
16 Dec 2009, 10:52 AM
|
|
عضو
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: بومرداس
المشاركات: 1,115
|
|
13 ـ أشاد الكاتبُ في أوراقه بإقامة احتفالات لِمولدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَنكَرَ على مَن زعم نُصحَهم إنكارهم لذلك.
والجواب: أنَّ مَحَبَةَ الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلبِ كلِّ مسلم أعظمَ من محبَّتِه لوالديه وولده والناسِ أجمعين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِه وولدِه والناس أجمعين ))، رواه البخاري ومسلم.
بل يجبُ أن تكون أعظمَ من مَحبَّتِه لنفسِه، كما ثبت ذلك في حديث عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري، وإنَّما وجب أن تكون مَحبَّتُه صلى الله عليه وسلم أعظمَ مِن مَحبَّة النفسِ والوالِدِ والولَدِ؛ فلأنَّ النِّعمةَ التي ساقها اللهُ للمسلمين على يديه صلى الله عليه وسلم ـ وهي نعمةُ الهدايةِ للصراطِ المستقيم، نعمةُ الخروج من الظلمات إلى النُّورِ ـ هي أَجَلُّ النِّعم وأعظَمُها، لا يُساويها نعمةٌ ولا يُماثلُها نعمة.
والعلامةُ الواضحةُ الجليَّةُ لِمَحبَّتِه صلى الله عليه وسلم اتِّباعُ ما كان عليه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابُه الكرام رضي الله عنهم، وذلك بتصديقِ الأخبار، وامتثالِ الأوامرِ، واجتنابِ النَّواهي، وأن تكون العبادةُ لله مُطابقةً لِما جاء في الكتاب والسُّنَّة.
ومِن المعلوم أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَم يأتِ عنه شيءٌ يدلُّ على احتفاله بِمولِده، وكذا لَم يأتِ شيءٌ من ذلك عن أصحابِه الكرام، ولا عن التابعين وأتباعِ التابعين، ومَضتِ القرونُ الثلاثةُ الأولى ليس فيها شيءٌ من الاحتفالات بمولِده صلى الله عليه وسلم، وأولُ مَن عُرف عنه إحداثُ الاحتفال بالموالدِ ـ ومنها مولده صلى الله عليه وسلم ـ العُبَيدِيُّون الذين حَكموا مصرَ، الذين يُقال لهم: الفاطميين، وكان بدءُ حكمهم مصر في القرن الرابع الهجري، فقد ذكر تقيُّ الدِّين أحمد بن علي المقريزي في كتابه: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (1/490) أنَّه كان للفاطميِّين في طول السَّنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرةٌ جدًّا، ومنها مولدُ الرسول صلى الله عليه وسلم، ومولد عليٍّ وفاطمة والحسن والحُسين رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر.
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (567هـ)، وهي السنةُ التي انتهت فيها دولتُهم بموتِ آخرهم العاضد، قال: (( ظهرتْ في دولتِهم البدعُ والمنكرات، وكثُرَ أهلُ الفساد، وقلَّ عندهم الصالِحون من العلماء والعُبَّاد ... )).
وذكر ابن كثير قبل ذلك بقليل أنَّ صلاح الدِّين قطع الأذانَ بِحيَّ على خير العمل من مصر كلِّها.
وفي القول بالاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم تقليدٌ للنصارى في احتفالهم بميلادِ عيسى عليه الصلاة والسلام، فقد قال السخاويُّ في كتابه التبرالمسبوك في ذيل السلوك (ص:14): (( وإذا كان أهلُ الصَّليب اتَّخذوا ليلة مولِد نبيِّهم عيداً أكبر، فأهل الإسلام أولَى بالتكريمِ وأجدَر!!! )).
وتعقَّبه مُلاَّ علي القاري في كتابه المورد الروي في المولد النبوي (ص:29، 30) بقوله: (( قلت: مِمَّا يَرِدُ عليه أنَّا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب )).
أورد النقل عنهما الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري
ـ رحمه الله ـ في كـتـابـه القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرُّسل ـ وهو ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النَّبوي ـ (2/630 ـ 631).
وكتاب الأنصاريِّ هذا من أحسن ما أُلِّف في هذه المسألةِ التي ابتُلي بها كثيرٌ من الناس منذ أن أُحدثت في القرن الرابع إلى الآن.
وإذاً فالمُحْدِثون لبدعة الموالدِ الرافضةُ العُبيديُّون، والمقلَّدون فيها النصارى الضَّالُّون، وصدق الرسول الكريمُ صلى الله عليه وسلم في قوله: (( لتَتبعُنَّ سَنَن مَن كان قبلكم، شِبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ تَبِعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟ ))، رواه البخاريُّ ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
* * *
14 ـ قال الكاتبُ: (( كان للمذاهب الأربعة في الحَرم المكيِّ منابر، فهدمتُموها، ثمَّ كراسي للتدريس، فمنعتموها ... )).
واستنكرَ قولَ أحد المُدرِّسين في المسجد النَّبوي: إنَّ أبوي رسول اللهصلى الله عليه وسلم في النار، واستشهد لإنكارِه بقول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا}، وبقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}!!! وعوَّل في نجاةِ الأَبَوين على رسائل للسيوطي في ذلك.
والجواب: أن يُقال: يُريد الكاتبُ بالمنابر المهدومة المقامات التي على أطراف المطاف سابقاً، والتي يُقال لها: مقام الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وكانت موجودةً قبل ولاية الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان كلُّ أصحاب مذهبٍ يُصلُّون على حِدَةٍ عند هذه المقامات، فكان من أعظمِ حسناتِ الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أنَّه منذ بدء ولايتِه قضَى على هذا التفرُّق في الصلاة حول الكعبة، وجمع النَّاسَ على إمامٍ واحد يُصلِّي بهم مجتمعين غير متفرِّقين، وقد بقيت البناياتُ التي يُقال لها المقامات إلى أن أُزيلت عند توسِعة المطاف، وقد شاهدتُها عندما حججتُ فرضي سنَة (1370هـ).
وقد سمعتُ من الدكتور محمد تقي الدِّين الهلالي ـ رحمه الله، وهو مِمَّن أدرك ذلك الوقت ـ يذكر أنَّ واحداً مِمَّن آلَمَهم ذلك التفرُّق تحدَّث مع واحدٍ من المتعصِّبين مُنكِراً لذلك التفرُّق، فكان جواب ذلك المتعصِّب أن قال: الدليل على أنَّكم لستم على حقٍّ أنَّه ليس لكم مقامٌ حول الكعبة، فكان جواب المنكِر لذلك التفرُّق: يكفي المسلمين جميعاً مقامُ إبراهيم، ولا يحتاجون إلى مقامات أخرى!!
