
10 Apr 2010, 05:48 PM
|
|
|
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
سبق أن ذَكر المؤلِّف وجوبَ التَّوحِيد، وأنَّه لا بُدَّ منه، وهُنا ذكرَ : فضلَ التَّوحِيد.
قوله: "وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ"، أي: بابُ فضلِ التَّوحِيد، وبابُ ما يُكفِّره مِن الذُّنوب.
فمِن فوائِد التَّوحِيد:
1 ـ أنَّه أكبَرُ دِعامَةٍ للرَّغبةِ في الطَّاعَة؛ لأنَّ المُوحِّد يَعملُ للهِ ـ.
2 ـ أنَّ المُوحِّدِين لهُمُ الأَمنُ وهُم مُهتَدون.
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدُونَ" [الأنعام: 82]
قوله: "لَم يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ"، أي: يخلِطوه بظُلمٍ، فالظُّلم هُنا يُقابِل الإِيمانَ، وهُو الشِّرك.
ولمـَّا نزلَت هذِه الآيةُ شَقَّ ذلِك على الصَّحابَة، وقَالوا: أيُّنَا لم يَظلِم نَفسَه؟ فقَالَ النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لَيسَ الأَمرُ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا المُرَادُ بِهِ الشِّركُ، أَلَم تَسمَعُوا إِلَى قَولِ الرَّجُلِ الصَّالِح ِـ يَعنِي لُقمَانَ ـ: "إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ"" [البخاري].
والظُّلم أَنواعٌ:
1 ـ أَظلَمُ الظُّلم: وهُوَ الشِّركُ فِي حَقِّ اللهِ.
2 ـ ظُلمُ الإِنسَانِ نَفسَه؛ بالمعاصي.
3 ـ ظُلمُ الإِنسانِ غَيرَه؛ بالتَّعدِّي عليه.
وإذَا انتَفى الظُّلمُ، حصَلَ الأَمنُ؛ فإِن كانَ الإِيمانُ:
ـ الإيمان المطلق: أي كامِلا لم يُخالِطه مَعصيةٌ؛ كان له الأَمن المُطلَقٌ (الكامِلٌ).
ـ مُطلقَ الإيمان: أي غير كامِل؛ فَلَهُ مُطلَقُ الأَمن (غير كامل).
قولُه: "لَهُمُ الأَمنُ"، (أل) لِلجِنس، ولِهذا فَسَّرنا الأَمنَ بأنَّه إمَّا أَمنٌ مُطلَقٌ، وإمَّا مُطلَقُ أَمنٍ حَسب الظُّلم الَّذي تَلبَّس بِه.
قولُه: "وَهُم مُهتَدُونَ":
ـ فِي الدُّنيا إِلى شَرعِ اللهِ بِالعِلم والعَمَل.
ـ فِي الآخِرة إِلى الجَنَّةِ.
مُناسَبَةُ الآيَةِ للتَّرجَمَةِ: أنَّ اللهَ أَثبَت الأَمنَ لمَن لَم يُشرِكْ، والَّذِي لَم يُشرِك يَكُون مُوحِّدًا؛ فدَلَّ علَى أنَّ مِن فَضائِل التَّوحِيد استِقرَارَ الأَمنِ.
عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "مَن شَهِدَ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ" أخرجاه.
قوله: "مَن شَهِدَ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ": الشَّهَادَةُ: هِي الاِعتِرافُ باللِّسانِ، والاِعتِقادُ بالقَلبِ، والتَّصدِيقُ بالجَوارِحِ، ولهذَا لمَّا قَالَ المُنافِقون للرَّسولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "نَشهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ" [المنافقون: 1]، كذّبهم الله ـ عز وجل ـ بقوله: "وَاللهُ يَعلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ" [المنافقون: 1]؛ فلَم يَنفَعهم هذَا الإِقرَارُ بِاللِّسانِ لأَنَّه خَالٍ مِن الاِعتِقاد بالقَلبِ، وخَالٍ مِن التَّصدِيقِ بالعَمَل، فلَم يَنفَع؛ فلا تَتحقَّق الشَّهادَة إلاَّ بعقِيدَةٍ في القَلب، واعتِرافٍ باللِّسان، وتَصدِيقٍ بالعَمل.
والشَّهادَة لا تَكُون إلاَّ عَن عِلمٍ سابِقٍ، قالَ تعَالى: "إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُم يَعلَمُونَ" [الزخرف: 86].
