عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 16 Dec 2009, 11:05 AM
حاتم خضراوي حاتم خضراوي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: بومرداس
المشاركات: 1,115
إرسال رسالة عبر Skype إلى حاتم خضراوي
افتراضي

20 ـ للكاتب شغفٌ عظيمٌ بالآثار المكانية التي تُنسبُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كمكان مولِده صلى الله عليه وسلم، والبئر التي سقط فيها خاتَمُه صلى الله عليه وسلم، ومكان مَبرك ناقته صلى الله عليه وسلم في قباء عند قدومِه في هجرتِه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وغير ذلك.
ويَعتِب بشدَّة على مَن زعم نُصحَهم؛ لعدمِ الاهتمامِ بذلك والمحافظةِ عليه، ويستدلُّ للمحافظة على مثل هذه الآثار بقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}، وبِما جاء في قصَّة طالوت: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ}.
قال: (( وقال المفسِّرون: إنَّ البقيَّةَ المذكورة هي عَصاة موسى ونعليه (كذا) و... إلخ )).
وبالإشارةِ إلى الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلَّق بآثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم واهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري.
والجواب عن الدليل الأول: أنَّ اتِّخاذ مقام إبراهيم مُصلَّى دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، ولا دلالة فيه للكاتب على المحافظة على الآثار التي ذكرها؛ لأنَّ الآيةَ في اتِّخاذ المقام مصلَّى، ولا يصحُّ القياس عليه.
وأيضاً فإنَّ اتِّخاذ المقام مصلَّى مِمَّا أشار به على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، فنزلت الآيةُ في ذلك.
وعمرُ رضي الله عنه هو الذي جاء عنه المنعُ من التعلُّق بمثلِ هذه الآثار؛ لأنَّه هو الذي أَمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعةُ الرِّضوان، ولأنَّه جاء في الأثر عن المعرور بن سُويد قال: (( كنتُ مع عمر بين مكة والمدينة، فصلَّى بنا الفجر، فقرأ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، و{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}، ثمَّ رأى قوماً ينزلون فيُصلُّون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجدٌ صلَّى فيه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثارَ أنبيائِهم بِيَعاً، مَن مرَّ بشيءٍ من المساجد فحضرَت الصلاة فليُصلِّ، وإلاَّ فلْيَمضِ ))، رواه عبد الرزاق (2/118 ـ 119)، وأبو بكر بن أبي شيبة (2/376 ـ 377) بإسنادٍ صحيح.
والجوابُ عن الدليل الثاني: أنَّ البقيَّةَ المذكورة في الآية لو صحَّ تفسيرُها بِما ذُكر، فإنَّه لا دلالة فيها على التعلُّق بالآثار؛ لأنَّ النَّهيَ عن التعلُّق بالآثار ثبت عن عمر، كما مرَّ آنفاً، وفيه: (( إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائِهم بِيَعاً ))، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ )).
والجواب عن الدليل الثالث: أنَّ الأحاديث الواردة في صحيح البخاري وغيره تدلُّ على تبرُّك الصحابة بعَرَق النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وفَضل وَضوئه وشعرِه، وغير ذلك مِمَّا مَسَّ جسدَه صلى الله عليه وسلم، وكلُّ ذلك ثابتٌ، وقد حصل للصحابة رضي الله عنه وأرضاهم.
وأمَّا الآثار المكانيَّة، فقد مرَّ في أثر عمر رضي الله عنه ما يدلُّ على منع التعلُّق بها.
ونَهيُ عمر رضي الله عنه عن التعلُّق بآثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المكانيَّة التي لَم يأتِ بها سُنَّةٌ عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، إنَّما كان لِما يُفضي إليه ذلك من الغلُوِّ والوقوع في المحذور.
ومِمَّا يُوضِّح ذلك أنَّ الكـاتبَ ـ وقد افتُتِن بالآثار ـ أدَّاه افتتانُه بها إلى الإشادةِ بالبناء على القبور، وقد جاء تحريمه في السُّنَّة، وقد مرَّ ذكرُ إشادتِه بمشهد العيدروس بعَدَن، ووصفِه قبَّته بأنَّها مباركة.