والكاتبُ ـ في أوراقِه ـ يُظهرُ التألُّمَ من فُرقة المسلمين في هذا الزمان، فيقول: (( بلادُ أمريكا وأوربا وصلها داؤكم الدَّفين، فاشتعلَ الخلافُ في مساجدِ ومدارس المسلمين، هذا تابعٌ لابن باز وابن عُثيمين، يُكفِّرُ الصوفيةَ والذَّاكرين، وهذا أشعريٌّ أو ماتريديٌّ، وهذا ديوبَنديٌّ أو بريلوي ... إلخ، يُحاربُ بعضُهم بعضاً، ويُحرِّم الصلاة خلفهم، والزواج والتواصل فيما بينهم، ويقطع أواصرَ الدِّين ... )).
فإذا كان هذا تألُّمُه لفُرقةِ المسلمين في أوربا وأمريكا، فما باله يتألَّم ويحزن لوِحدتِهم وزوال فُرقتِهم عند الكعبة، فينقمُ على مَن كانوا سبباً في هذه الوِحدةِ، ويقول: ((كان للمذاهب الأربعة في الحَرم المكيِّ منابر، فهدمتُموها ))؟!!
وهذا التناقضُ من الكاتبِ في تأَلُّمِه على الفُرقة في أمريكا وأوربا، وتألُّمه وحُزنِه على وِحدة المسلمين في صلاتِهم عند الكعبة ناشيءٌ عن اتِّباعِ الهَوَى والنَّيلِ مِمَّن يَدْعو إلى الحقِّ والهدى، وما أحسن قول أبي عثمان النيسابوري رحمه الله: (( مَن أمَّر السُّنَّةَ على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة )).
ثمَّ ما علاقةُ مَن أراد نُصحَهم بتفَرُّق غيرهم إلى أشعريٍّ أو ماتريديٍّ، وديوبَنديٍّ أو بريلويٍّ ... إلخ، على حدِّ قوله.
وقوله: ((هذا تابعٌ لابن باز وابن عُثيمين، يُكفِّرُ الصوفيةَ والذَّاكرين ))، هو من الإفكِ المُبين، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك.
وأمَّا التدريسُ في المسجد الحرام والمسجد النَّبَويِّ، فهو مستَمرٌّ وقائمٌ ـ والحمد لله ـ في التفسير والحديث والفقه وغيرها، وأذكرُ أنَّ مِمَّا دُرِّس في المسجد النَّبَويِّ موطأ الإمام مالك رحمه الله، درَّسه كلٌّ من الشيخ عطية محمد سالم، والشيخ عمر محمد فلاتة رحمهما الله، ومقتضى الولاية والأمانة والنُّصح للمسلمين ألاَّ يُسمح لكلِّ مَن أراد أن يفتحَ فاه في المسجدَين الشريفين.
وأمَّا إنكارُه القول بأنَّ أبوي رسول اللهصلى الله عليه وسلم في النار فلا وجه له؛ لأنَّ الذي قال ذلك هو رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: (( في النار ))، فلمَّا قَفَّى دعاه، فقال: (( إنَّ أبي وأباك في النَّار )).
وقد بوَّب النَّوويُّ لهذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم بقوله: (( باب: بيان أنَّ مَن مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقرَّبين )).
وقال في شرحه: (( وفيه أنَّ مَن مات في الفترة على ما كانت عليه العربُ من عبادة الأوثان فهو في النَّار، وليس هذا مُؤاخذة قبل بلوغ الدَّعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوةُ إبراهيم وغيره من الأنبياء صلواتُ الله تعالى وسلامه عليهم )).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (( استأذنتُ ربِّي أن أستغفرَ لأُمِّي فلَم يأذن لِي، واستأذنتُه أن أزورَ قبرَها فأذِن لِي )).
وفيه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( زار النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قبرَ أُمِّه، فبَكى وأبْكى مَن حوله، فقال: استأذنتُ ربِّي في أن أَستغفرَ لَها فلَم يُؤذن لِي، واستأذنتُه في أن أزورَ قبرَها فأذِنَ لِي، فزوروا القبورَ؛ فإنَّها تُذكِّرُ الموتَ )).
قال النوويُّ في شرحه هذا الحديث: (( فيه جوازُ زيارةِ المشركين في الحياة، وقبورِهم بعد الوفاة؛ لأنَّه إذا جازت زيارتُهم بعد الوفاة ففِي الحياة أولَى، وقد قال الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، وفيه النَّهيُ عن الاستغفار للكفَّار، قال القاضي عياض رحمه الله: سببُ زيارتِه صلى الله عليه وسلم قبرها أنَّه قصَد قوة الموعظة والذِّكرى بمُشاهدةِ قبرِها؛ ويُؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: فزوروا القبور؛ فإنَّها تُذِّكركم الموت )).
وقال أيضاً: (( قوله: فبكى وأَبْكى من حوله، قال القاضي: بكاؤُه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيَّامِه والإيمان به )).
وقال البيهقيُّ في السنن الكبرى (7/190): (( وأبواه كانا مشركَين؛ بدليل ما أخبرنا ... ))، ثمَّ ساق بإسناده حديثَ أنسٍ: (( إنَّ أبي وأباك في النَّار ))، وبإسنادِه حديث أبي هريرة في استئذانِه صلى الله عليه وسلم في أن يستغفرَ لأمِّه فلَم يُؤذن له، وهما اللَّذان أخرجهما مسلم.
وعلى هذا فالثابتُ عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم كون أَبوَيه ماتا مشركَين، وأنَّهما في النَّار، ولَم يثبت شيءٌ يدلُّ على خلاف ذلك، وما ذكره مَن قال بإحيائهما له صلى الله عليه وسلم وإسلامِهما ليس بصحيح؛ لعدم ثبوته من حيث الإسناد؛ لأنَّ فيه مجاهيل، كما ذكر ذلك ابنُ كثير وغيرُه.
وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/324 ـ 327):
(( سُئل الشيخ رحمه الله تعالى:
هل صحَّ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أحيا له أَبَويه حتى أَسلَما على يديْه، ثمَّ ماتَا بعد ذلك؟
فأجاب: لَم يصحَّ ذلك عن أحدٍ من أهل الحديث، بل أهلُ المعرفة مُتَّفقون على أنَّ ذلك كذبٌ مُختَلَقٌ، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر ـ يعني الخطيب ـ في كتابه السابق واللاحق، وذكره أبو القاسم السُّهيلي في شرح السيرة بإسنادٍ فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبيُّ في التذكرة، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنَّه من أظهرِ الموضوعات كذباً كما نصَّ عليه أهلُ العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدَة في الحديث، لا في الصحيح، ولا في السنن، ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يَروُون الضعيفَ مع الصحيح؛ لأنَّ ظهورَ كذب ذلك لا يخفى على مُتديِّن، فإنَّ مثلَ هذا لو وقعَ لكان مِمَّا تتوافرُ الهِمَمُ والدَّواعي على نقلِه، فإنَّه من أعظمِ الأمورِ خرقاً للعادة من وجهين:
من جهة إحياءِ الموتى، ومن جهةِ الإيمانِ بعد الموتِ، فكان نقلُ مثل هذا أولَى من نقلِ غيرِه، فلَمَّا لَم يروِه أحدٌ من الثقاتِ عُلِم أنَّه كذبٌ.