قوله: "أَن لاَّ إِلَهَ"، أي: (لاَ مَألُوهَ)، ولَيس (لا آلِهَ)، والمَألُوهُ هوَ المَعبُودُ محبَّةً وتَعظِيمًا.
قولُهُ: "إِلاَّ اللهُ"، أي: لا مَعبُودَ بحقٍّ إِلاَّ اللهُ، وقَد حُكي عَن قُريشٍ قولُهُم: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا" [ص: 5].
وأمَّا قولُه تَعالَى: "فَمَا أَغْنَتْ عَنهُم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيءٍ" [هود: 101]، فتأَلُّههم بَاطِلٌ؛ لأنَّهُ بغَيرِ حقٍّ، فهِيَ أَسماء لا حَقيقَةَ لها.
[تنبيه]:
ومِن المُؤسِف أنَّهُ يُوجَد كَثِيرٌ مِن الكُتَّابِ الآنَ الَّذِينَ يَكتُبون فِي هَذِه الأَبوابِ تَجِدُهم عِندَما يَتكَلَّمون علَى التَّوحِيد لا يُقَرِّرُون أكثرَ مِن تَوحِيد الرُّبوبِيَّة، وهذَا غلَطٌ ونَقصٌ عَظِيمٌ، ويَجِب أَن نَغرِس فِي قُلُوب المُسلِمِين تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ أَكثرَ مِن تَوحِيد الرُّبوبِيَّة، لأنَّ تَوحِيد الرُّبوبِيَّة لَم يُنكِرهُ أَحدٌ إِنكارًا حقِيقيًّا، فكَونُنا لا نُقرِّر إِلا هَذا الأَمر الفِطرِيَّ المَعلُومَ بالعَقلِ، ونَسكُتُ عَن الأَمر الَّذِي يَغلِب فِيه الهَوى هُو نَقصٌ عَظِيمٌ، فعِبادَة غَيرِ اللهِ هِي الَّتِي يُسَيطِر فِيها هَوَى الإِنسانِ علَى نَفسِه حتَّى يَصرِفَه عَن عِبادَة اللهِ وَحدَه.
قولُه: "وَحدَه لا شَرِيكَ لَهُ": (وحدَه) توكِيدٌ للإِثباتِ، (لا شَرِيكَ لَهُ) توكِيدٌ للنَّفيِ فِي كلِّ ما يَختصُّ بِه مِن الرُّبوبيَّة والأُلوهِيَّة والأَسماءِ والصِّفات؛ إِذ لا شَرِيكَ لَه فِيما يَختَصُّ بِهِ.
قولُه: "وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ"؛ أي: المبعُوثُ بمَا أَوحَى إِلَيه، فلَيس كاذِبًا علَى اللهِ؛ فالرَّسُول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَبدٌ مَربُوبٌ، فهُوَ بَشرٌ مِثلُنا؛ إلا أنَّه يُوحَى إِلَيه، قالَ تَعالَى: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ" [فصلت: 6].
وقَد غُفِر لَهُ مَا تَقدَّم مِن ذَنبِه ومَا تَأخَّر، هذَا تَحقِيقُ العِبَادَة العَظِيمَة.
أمَّا الرِّسالَة؛ فَهُو رَسُولٌ أَرسَلَهُ اللهُ ـ عز وجل ـ بِأَعظَم شَريعَةٍ إِلَى جَمِيع الخَلقِ، فبَلَّغَها غَايةَ البَلاغِ، مَع أنَّهُ أُوذِي وقُوتِل.
ونُحقِّق هذِه الشَهادَة بأَن نَعتَقِد ذلِك بقُلُوبِنا، ونَعتَرف بِه بأَلسِنَتنا، ونُطبِّق ذلِك فِي مُتابَعتِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بِجَوارِحِنا.
أمَّا ما يَنقُض تَحقِيقَ هذِهِ الشَّهادَة، فهُوَ: المَعاصِي والبِدَع.
قولُه: "وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ": الكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِي شَهادَةِ أنَّ مُحمَّدًا رَسُول اللهِ، إِلا أنَّنا نُؤمِن بِرسَالةِ عِيسَى، وَلا يَلزَمُنا اتِّباعُه؛ فَنَشهَدُ أنَّه عَبدُ اللهِ ورَسُولُه، وأنَّ أمَّه صِدِّيقَةٌ، كمَا أَخبَر اللهُ تَعالَى بِذَلِك، وأنَّهَا أَحصَنَت فَرْجَها، وأنَّها عَذرَاءُ، قال تعالى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [آل عمران: 59].