بل أدَّاه افتتانُه بالآثار أن عاب على مَن زعم نُصحَهم عدم محافظتهم على أثر مَبرَك ناقة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (( كان هناك أثر (مبرك الناقة) ناقة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في مسجد (قباء) يوم قدومه مُهاجراً إلى المدينة في مكان نزل فيه قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}، فأزَلتُم هذا الأثر، وكنَّا نُشاهدُه حتى وقتٍ قريب!! )).
ويُقال للكاتب: مِن أين لكَ وجود مكان هذا المَبرك، وبقاؤه إلى هذا الزمان؟
إنَّ ذلك لا يتأتَّى إلاَّ لو ثبت أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أحاطه بجدار، وتوارثه الخلفاءُ الرَّاشدون ومَن بعدهم إلى هذا الوقت، وأنَّى ذلك؟!!
ومعلومٌ أنَّ خلافةَ عمر رضي الله عنه تزيدُ على عشر سنين، ومقرُّها المدينة، وهو الذي أمر بقطع الشجرة التي في الحديبية قُرب مكة، وهو الذي نهى عن تتبُّع آثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المكانيَّة التي لَم تأت بها سُنَّة، كما مرَّ في الأثر قريباً، فهل من المعقول أن يَمنَعَ عمرُ رضي الله عنه من آثار بعيدة عن المدينة ويُبْقِى على أثر مَبرك الناقة الذي زعمه الكاتب، وهو عنده في المدينة؟!!
ولَم يقف الكاتبُ عند حدِّ الرَّغبة في المحافظة على الآثار المكانيَّة للرسول صلى الله عليه وسلم التي لَم يأت فيها سُنَّة، بل تعدَّاه إلى الرغبة في بقاءِ أثرٍ وُجد في عصرٍ متأخِّرٍ، فقال وهو يعِيبُ مَن زعم نُصحَهم: (( وهدَمتُم بجوار بيتِ أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه مكتبةَ شيخ الإسلام (عارف حكمت) المليئة بالكتب والمخطوطاتِ النَّفيسة، وكان طرازُ بنائها العثماني رائعاً ومُمَيَّزاً!! هدمتُم كلَّ ذلك في حين أنَّه بعيدٌ عن توسعةِ الحرَم، ولا علاقةَ له بها!! )).
وهذه نتيجة الشَّغَف بالآثار!
وموقعُ المكتبة المُشار إليها بينه وبين الجدار الأمامي لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بضعةُ أمتار، وهو الآن ضمن ساحات المسجد.
والكتب التي فيها، الاستفادةُ منها قائمةٌ؛ لأنَّ المكتبات الموجودة بالمدينة ـ ومنها هذه المكتبة ـ جُمعت في مكتبة واحدة قرب المسجد النبوي، وهي مكتبة الملك عبد العزيز.
هذا ولَم يقِف الكاتبُ عند حدِّ العتب واللَّوم لِمَن زعم نصحَهم؛ لعدم المحافظة على الآثار المكانية للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التي لَم تأتِ به سُنَّة، بل تعدَّاه إلى وصفِهم بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم!
ولا أدري هل شَعر الكاتبُ أو لَم يشعُر أنَّ مَن يكره الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم لا يكون مسلماً، بل يكون كافراً؟!
وسبق للكاتب أنَّ مَن زعم نُصحَهم يتَّهمون المسلمين بالشرك، وأنَّهم يُكفِّرون الصوفيَّة قاطبة، وأنَّهم يُكفِّرون الأشاعرة، وذلك كذبٌ عليهم، وهم برآء منه، وهنا يصف مَن زعم نصحَهم ـ زوراً وبُهتاناً ـ بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ ، ولا شكَّ أنَّ ذلك كفرٌ، نعوذ بالله من الكفر والشرك والنفاق.
ثمَّ مِمَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ الصحابةَ الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ومن تبعهم بإحسانٍ لَم يكونوا يذهبون إلى الآثار المكانية التي لَم يأت بها سُنَّة، كمكان مولده صلى الله عليه وسلم، ومكان مَبْرَك الناقة المزعوم، ولو كان خيراً لسبقوا إليه.
فلَم يكونوا يحافظون على مثل هذه الآثار، وإنَّما كانوا يحافظون على آثارٍ أُخرى، وهي الآثارُ الشرعيَّةُ التي هي حديثُه صلى الله عليه وسلم المشتمل على أقواله وأفعاله وتقريراته صلى الله عليه وسلم، ويحافظون على فعل السُّنن وترك البدع ومحدثاتِ الأمور، ولقد أحسن مَن قال:
دينُ النَّـبِيِّ مُحـمَّـد أخـبـــارُ ---- نـعم المـطـيَّةُ للـفتى آثــارُ
لا ترغَبنَّ عن الحـديث وأهلِه ---- فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نهارُ
ولَرُبَّما جهل الفتى أثرَ الهُدى ---- والشَّمسُ بازغَةٌ لَها أنـوارُ
وقال آخر:
الفقهُ في الدين بالآثار مقتـرنٌ ---- فاشـغَل زمانَـك في فقهٍ وفي أثَرِ
فالشُّغلُ بالفقه والآثار مرتفعٌ ---- بقاصد الله فوق الشمس والقمرِ

