
12 Apr 2010, 10:18 PM
|
|
موقوف
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 52
|
|
ثالثا: من أين جاءت تهمة الإرجاء إلى الشيخ؟
أقول: وقعت عبارات للشيخ موهمة بذلك، طار بها بعضهم ممن يريد طعنا في الشيخ،والموقف الذي أعتقده ديانة في هذا:أن ترد تلك العبارات بأنها موهمة للخطأ،ومشابهة مذهب المرجئة،مع تبرئة الشيخ من أن يكون مرجئاً،يقرر مذهب المرجئة!
فالشيخ ليس بمعصوم،أخطأ في التعبير عن مراده في مواضع، وسبقت الى لفظه تلك العبارات الموهمة،وهو في الحقيقة براء من الإرجاء والمرجئة،بدليل كلامه السابق.
ويتأكد هذا إذا علمت أن أغلب تلك الألفاظ جرت من الشيخ في حال البحث والمناقشة مع آخرين،وسجلت تلك الجلسات،وفيها جاءت تلك العبارات،ومعلوم أن مجلس البحث والنظر ليس كمجلس التقرير!
رابعاً: ما جرى على لسانه من أن الإيمان هو التصديق،دون أن يذكر باقي أركانه من العمل بالجوارح،والقول باللسان،إذ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان(الجوارح).
أقول:إنما مراده بذلك أن الإيمان تصديق مخصوص،وقد عبر بهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله،والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
قال ابن تيمية عن الإيمان:"ليس هو مطلق التصديق،بل هو تصديق خاص،مقيد بقيود اتصل اللفظ بها،وليس هذا نقلاً للفظ ولا تغييراً،فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق،بل بإيمان خاص وصفه وبينه"اهـ.
وقال رحمه الله:"القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيماناً باتفاق المسلمين،فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين،إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي،وفي قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام إلا من شذ من أتباع ابن كرام.
وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب الله ولا تعظيم بل فيه بغض وعداوة لله ورسله ليس إيماناً باتفاق المسلمين"اهـ.
وقال أيضاً رحمه الله:"الإيمان في القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب،وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك،كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى،بل لابد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب"اهـ.
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب:"وأما ما سألتم عنه:من حقيقة الإيمان؟فهو التصديق،وأنه يزيد بالأعمال الصالحة،وينقص بضدها،قال الله تعالى:{ويزداد الذين ءامنوا إيمناً}[المدثر:31] ، وقوله : {فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمناً وهم يستبشرون}[التوبة:124] ، وقوله تعالى:{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمناً}[الأنفال:2]،وغير ذلك من الآيات.
قال الشيباني رحمه الله:"وإيماننا قول وفعل ونية ويزداد بالتقوى وينقص بالردى،وقوله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها:قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وقوله صلى الله عليه وسلم :"فإن لم يستطع فبقلبه،وذلك أضعف الإيمان"."اهـ.
فالإيمان تصديق مخصوص يدخل فيه العمل والقول،أو يستلزمه، أما مجرد التصديق فإنه لا يرادف الإيمان،ولا يطابقه.
ومن تأمل كلام الشيخ الألباني في هذا المحل من التسجيل الصوتي،فهم أنه يريد ذلك قطعاً،وعلى كل حال أقول:لو سلمنا أنه لا يوجد في كلامه ما يبين أنه يريد بقوله:الإيمان هو التصديق، يعني تصديقاً مخصوصاً،فإننا نقول:هذا خطأ منه رحمه الله في التعبير،والصواب في هذا ما قرره هو نفسه في مواطن أخرى من كلامه المكتوب والمسموع،ومنه ما أوردته في البند الأول هنا،من أن الإيمان تصديق في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح،والله الموفق!
خامساً: إطلاقه:أن العمل شرط كمال في الإيمان.
أقول:هذه العبارة توهم أن العمل ليس من الإيمان،وأن الإيمان يثبت بدون عمل،وهذا ليس بقول أهل السنة.
والذي يظهر من سياق كلامه رحمه الله أنه إنما يريد أن التقصير في الأعمال الصالحة لا يبطل الإيمان، فهو يريد بهذه العبارة الرد على الذين يشترطون لصحة الإيمان ألاَّ يعمل معصية، وألاَّ يقع صاحبه في تقصير، لا أنه يريد أن الإيمان يثبت بدون عمل أصلاً.