والخطيبُ البغداديُّ هو في كتاب "السابق واللاحق" مقصوده أن يذكر مَن تقدَّم ومَن تأخَّر من المُحدِّثين عن شخصٍ واحد، سواء كان الذي يروونه صدقاً أو كذباً، وابنُ شاهين يروي الغثَّ والسَّمينَ، والسُّهيليُّ إنَّما ذكر ذلك بإسنادٍ فيه مجاهيل.
ثمَّ هذا خلاف الكتاب والسُّنَّة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}.
فبيَّن الله تعالى أنَّه لا توبة لِمَن مات كافراً، وقال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ}، فأخبر أنَّ سنَّتَه في عبادِه أنَّه لا ينفع الإيمانُ بعد رؤية البأس، فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص.
وفي صحيح مسلم: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: (( إنَّ أباكَ في النار ))، فلمَّا أدبَر دعاه، فقال: (( إنَّ أبي وأباك في النَّار )).
وفي صحيح مسلم أيضاً أنَّه قال: (( استأذنتُ ربِّي أن أزورَ قبرَ أمِّي فأذِن لِي، واستأذنته في أن أستغفرَ لها فلَم يأذن لِي، فزوروا القبورَ؛ فإنَّها تُذكِّرُ الآخرة )).
وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: (( إنَّ أمِّي مع أُمِّك في النَّار )).
فإن قيل: هذا في عام الفتح، والإحياءُ كان بعد ذلك في حَجَّة الوداع، ولهذا ذكر ذلك مَن ذكره، وبهذا اعتذر صاحبُ التذكرة، وهذا باطلٌ لوجوه:
ـ الأول: إنَّ الخبرَ عمَّا كان ويكون لا يدخله نسخٌ، كقوله في أبي لَهب: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}، وكقوله في الوليد: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}.
وكذلك في: (( إنَّ أبي وأباك في النار ))، و(( إنَّ امِّي وأمَّك في النَّار ))، وهذا ليس خبراً عن نارٍ يخرج منها صاحبُها كأهل الكبائر؛ لأنَّه لو كان كذلك لجاز الاستغفارُ لهما، ولو كان قد سبق في علمِ الله إيمانُهما لَم يَنهَهُ عن ذلك، فإنَّ الأعمالَ بالخواتيم، ومَن ماتَ مؤمناً فإنَّ الله يغفرُ له، فلا يكون الاستغفارُ له مُمتَنِعاً.
ـ الثاني: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم زارَ قبرَ أُمِّه؛ لأنَّها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأمَّا أبوه فلم يكن هناك، ولم يَزُره؛ إذ كان مدفوناً بالشام في غير طريقه، فكيف يُقال: أُحْيِيَ له؟!
ـ الثالث: إنَّهما لو كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا أحقَّ بالشُّهرةِ والذِّكر من عمَّيه: حمزة، والعباس، وهذا أبعد مِمَّا يقوله الجُهَّال من الرافضة ونحوهم مِن أنَّ أبا طالب آمن، ويحتجُّون بِما في السيرة من الحديث الضعيف، وفيه أنَّه تكلَّم بكلامٍ خفيٍّ وقت الموت.
ولو أنَّ العبَّاس ذكر أنَّه آمن لَمَا كان قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: عمُّك الشيخ الضَّال كان ينفعُك، فهل نفعتَه بشيءٍ؟ فقال: (( وجدتُه في غمرة من نارٍ، فشفعتُ فيه حتى صار في ضحضاحٍ من نار، في رجليه نعلان من نارٍ يَغلِي منهما دماغُه، ولولا أنا لكان في الدَّرك الأسفل من النار )).
هذا باطلٌ مُخالفٌ لِما في الصحيح وغيره، فإنَّه كان آخر شيءٍ قاله: هو على ملَّة عبد المطلب، وأنَّ العبَّاس لَم يشهد موتَه، مع أنَّ ذلك لو صحَّ لكان أبو طالبٍ أحقَّ بالشُّهرةِ من حمزة والعبَّاس، فلَمَّا كان من العلم المتواترِ المستفيض بين الأُمَّة خلفاً عن سلَفٍ أنَّه لَم يُذكَر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يُذكرُ من أهله المؤمنين، كحمزة، والعبَّاس، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، كان هذا من أَبيَنِ الأدلَّةِ على أنَّ ذلك كذبٌ.
ـ الرابع: أنَّ الله تعالى قال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ} إلى قوله: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ}، الآية، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
فأمرَ بالتَّأسي بإبراهيم والذين معه، إلاَّ في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار، وأخبرَ أنَّه لَمَّا تبيَّن له أنَّه عدوٌ لله تبرَّأ منه، والله أعلم )). اهـ.
وأمَّا تعويلُ الكاتب على رسائل السيوطي في نجاةِ الأَبَوَين، فجوابُه أنَّ السيوطيَّ لَم يأت بشيء ثابتٍ في ذلك يُعوَّلُ عليه، وقد ألَّف الشيخ علي مُلاَّ القاري الحنفي رسالةً في الردِّ عليه، وبيان أدلة معتقد أبي حنيفة في ذلك.
وقال فيها (ص:85 ـ 87): (( والعجبُ من الشيخ جلال الدِّين السيوطي ـ مع إحاطتِه بهذه الآثار التي كادت أن تكون متواترةً في الأخبار ـ أنَّه عَدَل عن مُتابعةِ هذه الحجَّة، وموافقة سائر الأئمَّة، وتَبِع جماعةً من العلماء المتأخِّرين، وأورد أدلَّةً واهيةً في نظر الفضلاء المعتَبَرين، منها أنَّ الله سبحانه أحيا له أبويه حتى آمنا به؛ مُستدلاًّ بِما أخرجه ابنُ شاهين في الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في السابق واللاحق، والدارقطني وابن عساكر، كلاهما في غرائب مالك بسندٍ ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: (حجَّ بنا رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم حجَّةَ الوداع، فَمَرَّ بي على عَقبة الحجون، وهو باكٍ حزينٌ مغتَمٌّ، فنزل، فمكث عنِّي طويلاً، ثمَّ عاد إليَّ وهو فرِحٌ، فتبسَّم، فقلتُ له؟ فقال: ذهبتُ لقبر أُمِّي، فسألتُ الله أن يُحيِيَها، فآمنت بِي، وردَّها الله عزَّ وجلَّ).
وهذا الحديثُ ضعيفٌ باتِّفاق المُحدِّثين، كما اعترف به السيوطي، وقال ابن كثير: إنَّه منكرٌ جدًّا، ورواتُه مجهولون )). اهـ.