* * *

21 ـ ومقدِّمة الدكتور البوطي لأوراق الأستاذ الرفاعي تشتمل على الثناء على الرِّفاعي، وموافقته على كلِّ ما في نصيحتِه المزعومة المسمومة، وعلى وَصْفها بأنَّها (تذكرة هادئة، ولطيفة في أسلوبها!!).
وتشتملُ على الغلوِّ في الآثار المكانيَّة التي لَم يأت بها سنَّة عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، بل وزعم أنَّ القرون الثلاثة وما بعدها إلى هذا الوقت مُجمعةٌ على التبرُّك بهذه الآثار، وأنَّه لَم يُخالِف في ذلك إلاَّ علماء نجد المزعوم نُصحهم، وأنَّ ذلك بدعة.
ومن قوله في ذلك: (( ولا نشكُّ في أنَّهم يعلمون كما نعلم أنَّ عصورَ السلف الثلاثة مرَّت شاهدة بإجماع على تبرُّك أولئك السلف بالبقايا التي تذكِّرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، من دار ولادتِه، وبيت خديجة رضي الله عنها، ودار أبي أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل فيها في أيامه الأولى من هجرتِه إلى المدينة المنورة، وغيرها من الآثار كبئر أَريس، وبئر ذي طوى، ودار الأرقم ... ثم إنَّ الأجيالَ التي جاءت فمرَّت على أعقاب ذلك كانت خيرَ حارسٍ لَها، وشاهد أمين على ذلك الإجماع )).
وتشتملُ أيضاً على اتِّهام المزعوم نُصحهم بـ (( تكفير سواد هذه الأمة بحجَّة كونهم أشاعرة أو ماترديين! )).
وتشتملُ أيضاً على الإنكار على علماء نجد في تحذيرِهم من الغلُوِّ في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُفرِّق بين الغُلُوِّ والإطراء، فيَمنعُ الإطراءَ ويُجيزُ الغلُوَّ، قال: (( ولو قلتُم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاتطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم) لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحةً غاليةً.
أمَّا الحبُّ الذي هو تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده، فلا يكون الغلوُّ فيه ـ عندما يكون المحبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إلاَّ عنواناً على مزيدِ قُربٍ من الله!! وقد علمنا أنَّ الحبَّ في الله من مُستلزمات توحيد الله تعالى، ومهما غلا مُحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُبِّه له أو بالَغ، فلن يصِل إلى أَبعد من القَدْر الذي أَمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم!!! إذ قال فيما اتَّفق عليه الشيخان: (لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من مالِه وولدِه والناس أجمعين)، وفي رواية للبخاري: (ومن نفسه) )).
والجواب: على ذلك أن نقول:
أولاً: أمَّا ثناء البوطي على الرفاعي فيصدق على المثنِي والمثنَى عليه قول الشاعر:
ذهب الرِّجال المُقتدَى بفعالِهم --- والمنكـرون لـكلِّ فعل منكرِ
وبقيتُ في خَلْف يُزكِّي بعضُهم ---- بعضاً ليدفع معور عن معورِ
ثانياً: إنَّ وصفَ البوطي لنصيحة الرِّفاعيِّ المزعومة
بـ (أنَّها تذكرة هادئة، وأنَّها لطيفة في أسلوبها!!) بعيدٌ عن الحقيقة والواقع؛ يتَّضحُ ذلك بالوقوف على بعض الجُمل التي أوردتُها من كلام الرِّفاعيِّ، ففيها الكذب والجفاء.
ثالثاً: وأمَّا موافقتُه للرِّفاعي فيما جاء في أوراقه، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم في الردِّ على الرِّفاعي هو ردٌّ على البوطي.
رابعاً: وأمَّا إجماع العصور الثلاثة وما بعدها الذي زعمه البوطي على التبرُّك بآثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المكانيَّة، كمكان مولدِه وبئر أريس التي سقط فيها خاتَمُه صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، فلا يتأتَّى له إثبات هذا الإجماع، بل ولا إثبات القول به عن واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم!
