لكلام غيره أن يفهمَه –أوّلاً-، ويعرفَ ما قصد به –ثانيًا-، ويتحقّقَ معنى مقالته ويتبيّنَ فحوى عبارته، فأمّا لو جمع لخصمه بين عدم الفهم لقصده والمؤاخذة له بظاهر قوله كان كمن رمى فأشوى وخبط خبط عشْوَا، ثمّ إنْ نسب إليه قولاً لم يعرفْه وحمّله ذنبًا لم يقترفْه؛ كان ذلك زيادة في الإقصا وخلافًا لما به الله تعالى وصّى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29]»(٨- انظر: «العواصم والقواصم» (1/71).).
هذا وإلى القرّاء المنصفين نجلّي الإبهاماتِ الواقعةَ في ذهن المتطاول سعيد بن دعّاس المغرور على الوجه التّالي:
أولاً: إنّ الشّيخ -حفظه الله- لم يقلْ بجواز الاختلاط الذي هو ذريعةٌ للوقوع في الفاحشة والحرام، بل نصّ -كما في الرّسالة بعد أن ذكر أقسام الاختلاط-، على أن النّوع المذكور: «الأصلُ فيه المنعُ وعدمُ الجواز»، وعلى هذا يَرِدُ الخطأ في نسبة القول للشّيخ بإباحة الاختلاط في هذا القسم كما أوهمه سعيد بن دعّاس المغرور من أنّ الشيخ -حفظه الله- حمل كلام المردود عليهم في الرسالة على إباحة الاختلاط مطلقًا حتى ما كان لغرض الفاحشة، فإنّ هذا الأخيرَ غيرُ مقصودٍ باتفاقٍ، وعليه يقال: ينبغي أن يُفَرَّقَ بين الأصل المحرِّم وبين الاستثناء المبيح للحاجة العارضة، فإنّ الاختلاطَ الأصلُ فيه الحرمةُ وعدمُ الجواز ما لم تَرِدِ الضرورةُ أو الحاجة التي تُنَزَّلُ منزلتَها، فإنّه يُعْدَلُ بها عن هذا الأصل إلى ما تقتضيه الضّرورةُ أو الحاجةُ كسائر أحكام الشّرع، فمِن القواعد المقرَّرة في الدين أنّ «المشقّة تجلب التّيسير»، و«الحرج مدفوع» بنصّ قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقد قال الجوينيّ -رحمه الله-: «الحاجة في حقّ الناس كافّةً تُنَزَّلُ منزلةَ الضّرورة في حقّ الواحد المضطرّ»(٩- «غياث الأمم» للجويني: (345).)، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها كما جاز بيع العرايا بالتّمر»(١٠- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (29/480).)، وقال-رحمه الله- «الشّريعة جميعها مبنيّةٌ على أن المفسدة المقتضية للتّحريم إذا عارضتْها حاجةٌ راجحةٌ أُبيح المحرَّمُ»(١١- المصدر السابق (29/49).)، وقد تقرّر أيضًا في القواعد أنّ: «ما حُرِّم لذاته أُبيح للضّرورة، وما حُرِّم لغيره أُبيح للمصلحة الرّاجحة»، فظهر بهذا -وعلى وفق ما قُرِّر سابقًا في بيان هذا الأصل الذي تُبْنَى عليه الشّريعةُ كما نُقِلَ عن ابن تيميّةَ- أنّه لا يمكن أن يَفهم أولو العقل الذين رُزِقُوا فهمًا في دين الله أنّ مَنْ أجاز شيئًا للحاجة والضّرورة قد حاول ليَّ أعناق الأدلّة وصار مِن دعاة الفتنة وخالف النصوصَ بالهوى، بل يقوله مَنْ سُلِبَ رجاحةَ العقل وضُرِبَ عليه لِبَاسُ الحمق.