ثمَّ كيف يزعم الكاتبُ أنَّ القولَ بكون أَبَوي الرسول صلى الله عليه وسلم في النار فيه إيذاءٌ للرَّسول صلى الله عليه وسلم، وهو مَبنِيٌّ على سُنَّةٍ ثابتةٍ عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره؟!! بخلاف القول بإحياءِ الأبَوين وإسلامهما ـ وهو الذي عوَّل عليه الكاتب ـ فإنَّه لَم يثبت في السُّنَّةِ عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وهو قولٌ على الله ورسوله بغير علم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
* * *
15 ـ قال الكاتبُ: (( كفَّرتُم ابنَ عَرَبي، ثمَّ أَلحقتُم به حُجَّةَ الإسلام الغزالي، ثمَّ التَفَتُّم لأبي الحسن الأشعري )).
والجواب: أن يُقال: أمَّا أبو الحسن الأشعريّ، فإنَّ آخرَ أمرِه أنَّه في الاعتقاد على طريقةِ أهل الحديث، كما جاء ذلك عنه في كتابَيه: المقالات، والإبانة.
والأشاعرةُ المنتَسِبون إليه ليسوا على عقيدتِه التي هو عليها في آخر أمرِه، وعلى هذا فأيُّ تكفيرٍ أو تبديعٍ حصل له مِمَّن زعم الكاتبُ نُصحَهم؟!
وأمَّا الغزالي فهو في الاعتقادِ على طريقة المتكلِّمين، ولكن نقل بعضُ العلماء ما يدلُّ على رجوعِه، قال ابنُ أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية (ص:243 ـ 244) ـ وهو في مَعرض ذكره جماعةً من المتكلِّمين حصلت لهم الحيرة ـ قال: (( وكذلك الغزالي ـ رحمه الله ـ انتهى آخرُ أمرِه إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلاميَّة، ثمَّ أعرَضَ عن تلك الطُّرُق، وأقبَل على أحاديث الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فمات و(البخاري) على صدره )).
وكتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" اشتمل على التحذير من الاشتغال بعلم الكلام، والحثِّ على الاشتغال بالكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة.
وعلى هذا فمن أين للكاتبِ أنَّ مَن زعم نُصحَهم كفَّروه؟!
وأمَّا ابن عَربي الطائي صاحب الفصوص، القائل بوحدة الوجود، فإنَّ مَن يقف على كلامِه في فصوصه لا يتوقَّف في تكفيرِه، وقد ألَّف الشيخ برهان الدِّين البقاعي المتوفى سنة (885هـ) كتاباً سَمَّاه: "تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي"، يقع في (241) صفحة، قال في مقدِّمتِه:
(( وبعد، فإنِّي لَمَّا رأيتُ الناسَ مضطربِين في ابن عربي ـ المنسوب إلى التصوُّف، الموسوم عند أهل الحق بالوحدة، ولم أرَ مَن شفى القلبَ في ترجمته، وكان كفرُه في كتابه الفصوص أظهرَ منه في غيره ـ أحببتُ أن أذكرَ منه ما كان ظاهراً؛ حتى يُعلم حالُه، فيُهجر مقالُه، ويُعتقَد انحلالُه، وكفرُه وضلالُه، وأنَّه إلى الهاوية مآبُه ومآلُه، وامتثالاً لِما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لَم يستطع فبلسانه، فإن لَم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)، وفي رواية عن عبد الله بن مسعود: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقالُ حبَّةٍ من خَردَل).
وما أَحضَر إليَّ النسخة التي نقلتُ ما تراه إلاَّ شخصٌ من كبار مُعتقديه وأتباعه ومُحبِّيه )).
إلى أن قال: (( وسَمَّيتُ هذه الأوراق "تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي"، وإن شئتَ فسمِّها "النصوص من كفر الفصوص"؛ لأنِّي لَم أستشهد على كفرِه وقبيحِ أمرِه إلاَّ بما لا ينفع معه التأويل من كلامِه، فإنَّه ليس كلُّ كلامٍ يُقبل تأويلُه وصرفُه عن ظاهرِه )). اهـ.
وأَكتفي بأن أنقلَ للأذكياء والأغبياء جُملاً من كلام ابن عربي في فصوصه التي أوردها البقاعيُّ في كتابه، مشيراً في ذلك إلى الصفحات المنقول منها، ثمَّ أُشيرُ إلى جملة الذين نقل عنهم القول بتكفيره أو ذمِّه ذمًّا شنيعاً، مع ذكر أسماء جماعة من الذين صرَّحوا بكفرِه أو ذمِّه ذمًّا شنيعاً، ونقل شيءٍ من كلامِهم في ذلك.
فمِن أقوال ابن عربي:
ـ قوله (ص:49): (( {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا}: وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري!!
{وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ}: أي بِما يَميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتُم صورتَكم فيه، فمَن تخيَّل منكم أنَّه رآه فما عرف! ومَن عرف منكم أنَّه رأى نفسَه فهو العارف!! فلهذا انقسم الناسُ إلى غير عالِم وعالِم!!! )).
ـ وقوله (ص:51): (( {وَقَضَى رَبُّكَ أَن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}: أي حكم، فالعالم يعلم مَن عَبد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر حتى عُبد، وأنَّ التفريقَ والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقِوى المعنويَّة في الصورة الروحانية، فما عُبد غير الله في كلِّ معبود!!! )).
ـ وقوله (ص:60): (( {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ}: أي: تَدَعهم وتتركهم، {يُضلُّوا عِبَادَكَ}: إلى الخير!! فيُخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما كانوا عند أنفسِهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب!!! )).
ـ وقوله (ص:60 ـ 61):(({رَبِّ اغْفِرْ لِي}: استرني، واستر من أجلي، فيُجهل مقامي وقدري، كما جُهل قدرُك في قولك، {وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ}.
{وَلِوَالِدَيَّ}: من كنتُ نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة!!
{وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ} أي: قلبي!!
{مُؤْمِنًا}: أي مصدِّقاً لما يكون فيه من الإخبارات الإلَهية، وهو ما حدثت به أنفسها!!
{وَلِلمُؤْمِنِينَ}: من العقول!!
{وَلِلمُؤْمِنَاتِ}: من النفوس!! )).
ـ وقوله (ص:61): (( ومن أسمائه الحسنى: العلي، على مَن وما ثمَّ إلاَّ هو؟!!! فهو العليُّ لذاته.
أو عن ماذا، وما هو إلاَّ هو؟!!! فعلُوُّه لنفسه، وهو من حيث الوجود عينُ الموجودات، فالمسمَّى مُحدثات هي العليَّة لذاتها، وليست إلاَّ هو!! )).
ـ وقوله (ص:62): (( فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثمَّ من يراه غيره، وما ثَمَّ مَن يُبطنُ عنه، فهو ظاهر لنفسه، باطنٌ عنه، وهو المسمَّى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المُحدثات!!! )).
ـ وقوله (ص:68): {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: فما نكح سوى نفسه، فمنه الصاحبة والولد، والأمر واحدٌ في العدد!!! )).
ـ وقوله (ص:84): (( {مَا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: فكلُّ ماشٍ فعلى صراط الربِّ المستقيم، فهم غير مغضوب عليهم من هذا الوجه، ولا ضالُّون، فكما كان الضلالُ عارضاً، فكذلك الغضبُ الإلَهي عارض، والمآل إلى الرَّحمة التي وسعت كلَّ شيء!!! )).