وفِي قَولِه: "عَبدُ اللهِ": رَدٌّ عَلَى النَّصارَى، وفِي قَولِه: "وَرَسُولُهُ": رَدٌّ عَلَى اليَهُودِ.
قولُه: "وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ" بِقَولِه تعالى: "كُنْ".
قولُهُ: "وَرُوحٌ مِنهُ"، أَي: رُوح مِن الأَرواحِ الَّتي خلَقَها اللهُ تعالى؛ فهُو خَلْقٌ مِن مَخلُوقَاتِه، أُضِيفَت إِلَيه تَشرِيفًا، فعِيسَى بِالنَّفخِ صَارَ جَسَدًا، وَبِالرُّوحِ صَارَ جَسَدًا وَرُوحًا.
قولُهُ: "أَدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ": إِدخَالُ الجَنَّة علَى قِسمَين:
الأوَّل: إِدخالٌ كامِلٌ لَم يُسبَق بِعذابٍ لمَن أتمَّ العَمَل.
الثَّانِي: إِدخَالٌ ناقِصٌ مَسبُوقٌ بعَذابٍ لمَن نَقَص العَمَل، فَالمُؤمِن إِذَا غَلَبت سَيِّئاتُه حسَناتِه إِن شَاءَ اللهُ عذَّبَه بقَدرِ عَملِه، وإِن شَاء لَم يُعذِّبه، قالَ اللهُ تعَالَى: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" [النساء: 116].
دلالة الحديث على التَّوحيد: من فضل التَّوحيد أنَّ صاحبَه مآلُه الجنَّة ولو قصَّر في العَمَل.
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتبَانَ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَن قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ يَبتَغِي بِذَلِكَ وَجهَ اللهِ".
قولُهُ: "عِتبَان": هو عِتبَانُ بنُ مَالِك الأَنصَارِي ـ رضي الله عنه ـ، كَان يُصلِّي بقَومِه، فضَعُف بَصَرُه، وشَقَّ علَيه الذَّهابُ إِلَيهِم، فطَلَب مِن النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَن يَخرُج إِلَيه، وَأَن يُصلِّي فِي مَكانٍ مِن بَيتِه ليَتَّخِذه مُصَلًّى، فخَرَج إِلَيه النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَمعَه طائِفَةٌ مِن أَصحابِه، مِنهم أَبو بَكرٍ وعُمَر ـ رضي الله عنهما ـ، فلمَّا دَخَل البَيت، قالَ: "أَينَ تُرِيدُ أَن أُصَلِّي؟". قال: صَلِّ هَا هُنَا، وأَشَار إِلى نَاحيَةٍ مِن البَيتِ، فصَلَّى بِهِم النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رَكعَتين، ثمَّ جَلَس علَى طَعامٍ صَنَعُوه لَه، فجَعَلُوا يَتذَاكَرُون، فذَكَرُوا رَجُلا يُقالُ لَه: مَالِكُ بنُ الدُّخْشُن، فقَال بَعضُهم: هُو مُنافِقٌ. فقَال رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تَقُل هَكَذَا؛ أَلَيسَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجهَ اللهِ؟!". ثمَّ قالَ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ" الحَدِيث.
فنَهاهُم أَن يَقُولوا هذَا؛ لأَنَّهم لا يَدرُون مَا فِي قَلبِه؛ لأنَّه يَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَالرَّسُول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لَم يُبرِّئ الرَّجُل، ونَهَى أَن نُطلِق أَلسِنَتَنا فِيمَن ظَاهِرُهم الصَّلاحُ، ولِهذَا قَال العُلَماء: يَحرُم ظَنُّ السُّوءِ بمُسلِمٍ ظاهِرُه العَدَالَةُ.
قولُهُ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ"، أَي: مُنِع مِن النَّارِ، أَو مَنَعَ النَّارَ أَن تُصِيبَهُ.
قولُهُ: "مَن قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاًَّ اللهُ يَبتَغِي بِذَلِكَ وَجهَ اللهِ"، أَي: يَطلُبُ وَجهَ اللهِ، ومَن طَلَب وَجهًا؛ فَلا بُدَّ أَن يَعمَلَ كُلَّ مَا فِي وُسعِهِ لِلوُصُولِ إِلَيه.