ثانيًا: قد جعل هذا المتطاوِل المغرور نَقْلَ الشّيخ -حفظه الله- لفتاوى بعض أهل العلم الموافِقَةِ لما قرَّره في الرّسالة من جواز العمل والدّراسة في أماكن الاختلاط حالَ الضّرورة والحاجة من باب التّقليد المذموم الذي هو أثرٌ للتعصب واتّباع الهوى، مع أنّ الشّيخَ -حفظه الله- لم ينقلْ ذلك تقليدًا -كما صرّح في بداية رسالته ونقله عنه سعيد بن دعّاس المغرور- ؛ وإنّما نقله تعزيزًا لما قرّره، فيكون حينئذٍ غيرَ مستقلٍّ بقولٍ خالف فيه أهلَ الحقّ والعلم من دعاة السّنّة ورجالها.
ولا زال أهل العلم قديمًا وحديثًا ينقل بعضهم عن بعضٍ ما يؤيِّدون به ما قرّروه، استشهادًا واستئناسًا، إذ إنّ الباحث إذا خلص إلى نتيجةٍ وعلم أنّه قد سُبِق إليها اطمأنّتْ نفسُه إلى صحّة ما ادّعاه، ولذلك جاء تحذير العلماء من قولٍ ليس للقائل به فيه إمام، ولم يقلْ أحدٌ منهم إنّ ناقلَ أقوال العلماء فيما يؤيِّد ما ذهب إليه أنّه ضربٌ من ضروب التّقليد، إلاّ ما كانَ من مسوِّدِ التمادي بالباطل، وهو بذلك قائلٌ بما ليس له فيه إمام. وكما قيل: «لا تحدّثِ العلمَ غيرَ أهله فتجهلَ، ولا تمنعِ العلمَ أهلهَ فتأثمَ»(١٢- «جامع بيان العلم»: (1/110).).
وأمرُ هؤلاء عَجَبٌ في عَجَبٍ فإنْ ذكر لهم الشيخ -حفظه الله- أو غيرُه من الأدلّة والبراهينِ ما يعجزون عن ردّه واجهوه بقولهم: «ليس له سلفٌ من أهل السّنّة، وإنّما فتواه امتدادٌ من المنحرفين والحزبيّين والإخوان المسلمين»، وإن ردّ تهمتَهم بسردِ قائمةٍ من علماءَ أجلاَّءَ قالوا بقوله وذهبوا مذهبه صاحوا به كاذبين: «إنّه مقلّد!!»، فيا لله من تخبُّطِ القومِ، وتعصُّبِهم وتطاوُلِهم. وهذا بلا شك من علامات الحمق التي يجب على العاقل تفقُّدُها ممّن خَفِيَ عليه أمرُه(١٣- انظر علامات الحمق في: «روضة العقلاء» لابن حبان: (124).).
وعهدُنا بشيخنا -حفظه الله- منذ أمدٍ بعيدٍ في دروسه وحلقاته وفتاواه وأجوبته التنفيرُ من التّقليد المذموم والبعدُ عنه والتّحذيرُ من سلوكه. وكتبُه وأشرطتُه خيرُ دليلٍ لمن كان له بصرٌ لم تُصِبْه غشاوةُ منهجِ الإقصاء. ولله درّ القائل:
قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ ونزيد هنا تعزيزًا وتأييدًا لما سبق بذكر كلام آخرَ للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- حيث سئل: «فضيلةَ الشيخ! نحن طلبةٌ في المعهد الصّحيّ، من ضمن منهجنا التطبيقيّ العمليّ في المستشفيات، والذي يضطرُّنا إلى ملازمة النساء من الممرِّضات، والاستفادةِ منهنَّ في مجال التّمريض، ومحادثتِهنَّ وسؤالِهنَّ، وقد يكنَّ غير مسلماتٍ، وقد تحصل الخلوة بهنَّ في بعض الأحيان، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب: «أرى أنّ هذا إذا دعَتِ الضّرورةُ إليه ولم يكن لكم من هذا بُدٌّ، فاتّقوا الله ما استطعتم، ولا تكثروا محادثتَهنَّ إلاّ فيما دَعَتْ إليه الضّرورةُ، وغُضُّوا البصر عنهنَّ بقدر ما يمكن، ونسأل الله تعالى أن يأتِيَ باليوم الذي ينفرد فيه الرّجال بعلومهم، والنّساء بعلومهنّ. أمّا في مسألة الخلوة؛ فلا يجوز إطلاقاً، ولكنْ كيف يخلو بها وعندهما المريض؟! إلاَّ إذا كان المريض لا يشعر..»(١٤- «لقاءات الباب المفتوح» (140).)