وأيُّ إجماعٍ يُزعمُ من الصحابة ومَن بعدهم على ذلك، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه الأمر بقطع شجرة بيعة الرضوان في الحديبية قرب مكة، وجاء عنه أيضاً التحذيرُ من التعلُّق بمثل هذه الآثار، وقال: (( إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً ))؟! كما مَرَّ ثبوت ذلك عنه في مصنَّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
خامساً: وأمَّا زعمه بأنَّه لَم يُخالف هذا الإجماعَ المزعوم إلاَّ علماءُ نجد، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ كلَّ متَّبع للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة يقول بهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه، وهم في هذا العصر كثيرون، منتشرون في الأقطار المختلفة، ومنها الكويت والشام التي منها الرفاعي والبوطي!
سادساً:وأمَّا زعمه أنَّ المزعومَ نُصحهم يُكفِّرون سوادَ الأُمَّة بحُجَّة كونهم أشاعرةً أو ماترديِّين، فهو كذبٌ منه وافتراءٌ، كما أنَّه كذبٌ وافتراءٌ من الرفاعي، وقد مرَّ الردُّ عليه.
وأزيد هنا فأقول: إنَّ الفِرَقَ الواردةَ في قوله صلى الله عليه وسلم:
(( ستفترِقُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة ... )) الحديث، هم من المسلمين؛ لأنَّ أُمَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتان: أمَّة الدعوة، يدخل فيها اليهود والنصارى، وكلُّ إنسيٍّ وجِنِّي من حين بِعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة.
وأمَّةُ الإجابة: وهم الذين دخلوا في هذا الدِّين، وفيهم الفِرق المذكورة في الحديث، وكلُّ هذه الفِرَق مسلمون مُستحقُّون للعذاب بالنَّار، سوى فرقةٍ واحدة، وهي مَن كان على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم.
سابعاً: وأمَّا تفريقُه بين الإطراءِ والغُلُوِّ، ومَنعُه الأولَ وتجويزُه الثاني، فهو من التفريقِ بين متماثِلَين، وكما أنَّ النَّهيَ جاء عنه صلى الله عليه وسلم عن الإطراء، فإنَّ الغُلُوَّ جاء فيه النَّهيُ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، وقد لَقَطَ ابنُ عبَّاسٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصَى الجِمار، وهنَّ مثل حصى الخذف، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يَرموا بمِثلِها، قال: (( وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الغلُوُّ في الدِّين ))، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيُّ وغيرُه.
ومعلومٌ أنَّ مَحبَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يجبُ أن تكون في قلب كلِّ مسلم أعظمَ من مَحبَّته لنفسِه وأهله والناس أجمعين، لكن لا يجوز فيها الغُلُوُّ الذي قد يُؤدِّي إلى أن يُصرَف إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شيءٌ من حقِّ الله، كالذي حصل للبوصيريِّ في أبياتِه التي أشرتُ إليها فيما تقدَّم في الردِّ على الرفاعي.
وليت شعري! ما الذي سوَّغ للبوطيِّ تجويز الغلوِّ في محبَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم أُسُس الدِّين، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدِّم آنفاً: (( وإيَّاكم والغلو في الدِّين، فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين ))؟!