ـ وقوله (ص:89): (( ألا ترى عاداً قوم هود كيف قالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}؟ فظنُّوا خيراً بالله تعالى
ـ وهو عند ظنِّ عبده به ـ فأضرب لهم الحقُّ عن هذا القول، فأخبرهم بما هو أتَمُّ وأعلى في القُرب؛ فإنَّه إذا أمطرهم فذلك حظُّ الأرض وسقي الحبِّ، فما يَصِلون إلى نتيجة ذلك المطر إلاَّ عن بُعد، فقال لهم: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فجعل الرِّيحَ إشارةً إلى ما فيها من الراحة؛ فإنَّ بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمة!!
وفي هذه الريح عذابٌ، أي: أمرٌ يستعذبونه إذا ذاقوه، إلاَّ أنَّه يوجِعُهم لفُرقة المألوف!! )).
ـ وقوله (ص:93): (( فقُلْ في الكون ما شئتَ، إن شئتَ قلتَ: هو الخلق، وإن شئتَ قلتَ: هو الحق، وإن قلتَ: هو الحقُّ الخلق، وإن شئتَ قلتَ: لا حق من كلِّ وجه، ولا خلق من كلِّ وجه، وإن قلتَ بالحيرة في ذلك؛ فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب، ولولا التحديدُ ما أخبرت الرُّسل بتحوُّل الحقِّ في الصُّوَر، ولا وصفته بخلع الصُّوَر عن نفسه:
فلا تنظر العينُ إلاَّ إليه --- ولا يقع الحكم إلاَّ عليه!! )).
ـ وقوله (ص:102): (( وأمَّا أهل النار فمآلُهم إلى النَّعيم، ولكن في النَّار؛ إذ لا بدَّ لصورة النَّار ـ بعد انتهاء مدَّة العقاب ـ أن تكون برداً وسلاماً على مَن فيها!! وهذا نعيمُهم، فنعيمُ أهل النَّار ـ بعد استيفاء الحقوق ـ نعيم خليل الله حين أُلقيَ في النَّار!!! فإنَّه ـ عليه السلام ـ تعذَّب برؤيتِها وبما تعوَّد في علمِه وتقرَّر من انَّها صورةٌ تؤلِم مَن جاوَرَها من الحيوان، وما علم مرادَ الله فيها ومنها في حقِّه، فبعد وجود هذه الآلام وَجَدَ برداً وسلاماً، مع شهود الصورة اللونية في حقِّه، وهي نارٌ في عيون الناس، فالشيءُ الواحد يتنوَّع في عيون الناظرين، هكذا هو التجلِّي الإلَهي!!! )).
ـ وقوله (ص:112): (( وكـان موسى ـ عـليه السلام ـ أعلمَ بالأمر من هارون؛ لأنَّه علم ما عَبَده أصحابُ العِجل؛ لعلمه بأنَّ الله قضى ألاَّ نعبدَ إلاَّ إيَّاه، وما حكم الله بشيء إلاَّ وقع، فكان عتْبُ موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتِّساعه؛ فإنَّ العارفَ مَن يرى الحقَّ في كلِّ شيء، بل يراه عينَ كلِّ شيء!!! )).
قال الشيخ زين الدِّين العراقي: (( هذا الكلامُ كفرٌ من قائلِه من وجوه:
أحدها: أنَّه نسب موسى ـ عليه السلام ـ إلى رضاه بعبادة قومِه للعجل.
الثاني: استدلالُه بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}، على أنَّه قدَّرَ أن لا يُعبد إلاَّ هو، وأنَّ عابدَ الصنَمِ عابدٌ له.
الثالث: أنَّ موسى ـ عليه السلام ـ عتبَ على أخيه هارون ـ عليهما السلام ـ إنكاره لِما وقع، وهذا كذبٌ على موسى عليه السلام، وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى من غضبِه لعبادتِهم العجل.
الرابع: أنَّ العارفَ يرى الحقَّ في كلِّ شيءٍ، بل يراه عين كلِّ شيء، فجعل العجلَ عين الإلَه المعبود!!! فليعجب السامعُ لمثل هذه الجُرأة التي لا تصدر مِمَّن في قلبِه مثقال ذرَّة من إيمان! )).
ـ وقوله (ص:118) عند قوله تعالى: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ}: (( وكان قرَّةَ عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهَّراً، ليس فيه شيءٌ من الخبَث؛ لأنَّه قبضه عند إيمانِه قبل أن يكتسبَ شيئاً من الآثام، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبله، وجعله آيةً على عنايتِه سبحانه وتعالى بِمَن شاء؛ حتى لا ييأس أحدٌ من رحمة الله، فإنَّه لا ييأس من رَوْحِ الله إلاَّ القوم الكافرون!!! )).
وبعد وقوفِ القارئ على هذه النقول من كتاب الفصوص لابن عربي بواسطة كتاب الشيخ برهان الدِّين البقاعي، وهي في غاية السوءِ، وقائلُها في غاية الجُرأة على الله، أُضيف إلى ذلك نقلاً عنه في مطلع كتابه الفصوص، فيه الجرأةُ على رسول اللهصلى الله عليه وسلم، في رؤيا مناميَّة زعم فيها أنَّ رسول اللهصلى الله عليه وسلم أعطاه كتاب الفصوص، وأمره بأن يخرجَ به إلى الناس لينتفعوا به، وهو قوله (ص:38):
(( أمَّا بعد، فإنِّي رأيتُ رسولَ اللهr في مُبَشرة أُريتُها في العشر الآخر من محرَّم سنة سبعٍ وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده كتابٌ، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحِكَم! خذْه، واخرُج به إلى الناس ينتفعون به، فقلتُ: السَّمعُ والطاعةُ لله ولرسوله وأولي الأمر منَّا، كما أُمرنا، فحققتُ الأُمنية، وأخلصتُ النيَّة، وجرَّدتُ القصدَ والهِمَّة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدَّه لي رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم من غير زيادةٍ ولا نقصان )).
وإذا كان ابنُ عربي صادقاً في حصول رؤياه، فلا شكَّ أنَّه لَم ير النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وإنَّما رأى شيطاناً، وقد قال الشيخ بدر الدِّين بنُ جماعة: (( وحاشا رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن يأذن في المنامِ فيما يُخالفُ أو يُضادُّ قواعدَ الإسلامِ، بل ذلك من وساوِس الشيطان ومحنتِه، وتلاعبه برأيه وفتنتِه، وأمَّا إنكارُه ـ يعني ابن عربي ـ ما ورد في الكتاب والسُّنَّة من الوعيد، فهو كافرٌ به عند علماء التوحيد، وكذلك قوله في نوح وهود ـ عليهما السلام ـ قول لغو باطل مردود )). تنبيه الغبي (ص:140).