وقال -رحمه الله- فيمن ابتُلِيَ بالدراسة في الاختلاط: «ممكنٌ أن يُقال بالتّفصيل: إن دعَتِ الضّرورة لذلك، بأن لا يُوجَد جامعاتٌ أو مدارسُ خاليةٌ منذلك، فهنا قد تكون هناك ضرورةٌ، وفي هذه الحال يجب على الطالب أن يبتعدَ عن الجلوسإلى امرأة، أو التّحدث معها أو تَكرارِ النّظر إليها، يعني بقدر ما يستطيع يبتعدعنها. فأمّا إذا كان يمكن أن يدرسَ في مدارسَ أخرى خاليةٍ من الاختلاط أو فيها اختلاطنصف اختلاط،بأن يكون النّساء بجانبٍ والرجال بجانبٍ آخرَ وإن كان الدّرس واحدًا، فليتّقالله ما استطاع»(١٥- من «شرح حلية طالب العلم» للشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- الشريط الخامس الوجه الثاني. )
وسئل الشّيخ عبد المحسن العبّاد-حفظه الله-: «ما توجيهكم لمن يدرس العلوم الدنيويّة في المدارس أو الجامعات التي يكون بها اختلاط؟ »
فأجاب: «لا يجوز للإنسان أن يدرس في المدارس التي فيها اختلاط، اللهمّ إلاّ إذا كان مضطرًّا لذلك، وليبتعد عن النساء، لأنّ الرجل يمكن أن يبتعدَ عن النّساء»(١٦- من شرح «سنن أبي داود» (92).).
وسئل الشّيخ النّجمي –رحمه الله-: عندنا في الجزائر معاهد تدرّس العلوم الشّرعية تكون الدّراسة فيها بجلوس الطلبة في الأمام والنّساء في الوراء، ويدرّسنا الرّجال والنّساء، وعندما يدرّسنا الرّجال، نحن الملتزمات نلبَسُ جلابيبنا ونغطّي وجوهنا ونجلس في المؤخّرة ولا نحضر إلا في الدّروس الإجباريّة، من أجل الحصول على شهاداتٍ تمكّننا من تدريس النّساء بترخيصات من وليّ الأمر لا تعطى إلا للمتحصّلات على شهاداتٍ من هذه المعاهد، وأهلُ البدع يمنعوننا من المساجد إلاّ بهذه الشهادات، فما توجيهكم شيخَنا؟
فأجاب: أقول: إذا كان الأمر عندكم كما تقولين فهنا يجوز لكم بهذا الشّرط: أن تلبَسْنَ جلابيبكن وتجلسن في المؤخّرة، وتسمع المرأة من المحاضر أو المحاضِرة، ويعني تطلق إذا كان رجل، المحاضر رجل، تطلق يعني تغطّي وجهها ولا تنظر إليه، هذا الذي يجب وإذا فعلتن ذلك نرجو لَكُنَّ إن شاء اللهُ الخيرَ إذا كان بهذه النيّة: بنيّة أن تدرّسن النّساءَ الأخرياتِ.
فذُكِرَ له أن السائلةَ تقول: علمًا أنّنا سألْنا الشيخ زيداً(١٧- تقصد: الشبخ زيد بن هادي المدخلي -حفظه الله-.) أمسِ فأقرّنا بالشّروط الشرعيّة: بستر الوجوه وعدم الاندماج مع الرجال والانصراف مباشرةً بعد الدّروس وقال لي: حتّى ييسّر الله الأمور.