وقد قرر الألباني أن العمل لابد منه في ثبوت الإيمان، كما رأيت فيما سبق الفقرة الثانية، وأزيد هنا كلاماً آخر له في المسألة حيث قال: ((وعلى هذا، فإذا قال المسلم (لا إله إلا الله) بلسانه، فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل، فإذا عرف وصدّق وآمن، فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفاً، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفا: (من قال لا إله إلا الله نفعته حينا من دهره)، أي: كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له من الخلود في النار-وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان-وقد لا يكون قد قام بمقتضاها من كمال العمل الصالح، والانتهاء عن المعاصي، ولكنه سلم من الشرك الكبر، وقام بما تقتضيه ويستلزمه شروط الإيمان من الأعمال القلبية والظاهرية، حسب اجتهاد بعض أهل العلم وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه)).اهـ
ولعل من المهم أن أنبه هنا: أن على المسلم أن يحرص في كلامه في أمور الشرع ما استطاع على اتباع الألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما ورد عن السلف الصالح؛ وأنت ترى هنا مثالا لذلك، فإن مسألة الإيمان استعملت فيها ألفاظ غير واردة ولا مأثورة، سببت إيهاما ووهما غير مقصود. من ذلك قولهم: ((الأعمال شرط كمال في الإيمان)) وقولهم: ((الأعمال شرط صحة في الإيمان))؛ فإن إطلاق هذه العبارة أو تلك يوهم مذاهب أهل البدع، فالأولى توهم عند إطلاقها بمذهب المرجئة وأن العمل ليس من الإيمان، وأن الإيمان يثبت دون عمل، والأخرى توهم عند إطلاقها بمذهب الخوارج، وأن من قصر في العمل لا يصح إيمانه.
والحقيقة أن هذه الألفاظ مجملة لابد فيها من بيان، فلا تقبل ولا ترد إلا بعد الاستفصال عن مراد أصحابها؛
فإن أراد من قال: الأعمال شرط كمال، أن التقصير في العمل سبب في نقص الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد ينقص حتى يزول إذا ترك العمل بالكلية مع القدرة وعدم المانع، فهذا معنى قول أهل السنة والجماعة، ولكن الخطأ في العبارة!
وإن أراد أن الإيمان يثبت في أصله بغير عمل، وأن العمل ليس من حقيقة الإيمان، فهذا قول المرجئة.
ومن قال: الأعمال شرط في صحة الإيمان، إذا كان مراده أن أصل الإيمان لا يثبت إلا بعمل، فلا فيمان غلا بعمل، ومن قصر في العمل أنقص من إيمانه، فإذا ترك العمل الصالح بالكلية مع القدرة وعدم المانع ذهب إيمانه؛ فإن هذا هو قول أهل السنة و الجماعة. إذ الظاهر والباطن متلازمان! فالأعمال شرط في صحة ثبوت الإيمان، وهي شرط في كمال الإيمان بعد ثبوته!
وإن أراد أن من أنقص العمل ذهب إيمانه، لأن الإيمان إذا نقص بعضه، ذهب كله، فلا يصح إيمان مع نقص العمل، فهذا قول الخوارج.
هل رأيت مقدار التفصيل والتطويل في الشرح، ومقدار الوهم والإيهام الذي يحصل بسبب هذه العبارات؟!
وأختم هذه القضية بهذا النقل:
قال ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) رحمه الله: ((وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال، لا محبطا للإيمان. ولا قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، وأنه لا يكفر أحد بذنب، وإن كان كبيرا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله كما قال سبحانه: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}. وإن الله-تبارك وتعالى-: {إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.)).اهـ
قال ابن تيمية رحمه الله: ((أصل الإيمان فيالقلب وهو قول القلب وعمله ، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كانفي القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبهومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمانالقلب ومقتضاه ، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له ، وهي شعبة منمجموع الإيمان المطلق وبعض له ، لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح "، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: (إن القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت الجنود، وإذا خبث الملك خبث جنوده).)).اهـ
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)). اهـ
يتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى: [قوله (أن الذي يخرج من الملة هو الكفر الإعتقادي!)]
|