وبعد هذا أقول للبوطي والرِّفاعي: هذا التَّائه الذي يقول (بإيمان فرعون، وأنَّ عذابَ النَّار نعيمٌ لأهلها، وأنَّ عُبَّادَ العِجل إنَّما عبدوا الله؛ لأنَّه حالٌّ في المخلوقات، وأنَّ الريحَ التي عُذِّبت بها عادٌ راحةٌ لهم وأمرٌ يستعذبونه!!!).
أقول: هذا التَّائهُ القائل بهذا الكفر، ألاَ يكون كافراً عدوًّا لله؟!
ومع هذه الأقوال القبيحة الشنيعة هو عند جماعات من الصوفيَّة ولِيٌّ من أولياء الله!!
ثمَّ ألاَ يستحقُّ ابنُ عربي الذمَّ من البوطيِّ والرفاعيِّ، أم أنَّ الأحقَّ بذمِّهما مَن زعمَا نُصحَهم، وعابَا عليهم تكفيره؟! {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟! {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟! ومعلومٌ أنَّ الباءَ في مثل هذا تدخل على المتروك.
وأمَّا العلماء الذين نقل عنهم البقاعيُّ تكفيرَ ابن عربي أو ذمَّه ذمًّا شنيعاً، فعددهم يُقاربُ الخمسين.
ومِمَّن نقل عنهم القولَ بكفره:
الحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخه سراج الدِّين عمر البلقينِي (ص:159)، وزين الدِّين العراقي (ص:52)، وابنه أبو زرعة وليُّ الدِّين العراقي (ص:124)، وشمس الدِّين الذهبي (ص:161)، وعبد الرحمن بن خلدون (ص:163)، وبدر الدِّين بن جماعة (ص:140)، وشمس الدِّين محمد بن يوسف الجزري (ص:141)، وحفيدُه إمام القرَّاء محمد بن محمد الجزري صاحب الجزرية (ص:176)، وعلي بن يعقوب البكري (ص:144)، ومحمد بن عقيل البالسي (ص:146)، وابن هشام، صاحب مغني اللبيب، وأوضح المسالك في ألفية ابن مالك (ص:150)، وشمس الدِّين محمد العيزري (ص:152)، وعلاء الدِّين البخاري الحنفي (ص:164)، وعلي بن أيوب (ص:182)، وشرف الدِّين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي (ص:143)، وشمس الدِّين الموصلي (ص:154)، وزين الدِّين عمر الكتاني (ص:142)، وبرهان الدِّين السفاقينِي (ص:159)، وسعد الدِّين الحارثي الحنبلي (ص:153)، ورضي الدِّين بن الخياط (ص:163)، وشهاب الدِّين أحمد ابن علي الناشري (ص:163).
ومِن الذين ذمُّوه ذمًّا شنيعاً يدلُّ على تكفيره: محمد بن علي النقاش، قال في وحدة الوجود (ص:147): (( وهو مذهبُ المُلحدين، كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، مِمَّن يجعلُ الوجودَ الخالق هو الوجود المخلوق!! )).
ومنهم: أبو حيَّان الأندلسي صاحبُ التفسير، فقد ذكر في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ بنُ مَرْيَمَ} (ص:142 ـ 143): (( ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط مَن أقرَّ بالإسلامِ ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلولَ الله في الصُّوَر الجميلة، ومَن ذهب من ملاحدَتِهم إلى القول بالاتِّحاد والوحدة كالحلاَّج، والشعوذي، وابن أحلى، وابن عربي المقيم بدمشق، وابن الفارض، وأتباع هؤلاء كابن سبعين )) ـ وعدَّ جماعةً ثمَّ قال ـ: (( وإنَّما سردتُ هؤلاءِ نصحاً لدين الله ـ يعلمُ اللهُ ذلك ـ وشفقَةً على ضعفاء المسلمين.
وليُحذَروا؛ فإنَّهم شرٌّ من الفلاسفة الذي يُكذِّبون اللهَ ورسلَه، ويقولون بِقِدم العالَم، ويُنكرون البعثَ، وقد أُولِع جهلةٌ مِمَّن ينتمي إلى التصوُّف بتعظيمِ هؤلاء، وادِّعائهم أنَّهم صفوةُ الله!! )).
ومِنهم: تقيُّ الدِّين السُّبكي (ص:143)، فقد قال:
(( ومَن كان من هؤلاء الصوفية المتأخِّرين كابن عربي وغيره، فهم ضُلاَّلٌ جُهَّالٌ، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء )).
وقد مرَّ نقلُ كلام بدر الدِّين بن جماعة وزين الدِّين العراقي في تكفير ابن عربي، ومِن أقوال الذين صرَّحوا بتكفيره قول إمام القرَّاء شمس الدِّين بن الجزري (ص:175 ـ 176): (( ومِمَّا يجب على ملوك الإسلامِ، ومَن قَدَرَ على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر أن يُعدِموا الكتبَ المخالفةَ لظاهِر الشرع المُطهَّر من كتب المذكور وغيره، ولا يُلتَفَتُ إلى قول مَن قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يُؤوَّل؛ فإنَّه غلطٌ من قائلِه، إنَّما يُؤوَّل كلام المعصوم، ولو فُتِح بابُ تأويلِ كلِّ كلام ظاهرُه الكفر، لَم يكن في الأرضِ كافر )).
ومعلومٌ أنَّ تأويلَ كلام المعصومِ صلى الله عليه وسلمإنَّما يكون بردِّ المتشابه إلى المُحكَم.
وبعد نقل هذه الجُمَل من كلام ابن عربي المقتضية لكفره، وذِكر هؤلاء العلماء الذين كفَّروه، لا يبقى وجهٌ لأَن يعيبَ الكاتبُ على مَن زعم نُصحَهم تكفيرَهم لابن عربي، حيث قال: (( كفَّرتُم ابنَ عربي ))، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
16 ـ قال الكاتب تحت عنوان: (( تزوير التراث )):
(( دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ... )).
وقال: (( ومِمَّا حُذف أو غُيِّر وزُوِّر ))، فذكر أشياءَ منها: (( حاول الشيخُ ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (سابقاً) أن يستدرك على ما لا يُعجبُه في كتاب "فتح الباري بشرح البخاري" للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فأصدرَ مع مُعاوِنيه ثلاثة أجزاء، ثمَّ توقَّف عن التعليق، وقد فتح بابَ شرٍّ بهذه التعليقات )) !!!
والجواب: أنَّ ما ذكره ـ على زعمه ـ يرجع إلى الحذف أو التغيير والتزوير، وما نسبه إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز لا علاقة له بالحذف، فبقي أن يكون من قبيل التغيير والتزوير، وأيُّ تغيير وتزوير يكون بالتعليق على كتاب وتعقُّبِ بعضِ ما فيه؟! وهذه طريقةٌ مسلوكةٌ قديماً وحديثاً، مع أنَّ الشيخَ ـ رحمه اللهـ عند تعقُّبه في غاية الأدب، حيث يقول: (( هذا القول فيه نظر، والصوابُ كذا وكذا )).