* * *

وفي الختام، أقول في النهاية كما قلتُ في البداية: إنَّ الردَّ على الرفاعي إنَّما هو ردٌّ على بعض ما اشتملت عليه أوراقُه، وأنَّ ما ذُكر دليلٌ على ما لم يُذكر.
وأُضيف هنا أنَّنِي لَم أرَ في نصيحة الرفاعي المزعومة ولا في تقديم البوطي لها مسألةً واحدةً حالفهما فيها الصواب، بل إنَّ هذه النصيحة المزعومة المُؤيَّدة من البوطي هي في الحقيقة فضيحة لهما؛ لاشتمالِها على الكذب الواضح على أهل السنَّة والدعوة إلى البدع والضلال.
وأسأل الله لهما الهدايةَ للحقِّ والعملِ به، والسلامةَ مِمَّا يُخالفه، وأسأله تعالى أن يُوفِّقنا جميعاً لِما فيه رضاه والفقه في دينه، والسير على ما كان عليه رسوله الكريم r وأصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.


-- -------------------





فهرس الموضوعات
· المقدمة........................................ 3
· التنبيه بين يدي الردِّ على أمور على سبيل الإجمال.... 4
· زعم الكاتب أنَّ علماء نجد تخلَّوا عن المذهب الحنبلي والرد عليه6
· بيان أنَّ علماء نجد يُعوِّلون على الأدلة ولا يتعصَّبون للمذهب الحنبليِّ7
· بيان أنَّ المنصفِين من أصحاب المذاهب الأخرى يُعوِّلون كذلك على الأدلة ولا يتعصَّبون لمذاهبهم8
· بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة هم أسعَد الناس باتباع الأئمة؛ لأنَّهم المنفِّذون لوصاياهم باتباع الأدلة12
· بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة يوافقون الأئمة الأربعة في العقيدة ويستفيدون منهم في الفروع بخلاف غيرهم13
· بيان أنَّ كتاب دلائل الخيرات مشتملٌ على أحاديث موضوعة وكيفيات محدثة للصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذكر أمثلة لذلك14
· زعم الكاتب أنَّ علماء نجد منعوا النصيحة لولاة أمور المسلمين والرد عليه20
· بيان أنَّ النصيحةَ النافعة للولاة وغيرهم ما كانت سرًّا وبالرِّفق واللِّين21
· إنكار الكاتب على من زعم نصحهم وصف المدينة بالنبوية والرد عليه30
· تخرُّص الكاتب في تسمية الجهة المشرفة على المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبيان سقوط هذا التخرُّص32
· إنكار الكاتب على من زعم نصحهم عدم وجود علامة إلى القبلة الأولى في المسجد المُسمَّى مسجد القبلتين والرد عليه.............. 34
· افتراء الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يتَّهمون المسلمين بالشرك وأنَّهم يكفِّرون الأشاعرة والصوفية36
· زعمه أنَّ علماء نجد يُنكرون تقليد المذاهب الأربعة وبيان الردِّ عليه وأنَّ التقليد عند الضرورة لا مانع منه37
· بيان موقف أهل العدل والإنصاف من الأئمة الأربعة. 44
· ذكر كلام باطل للشيخ أحمد الصاوي في التعصب للأئمة الأربعة46
· إنكار الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يردِّدون جملة الحديث الشريف: (( وكل بدعة ضلالة ))، دون فهم لمعناها والرد عليه ببيان الفهم الصحيح لمعناها.................. 48
· زعمه أنَّ من البدع الشنيعة وضع حواجز تفصِل بين الرِّجال والنساء في المسجد الحرام 54
· إشادة الكاتب بقصيدة البردة للبوصيري والرد عليه ببيان المدح بالحقِّ والمدح بالباطل للرسول r68
· إنكار الكاتب منع دفن المسلم الذي يموت خارج مكة والمدينة من الدفن فيهما والرد عليه75
· نيل الكاتب من الشيخ العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدِّين الألباني ـ رحمه الله ـ والرد عليه78
· إشادة الكاتب بالاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكارُه على من زعم نصحهم إنكارَهم لذلك والرد عليه80
· تناقض الكاتب في تألُّمه من تفرُّق المسلمين في أوربا
وأمريكا وتألمه وحزنه على وحدة المسلمين في صلاتهم عند الكعبة86
· إنكار الكاتب القول بأنَّ أَبوي الرسول صلى الله عليه وسلم في النار والرد عليه.................... 88
· ذكر جملة من أقوال ابن عربي الطائي الدالة على كفره وذكر عدد كبير من أهل العلم الذين كفَّروه100
· نيل الكاتب من شيخ الإسلام الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ والرد عليه....................... 115
· زعم الكاتب أنَّ الشيخ أبا بكر الجزائري لبَّس على الناسِ أنَّ تفسيرَه هو تفسير الجلالين ليروج على العامة والرد عليه، وبيان أنَّ تفسير الجلالين على طريقة المتكلِّمين............ 117
· نيل الكاتب من المسئولين في هذه البلاد في إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة والرد عليه119
· إنكار الكاتب على الحُكَّام والقضاة في هذه البلاد قتل السحرة ومُهرِّبي المخدِّرات والرد عليه122
· زعم الكاتب أنَّ من زعم نصحهم يُنكرون الولاية وكرامات الأولياء والرد عليه124
· إشادة الكاتب بالآثار المكانية التي تُنسب إلى النبِيِّ كمكان مولده والبئر التي سقط فيها خاتمه ومَبرَك ناقته r، وعتبه بشدَّة على من زعم نصحهم عدم اهتمامهم بالمحافظة على ذلك والرد عليه133
· ذكر الأمور التي اشتملت عليها مقدمة البوطي لأوراق الرفاعي والرد عليه فيها140
· خاتمة الرد..................................... 147
· فهرس الموضوعات.............................. 149


* * *
*


لتحميلها على ملف وورد:



التعديل الأخير تم بواسطة حاتم خضراوي ; 16 Dec 2009 الساعة 11:15 AM
رد مع اقتباس