فأقرّه الشيخ بقوله: تمام(١٨- حول دراسة الأخوات في المعاهد الشرعية المختلطة في الجزائر من شريط « أسئلة وإجابات بتاريخ: 1/4/1427» للشيخ النجمي).
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إِذَا جَمَعَتْنَا -يَا جَرِيرُ- المَجَامِعُ فهل يجرؤ المتمادي بالباطل على شيخنا وغيرُه ممّن سلك مسلكه المتهاويَ أن يصِفوا هؤلاء المشايخ بأنّهم من دعاة الاختلاط؟!! وأنهم متمادون في الباطل؟!! وكلامُهم في المسألة المتنازَعِ فيها هو عين كلامِ شيخنا -حفظه الله-.
فلِمَ لم يسوِّدِ المتمادي بالباطل رسالةً يردُّ فيها على المشايخ المذكورين ويصفُهم بما وصف به شيخَنا -حفظه الله- لقيام المقتضي؛ وهو أنّ مشايخ الحجاز ونجدٍ مثل الشّيخ ابن باز والشّيخ ابن عثيمين والشّيخ النجمي-رحمهم الله- والشّيخ العبّاد والشّيخ زيد-حفظهما الله- وغيرهم أشدّ شهرةً من شيخنا وفتاواهم يلتزمها جمهورٌ كبير من المسلمين يفوق عددُهم عددَ من يلتزم فتوى شيخنا -حفظه الله-.
أم أنّ لحوم هؤلاء المشايخ -عند سعيد بن دعّاس وإخوانه- مصونة بحصانة عِرْضِيّةٍ خاصّةٍ تورثهم سمومًا قاتلةً إذا نهشوها دون سائر العلماء؟!!
فلو سلّمنا -جدلاً- أنّ ما ذهب إليه من ذُكِرَتْ أسماؤُهم وغيرهم خطأٌ وزللٌ فمَنِ الأحقُّ بالطعن؟ آلذي شهرتُه أوسعُ أم الذي حرّر جوابًا لأهل بلده ومَنْ كان مثلَها في ابتلائها؟ الجوابُ يعرفه كلّ منصف.
فالتّركيز -إذًا- في الرّدّ على الشّيخ محمّد علي فركوس -حفظه الله- ولَمْزِه وطعنه واتّهامه بالباطل دون غيره ممّن قال بقوله له أحدُ تفسيرين أحدُهما أمرّ من الآخر:
الأول منهما: أنّ الطّعن لذات الشّيخ -حفظه الله- وشخصِه حسدًا وحقدًا، لا دخل للمسائل المطروحة فيه.
وما ذنْب شيخنا –حفظه الله- إذا حقّق النظر واجتهد وحصلت له الموافقة مع أهل العلم والتّقوى، فهل يموت حاسدوه حسرةً وكمدًا مما أتاه الله من فضله؟!
وصدق الشاعر إذ يقول:
وَمَا عَلَى العَنْبَرِ الفَوَّاحِ مِنْ حَرَجٍ إِنْ مَاتَ مِنْ شَمِّهِ الزَّبَّالُ وَالجُعَلُ والثاني: أنّ القوم الطاعنين أصحابُ هوىً لا ميزانَ لهم في الرّدود يتركون الأخطر-على قواعدهم- خوفًا على مناصبهم الدعويّة، وينهشون غيره بدعوى الغيرة على المنهج، وهذا وحده كفيل بإسقاط جميع ما كتبوه وخطُّوه عدوانًا وبغيًا.
وأمّا ما توهّمه المتمادي في اتّهام شيخنا بالباطل من أنّ أقوال هؤلاء العلماء تخالف أقوالاً أخرى لأهل العلم هم أكثر أو أعلم -حسب قوله- فغيرُ صحيح إذ إنّ الجميع يتّفق على عدم الجواز كما لا يخفى.