أمَّا قول الكاتب عن تعليقات الشيخ رحمه الله: (( وقد فتح باب شرٍّ بهذه التعليقات!!! )) فهو من سوء الأدب مع أهل العلم، وأيُّ بابِ شرٍّ فُتِح بهذا العمل؟!
فإنَّ الشيخَ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ معروفٌ لدى كلِّ مُنصِفٍ بأنَّه من مفاتيح الخير ومغاليق الشرِّ، وقد قال الإمامُ الطحاويُّ ـ رحمه الله ـ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: (( وعلماء السَّلف من السَّابقين ومَن بعدهم من اللاَّحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنَّظر، لا يُذكرون إلاَّ بالجميل، ومَن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السَّبيل )).
والشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جمع اللهُ له بين الخبر والأثر، والفقه والنّظر، فهو محدِّثٌ فقيهٌ.
وأحسَبُ الشيخَ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ولا أُزكِّي على الله أحداً، مِن خيار الناسِ في هذا الزَّمان، وأرجو أن يكون من الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله يقول: مَن عادى لِي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب ))، وكانت وفاةُ الشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في 27 من شهر المحرم من عام 1420هـ، وقد ألقيتُ عقِبَ وفاتِه محاضرةً في الجامعة الإسلامية بالمدينة بعنوان: (( الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، نموذجٌ من الرَّعيل الأول ))، وقد تَمَّ طبعُها.
ومنها قال الكاتب: (( فُسح إلى أبي بكر الجزائري بأن يعملَ تفسيراً للقرآن الكريم يكون بديلاً ومنافساً لتفسير الجلالَين، ولبَّس على الناسِ أنَّه هو؛ ليَتمَّ ترويجُه على العامة!! )).
والجواب: أنَّ اسمَ تفسير الشيخ أبي بكر الجزائري: "أيسرُ التفاسير لكلام العليِّ الكبير"، ويقع في خمسة مجلدات، وهو فيه يُثبتُ الآيات، ويأتي بمعاني الكلمات، ثمَّ معاني الآيات، ثمَّ هداية الآيات، وهي عبارة عن فوائد تُستنبَطُ من الآيات، وهو بخلاف تفسير الجلالَين، الذي هو مشهور بهذا الاسم، وهو تفسيرٌ على طريقة المتكلِّمين في غاية الاختصار، يكون التفسير بين كلمات الآيات، ومِن أمثلة ذلك تفسيرُه لآخر آيةٍ من سورة المائدة، حيث جاء فيه كما هو في الطبعة التي عليها حاشية الصاوي:
(( {للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} خزائن المطر والنبات والرِّزق وغيرها، {وَمَا فِيهِنَّ} أتى بِـ (ما) تغليباً لغير العاقل، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ومنه إثابةُ الصادقين وتعذيب الكاذبين، وخصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر! )).
والضمير في ذاتِه يرجع إلى الله، وهو من تكلُّف المتكلِّمين!!
وأهل السُّنَّةِ والجماعة لا ينقدِحُ في أذهانِهم دخولُ ذات الله تحت قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، حتَّى يُفكِّروا في إخراجِها.
وعلى هذا، فأيُّ تشابُه بين تفسير الشيخ الجزائري، وتفسير الجلالَين؟!
وأيُّ تلبيسٍ حصل سوَّغ للكاتب أن يقول: (( ولبَّس على الناس أنَّه هو؛ ليَتِمَّ ترويجه على العامة ))؟!!
ولا يكون الكاتبُ صادقاً إلاَّ لو كان اسم تفسير الجزائري: "تفسير الجلالين" وما أحوج الكاتب إلى التحلِّي بقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}!
وقد ذكر الكاتبُ أشياءَ ادَّعى الحذفَ فيها، لَم أتعرَّض لها لعدم تَمَكُّنِي من معرفة الصدق أو الكذب فيها، ولو صحَّ شيءٌ منها، فإنَّه يُنسبُ إلى مَن فَعَلَه من الناشرين وغيرهم، ولا تَسُوغُ نسبةُ ذلك إلى مَن زعم الكاتبُ نُصحَهم في قوله: ((دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ...!! )).
* * *
17 ـ ذكر الكاتب عمَّن زعم نصحهم أنَّهم أنشأوا جامعةً في المدينة المنورة سَمَّوها: (( الجامعة الإسلامية ))، وهَرَع الناسُ إليها؛ ظانِّين أنَّهم ستزيدُهم مَحبَّةً واتِّباعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، فصار الأمرُ إلى خلاف ذلك بزعمه!
والجواب: أنَّ الجامعةَ الإسلامية بالمدينة أُنشئت سنة (1381هـ)، وهي من أعظم حسنات حكومة المملكة العربية السعودية، وأجلّ هداياها للعالَم الإسلاميِّ؛ لأنَّ نسبةَ الطلاَّب غير السعوديين فيها تعادِل 80 % تقريباً.
ومنذ إنشائها والإقبالُ عليها عظيمٌ من داخل المملكة وخارجها، وهي مشتمِلَةٌ على كليَّات: الشريعة، والدعوة وأصول الدِّين، والقرآن الكريم، والحديث الشريف، واللغة العربية، وفيها دراسات عليا لمنحِ درَجَتَي الماجستير والدكتوراه.
وطلبتُها يَدرسون فيها الكتاب والسُّنَّة وسائرَ العلوم الشرعية، وهي تُعنَى بتوجيه طلبتِها إلى الاهتمامِ بهذه العلوم الشريفة؛ ليسيروا إلى الله على هدى وبصيرة، ويسلكوا الصراطَ المستقيم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
وتُعنى أيضاً بتوجيه طلبَتِها إلى مَحبَّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسانٍ، وأن تكون مَحبَّتُهم للرَّسول صلى الله عليه وسلمأعظمَ من محبَّة النَّفس والوالد والولد والناس أجمعين، كما ثبت ذلك عن الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لكن بدون غلُوٍّ وإطراء كما هو شأن أهل البِدع، وتُعلِّمُهم أيضاً العنايةَ باتِّباع السنن وترك البدع ومُحدثات الأمور.
وقد تخرَّج فيها حتى الآن ألوف كثيرة، عادوا إلى بلادِهم وغير بلادِهم، وهم في الجملة دعاةٌ إلى الخير وإلى الصراط المستقيم، وفيهم كثيرون تعاقدت معهم حكومة المملكة العربية السعودية للقيام بالدعوة إلى الله والتوجيه إلى الخير في بلاد كثيرة إسلامية وغير إسلامية.
ومعلومٌ أنَّ هذا المنهج القويم الذي تسير عليه الجامعة لا يُعجِبُ أهلَ البدع والدعاة إليها، كما هو شأن الكاتب؛ إذ صارت هذه الحسنات في نظرِه سيِّئات، نسأل الله له وللمقدِّم لأوراقِه الهدايةَ إلى اتِّباع الحقِّ وسلوك طريقه المستقيم.