فالحَدِيثُ واضِحُ الدِّلالَة علَى شَرطِيَّةِ العَملِ لمَن قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ: "إِنّ المُبتَغِي لا بُدَّ أَن يُكمِّلَ وَسائِل البُغيَةِ، وَإِذا أَكمَلَها حَرُمَت عَلَيه النَّارُ تحرِيمًا مُطلَقًا، وَإِن أَتى بِالحَسَناتِ علَى الوَجه الأَكمَلِ؛ فإِنَّ النَّار تَحرُم علَيهِ تحرِيمًا مُطلَقًا، وَإِن أَتى بِشيءٍ ناقِصٍ، فإِنَّ الاِبتِغاءَ فِيه نَقصٌ، فيَكُون تَحرِيم النَّارِ علَيه فِيه نَقصٌ، لكِن يَمنَعُه مَا مَعَه مِن التَّوحِيد مِن الخُلُود فِي النَّارِ، وكَذَا مَن زَنَى، أَو شَرِب الخَمر، أَو سَرَق، فإِذا فَعَل شيئًا مِن ذلِك ثُمَّ قالَ حِين فَعَلَه: أَشهَد أَن لا إِلَه إِلا اللهُ ابتَغَى بِذلِكَ وَجهَ اللهِ؛ فهُوَ كاذِبٌ فِي زَعمِهِ؛ لأَنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالَ: "لاَ يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وَهُوَ مُؤمِنٌ"، فَضلاً عَن أَن يَكُون مُبتَغِيًا وَجهَ اللهِ".
وفِي الحَدِيثِ رَدٌّ علَى المُرجِئَة الَّذِين يَقولُون: يَكفِي قَولُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، دُونَ ابتِغَاءِ وجهِ اللهِ، وفِيه رَدٌّ علَى الخَوارِجِ والمُعتزِلَة؛ لأَنَّ ظَاهِر الحَدِيث أَنَّ مَن فَعَل هَذِه المُحرَّمَاتِ لا يُخَلَّد فِي النَّارِ، لكِنَّه مُستَحِقٌّ لِلعُقوبَة، وهُم يَقُولُون: إِنَّ فاعِل الكَبِيرَة مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.
دلالة الحديث على التَّوحيد: أنَّ الموحِّد مُحرَّمٌ على النَّار، وأنَّه ينبغي الإخلاصُ في قول (لاَ إله إلاَّ اللهُ).
وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ـ رضي الله عنه ـ عَن رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ قَالَ: "قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ! عَلِّمنِي شَيئًا أَذكُرُكَ وَأَدعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُل يَا مُوسَى: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا؟ قَالَ: "يَا مُوسَى! لَو أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي، وَالأَرَضِينَ السَّبعَ فِي كِفَّةٍ وَ(لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فِي كِفَّةٍ، مَالَت بِهِنَّ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)" رواهُ ابنُ حِبَّانَ والحَاكِم وصَحَّحه.
[الحديث اختلف أهل العلم في تصحيحه؛ فلينظر في المطولات].
قولُه: "أَذكُرُكَ وَأَدعُوكَ بِهِ"، طَلبَ شيئًا يَحصُلُ بِهِ أَمرَانِ: ذِكرُ اللهِ، ودُعاؤُهُ، فأَجابَه اللهُ بقَولِه: "قُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ"، وهذِهِ الجُملَة ذِكرٌ مُتضمِّنٌ للدُّعاءِ؛ لأنَّ الذَّاكِر يُريدُ رضَا اللهِ عَنهُ، والوُصُولَ إلَى دَارِ كَرامَتِه.
قولُه: "كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا"، أَرادَ شيئًا يَختَصُّ بِه؛ لأَنَّ تَخصِيصَ الإِنسانِ بِالأَمرِ يَدلُّ علَى مَنقَبةٍ لَهُ ورِفعَةٍ؛ فبَيَّن اللهُ لهُ أنَّهُ مَهمَا أُعطِيَ فلَن يُعطَى أَفضَل مِن هذِه الكَلِمةِ، وأنَّ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) أَعظَمُ مِن السَّمواتِ والأَرضِ ومَا فِيهِنَّ؛ لأنَّها تَمِيلُ بِهِنَّ وتَرجُحُ، فدَلَّ ذلِكَ علَى فَضلِ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وعِظَمِها، لكِن لا بُدَّ مِن الإِتيانِ بِشُروطِهَا.
