توجيه ونصيحة لأهل السُّنَّة بقلم : شيخنا أبي عمر أسامة بن عطايا العتيبي
توجيه ونصيحة لأهل السُّنَّة
بقلم :
شيخنا المفضال
أبي عمر أسامة بن عطايا العتيبي
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
(1):
فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله، وخشيته في السر والعلن، والاجتهاد في تحصيل الطاعات، واجتناب المعاصي والمنكرات..
فمن اتقى الله وقاه،
ومن طلب هداه أناله رضاه،
ومن تمسك بحبله أنجاه،
ومن توكل عليه كفاه،
ومن خافه وخشيه أمَّنَه ورعاه،
ومن رجاه رزقه وأعطاه،
ومن لاذ بحماه حَماهُ،
ومن أكثر ذكره وشكره رفع درجته ورَقَّاهُ
ومن راقب الله وحاسب نفس شرح صدره وأنار بصيرته
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (*) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}
والجزاء: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (*) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}
(2):
الله جل وجلاله من صفاته النور، وكتاب الله نور وهداية، ومحمد عليه الصلاة والسلام على نور من الله وبينة وبرهان، والعمل بكتاب الله واتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حبور وسعادة
قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
قال ابن جرير رحمه الله: "يعني تعالى ذكره بقوله:( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون".
وقال جل جلاله وعز شأنه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (*) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
فما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم نور وهدى وحق واضح مبين.
قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره: "يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب:"قد جاءكم"، يا أهل التوراة والإنجيل="من الله نور"، يعني بالنور، محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب" انتهى.
وقال غيره: النور هو الإسلام، وقال آخرون: هو القرآن.
ويقول الأحد الصمد: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (*) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}
فكتاب الله وبعث محمد صلى الله عليه وسلم برهان وسلطان على دين الله الحق، ونور مبين وواضح ..
ويقول جل في علاه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (*) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}
فالوحي نور ينير الله به البصائر، ويشرح به الصدور، ويغذي به العقول والألباب.
ويقول سبحانه وتعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (*) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
ومن سلك سبيل الهدى واتقى الله هداه الله ووقاه:
قال الكبير المتعال عز دينه وعلت كلمته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (*) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
وأخيرا التنبيه على أن من تنكب الصراط المستقيم فويل له من ظلمات الجهل والهوى : {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}
(3):
السلفي على نور من ربه لأنه يتبع كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهج السلف..
ومن كان كذلك صان قلبه ولسانه وجوارحه عن كل ما حرم الله، وجاهد نفسه على طاعة الله وعبادته، وتزود لدار المعاد، وابتعد عن اللغو والعبث، وحاسب نفسه ولم يتبعها هواها، واشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره، وتزود بالعلم وتفقه في دينه، وداوم على ذكر الله، وحافظ على أذكار الصباح والمساء والنوم واليقظة، والخروج والدخول، والطعام والشراب وفي السفر وعند ركوب الدابة وفي كل موضع ورد فيه ذكر شرعي..
ومن تزود بالعلم والهدى، وأحب علماء السنة وأكرمهم، وأطاع ولاة أمره بالمعروف، وصبر واحتسب، وكان فقيه النفس، عالي الهمة اشتغل بالدعوة إلى الله، وعمل بعلمه فتصدر للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ونصح لنفسه وغيره، وحذر من الهوى وأهله، والبدعة وأصحابها، والظلم بشتى صوره وأشكاله..
والسلفي من دعاة العدل والإنصاف، فلا يتكلم إلا بعلم، ولا يجرح ولا يعدل إلا بالعلم والعدل ..
والسلفي ليس جباناً ولا خواراً، بل صابراً على الدعوة السلفية، مجاهداً في بيان الهدى والحق، شجاعاً ليس متهوراً بل يراعي المصالح والمفاسد مستمداً من الله العون والتوفيق والتسديد..
والسلفي إن أصابه الفتور لم يدخله في الظلم والفجور، بل فتوره تقصير بلا عصيان، وضعف بلا بهتان ..
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)) رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وغيرهما.
وفي لفظ لابن خزيمة : ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي ، فَقَدِ اهْتَدَى ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ ))
وفي لفظ للطحاوي في شرح مشكل الآثار: ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)).
وروى الإمام أحمد، وعبدالله في السنة، والبزار من طريق ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مَوْلَى بَنِي الدِّيلِ ، عَنْ عبدالله بن عمرو قال: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رِجَالٌ يَنْصَبُونَ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ نَصَبًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((تِلْكَ ضَرَاوَةُ الْإِسْلَامِ وَشِرَّتُهُ ، وَلِكُلِّ ضَرَاوَةٍ شِرَّةٌ ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلِأُمٍّ مَا هُوَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ ، فَذَلِكَ الْهَالِكُ)).
وروى الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن رجل من الأنصار مرفوعاً: ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ثُمَّ فَتْرَةً ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بدْعَةٍ ، فَقَدْ ضَلَّ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ ، فَقَدْ اهْتَدَى))
والسلفي دائم الدعاء والالتجاء إلى الله، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
فيا أيها السلفي كن قدوة لغيرك في العلم والعمل، وصن نفسك عن هواها، ولا تجعل لأهل الأهواء عليك مدخلاً ..
ومن أخطأ وأذنب فليبادر بالتوبة، فمن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ..
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والهدى والرشاد ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
والحمد لله رب العالمين .
التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 29 Dec 2009 الساعة 07:28 PM
|