وما ساقه من فتوى اللجنة الدائمة -حفظ الله أحياءها ورحم الميّت منهم- فلا تعارُضَ بينها وبين ما قرّره شيخنا -حفظه الله- في «تقويم الصراط»، من حيث إنّ فتوى اللجنة الدائمة عن الأصل، وهو الحالة العادية التي يتّفق الكلّ على حكم التحريم فيها، أمّا ما قرّره شيخنا -حفظه الله- فمُنْصَبٌّ على الاستثناء للحاجة والضّرورة، وهما حالان غير عاديّين فافترقا، ويؤكّد هذا الجمع أنّ اللّجنة الدّائمة حين أصدرت الفتوى كان على رأسها الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله-، وكان قد أفتى لمنسوبي الصّحة في مسألة تطبيب المرأة للرّجل في مجال طبّ الأسنان بقوله: «فالواجب أن تكونَ الطّبيباتُ مختصّاتٍ للنّساء، والأطباءُ مختصّين للرّجال إلا عند الضّرورة القصوى إذا وُجِد مرضٌ في الرجال ليس له طبيبٌ رجلٌ فهذا لا بأس به، والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]»(١٩- «فتاوى عاجلة لمنسوبي الصحة»، جمع معوّض عائض اللحياني: (31-32)، مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة.)، وكذا الشيخ الفوزان –حفظه الله- قال بالاستثناء على نحو ما ساق الشيخ –حفظه الله- فتواه في «تقويم الصّراط»(٢٠- «تقويم الصراط في توضيح حالات الاختلاط» للشيخ أبي عبد المعز –حفظه الله- (27).)، هذا من جهة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ فتوى اللجنة الدائمة تُخرَّج على البلاد التي سلّمها الله من الاختلاط الآثم، وما قرّره شيخنا -حفظه الله- وغيرُه من العلماء فمخرَّجٌ على البلاد التي ابتُلِيَتْ بهذه الفتنة ولم تسلم أماكنُ العمل والدراسة فيها من الاختلاط المحرَّم.
ثم إنّ استدلاله باللّجنة الدّائمة: أليس هو من التقليد المزعوم الذي رمى به شيخنا -حفظه الله- سابقًا؟ فقد انقلب السّحر على السّاحر. وصدق الإمامُ الشّافعي -رحمه الله- القائلُ:
أَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِ السَّفِيهِ فَكُلُّ مَا قَالَ فَهْوَ فِيهِ فإمّا أنّ مسوّد التمادي لا يفقه الفرقَ بين حكم الحالة العاديّة وحكم غيرها، فكيف يكتب منتقِدًا ما لا يفقهه ولا يفهمه؟ وتلك مصيبة، وإمّا أنّه يفقه ذلك ولكنّه يتعامى ويتمادى في نسبة الباطل لمن هو منه بريء من أجل الطعن فالإسقاطِ، وتلك مصيبة أعظم.
وحينئذٍ لا نملك إلاّ أنّ نسأل الله العليَّ العظيمَ أن يَقِيَنَا فتنتَهم ويجنّبَنا طغيانَهم ويدرأَ عنّا بهتانَهم.
ورحم الله ابن القيّم القائلَ: «فإذا ظفرتَ برجلٍ واحدٍ من أولي العلم طالبٍ للدّليلِ مُحَكِّمٍ له مُتَّبِعٍ للحقّ حيث كان وأين كان ومع من كان، زالت الوحشة وحصلت الألفة ولو خالفك فإنّه يخالفك ويعذرك، والجاهلُ الظالم يخالفك بلا حجّةٍ ويكفِّرك أو يبدِّعك بلا حجّة، وذنبُك رغبتُك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذّميمة، فلا تغترّ بكثرة هذا الضّرب. وإنّ الآلاف المؤلَّفةَ منهم لا يُعْدَلُونَ بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يُعْدَلُ بملء الأرض منهم»(٢١- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (3/ 396).).
يتبع
|