قولُه: "عَامِرَهُنَّ غَيرِي"، أي: سَاكِنَهنَّ، واستَثنَى نَفسَه تَبارَك وتَعالَى؛ لأنَّ قَولَ (لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ثَناءٌ عَلَيه، والمَثنِيُّ علَيه أَعظَمُ مِن الثَّناءِ.
والمَلائِكة ساكِنُون فِي السَّماءِ؛ لأنَّهم مُحتاجُونَ إلَيها، لَكنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَيس مُحتاجًا إلَيها، بَل إِنَّ السَّماءَ، وغَيرَ السَّماءِ مُحتَاجٌ إلَى اللهِ تعَالَى؛ فلاَ يَظُنَّ ظَانٌّ أنَّ السَّماءَ تُقِلُّ اللهَ، أَو تُظِلُّهُ، أَو تُحِيطُ بِهِ.
وعَلَيه؛ فالسَّمواتُ مُقِلَّةٌ لِلملائِكَة، ومَا فوقَهُم مِنها مُظِلٌّ لَهم، أمَّا بالنِّسبَة للهِ فهِيَ جِهَةٌ؛ لأَنَّ اللهَ تعَالَى مُستَوٍ علَى عَرشِهِ، لا يُقِلُّهُ شَيءٌ مِن خَلقِهِ.
قوله: "السَّموَاتِ السَّبعَ": هذا منصوص عليه في الكتاب والسنة، وورد في السنة سمكها، والمسافة ما بينها، وما يعتقده بعض الناس أن السماء الأولى هي السماء الدنيا التي نراها ليس عليه دليل.
قوله: "وَالأَرَضِينَ السَّبعَ": الوارد في الكتاب: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ" [الطلاق: 12]؛ فالمثليَّة بالكيفيَّة غير مُرادة، لظهور الفرق بين السَّماء والأرض في الهيئة، والكيفيَّة، والارتفاع، والحسن، فبقيت المثليَّة في العدد.
أما السنَّة فقد صرَّحت في غير ما حدِيث بالعَدد.
ودِلالَة الحدِيث على التَّوحِيد: فضل التَّوحِيد وعِظَم وَزنِ (لاَ إلَه إلاَّ اللهُ).
وللتِّرمذي وحسَّنه عن أنسٍ: سمِعتُ رسولَ الله ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ؛ يقُول: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابنَ آدَمَ! لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشرِكُ بِي شَيئًا؛ لأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغفِرَةً"
قوله: "قَالَ اللهُ تَعَالَى" إلخ: هذا من الأحاديث القدسية.
قوله: "بِقُرَابِ الأَرضِ"، أي: ما يُقارِبها؛ إمَّا مِلئًا، أو ثِقلاً، أو حَجماً.
قوله: "خَطَايَا"، جمع خطِيئة، وهي الذَّنب ـ ولَو كانَت صغِيرةً ـ؛ لقوله تعالى: "بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ" [البقرة: 81].
قوله: "لاَ تُشرِكُ بِي شَيئًا"، أي: لقيتَني في حالٍ لا تُشرِكُ بي شيئًا؛ لا شركًا أصغَرَ ولاَ شركًا أكبَرَ.
وهذا قَيدٌ عظِيمٌ قد يتَهاونُ به الإنسَانُ، ويقول: أنا غيرُ مشرِكٍ، وهو لا يَدرِي؛ فحُبُّ المالِ مثلاً بحيث يُلهِي عَن طاعَة الله مِن الإِشراك، قالَ النَّبِيُّ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ: "تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عَبدُ الدِّرهَمِ، تَعِسَ عَبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبدُ الخَمِيلَةِ" الحديث، فسمَّى النبيُّ ـ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ـ مَن كانَ هذا همَّه: (عبداً له).
قوله: "لأتيتك بقُرَابها مَغفِرَة"، أي: أنَّ حسنَة التَّوحيد عظيمة تُكَفِّر الخطايا الكبيرةَ؛ إذا لقيَ اللهَ وهو لا يُشرِكُ به شَيئًا.
مناسبَة الحديث للتَّرجمة: أنَّ في هذا الحديث فضلَ التَّوحيد، وأنَّه سببٌ لتكفِير الذُّنوب؛ فهو مُطابِقٌ لقوله في التَّرجمة: "وما يكفِّر من الذنوب".
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود بوقليل ـ عفا الله عنه ـ.
|