* * *
18 ـ أنحى الكاتب باللَّوم على حُكَّام المملكة العربية السعودية وقُضاتها لقتلِهم مُهرِّبي المخدِّرات، وكذلك أنحى باللَّوم عليهم لقتلهم السَّحرة، وقال: (( وتوَسَّعتُم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالِفين لكم من أصحاب الرُّقية والعلاج الرُّوحي، وسَمَّيتُموهم (سحرة)! ولَم تُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم وبين المُبطلين منهم، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأَسَلْتُم دماءَ الكثيرين من الأبرياء بحُجَّة أنَّهم سحرةٌ تُستباحُ دماؤهم، متناسين قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ}، وقول البشير النذير صلى الله عليه وسلم: (أَوَّلُ مَا يُقْضَى به بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ)، فقِفوا عند الحدودِ، وادرؤوها بالشبهات!! )).
والجواب من وجهين:
الأول: أنَّ هذا من عجيب أمر الكاتب؛ يتألَّم لعقوبة الظالمين وهم قليلون، ولا يتألَّم لتضرُّر المظلومين وهم كثيرون لا يحصون، يُشفق على الذئاب ولا يُشفق على فرائسِها!! يَعطِفُ الرِّفاعي على الأفاعي، ولا يعطِف على هلكى سُمومها!! وإنَّ مِن حسن حظِّ المرء أن لا يكون ظهيراً للمجرمين!
الثاني: وأمَّا زعمه أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ توسَّعوا في قتل أصحابِ الرُّقية والعلاج الروحي، وأنَّهم سَمَّوهم سحرة، وأنَّهم لَم يُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم والمُبطلين، وأنَّهم تركوا لأنفسِهم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأسالوا دِماءَ الكثيرين من الأبرياء، وأنَّهم لَم يدرأوا الحدودَ بالشُّبهات، فجوابه أن نقول:
مِن أين للكاتبِ أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ لَم يُفرِّقوا بين المُحِقِّ والمُبطِل، وأنَّ مَن قتلوهم أبرياء، وأنَّ هناك شبهات لَم تُدرأ بها الحدود، حتى قال ما قال؟!
لكنَّه الرَّجم بالغيب واتِّباع الهوى!
ثمَّ لماذا الاعتراض على الحُكَّام في حُكمهم، والقضاة في قضائِهم، والمُفتين في إفتائهم؟!
وما هي منزلة هذا المعترِض في العلمِ والدِّين؟
رحم الله امرأً عَرفَ قَدر نفسِه، وترك ما لا يَعنيه إلى ما يَعنيه!
والقضاةُ لَم يَنسَوا الآيةَ والحديث، ولَم يتناسوهما، ولكنَّهم اجتهدوا للوصول إلى الحقِّ، وهم مأجورون على كلِّ حال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد ))، رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
* * *
19 ـ قال الكاتب: (( تتّهتَمُّون المخالفِين لكم من المسلمين بأنَّهم جهمية أو معتزلة مارقين (كذا)، وأنتم الجهميَّة؛ لأنَّكم وافقتموهم في بعض آرائِهم!
وحقًّا أنتم المعتزلة؛ لأنَّكم شاركتموهم في إنكار الولايةِ والأولياء، والكرامة والكرامات، وحياة الموتى، وتحكيم العقل في المغيَّبات من أمور الدِّين!! )).
والجواب: أن يُقال:
أوَّلاً: إنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم لا يتَّهمون أحداً بِما ليس فيه، بل مَن كان على عقيدة الجهميَّة التي تَظهر في أقواله ومؤلَّفاته وَصَفوه بِما ظهر منه، والمشهور عن الجهميَّة نفي الأسماء والصفات، فهم أهلُ تعطيل، وأهل السنة أهلُ إثبات، لكن بدون تشبيه؛ عملاً بقوله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، فأثبت لنفسه السمعَ والبصر، ونفى مشابهَتَه لغيره ومشابهةَ غيره له، فلا يوافِق أهلُ السُّنَّة الجهميَّةَ في شيءٍ من آرائِهم ومعتقداتهم، فهم أبعَدُ الناسِ عنهم، وأسعدُهم في مجانبَتِهم.
ثانياً: إنَّ الذين زعم الكاتب نُصحَهم لا يُنكرون الولايةَ والأولياء، والكرامةَ والكرامات، كما زعم الكاتبُ قائلاً: إنَّهم شاركوا المعتزلة في ذلك!
وهم يُقرُّون بالولاية والأولياء، والأولياء عندهم هم الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ويُصدِّقون بِما حصلَ ويَحصل لهؤلاء الأولياء من الكرامات، إذا حصل ذلك على وجهٍ ثابتٍ، كقصَّة أُسَيد ابن حُضَير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما، وخروجهما من عند رسول اللهصلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمةٍ وبين أيديهما نورٌ، فلَمَّا تفرَّقا تفرَّق النُّورُ معهما، وهي في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه.
وقصَّةِ تكثير الطعام لأضيافِ أبي بَكر رضي الله عنه، وهي في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، ومِمَّا قالَه الإمامُ الطحاويُّ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الأولياء: (( والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعُهم وأتبعُهم للقرآن ))، وقال: (( ونؤمنُ بِما جاء من كراماتِهم، وصحَّ عن الثقات من رواياتِهم )).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في العقيدة الواسطية: (( ومن أصول أهل السُّنَّة: التصديقُ بكرامات الأولياء، وما يُجرِي اللهُ على أيديهم من خوارقِ العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات.
والمأثور من سالف الأُمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر قرون الأُمَّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة )).
وأمَّا إذا كان الأمرُ الخارقُ للعادة جاء في حكايات هي أشبه بالخرافات، لا سيما إذا كانت واضحةً في مُخالفةِ الشرعِ، كالاستغاثةِ بغير الله من الأمواتِ والأحياء الغائبين، ويُزعم أنَّها كرامةٌ لِمن ادُّعيت له الولاية، والله أعلم بحقيقة الحال، فإنَّه لا يُلتفتُ إليه، ولا يُغتَرُّ به.
وأكتفي بالتمثيل لذلك بِما ذُكر أنَّه من كرامات العيدروس الذي قال عنه الكاتبُ: إنَّه بركةُ عدَن وحضرموت، وأشاد بِمشهدِه، ونوَّه ببناءِ قُبَّتِه، ووصفها بأنَّها مباركة!!
فقد قال عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر في ترجمة
أبي بكر بن عبد الله العيدروس المتوفَّى سنة (914هـ) في (ص:79 ـ 80): (( وأمَّا كراماته فكثيرة كقطر السحاب، لا تدرك بِعدٍّ ولا حساب، ولكن أذكر منها على سبيل الإجمال دون التفصيل، ثلاث حكايات تكون كالعنوان على باقيها بالدلالة والتمثيل، منها:
أنَّه لَمَّا رجع من الحجِّ دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنَّه ماتت أمُّ ولد للحاكم المذكور، وكان مشغوفاً بها، فكاد عقلُه يذهب بموتِها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدَّة الجزع؛ ليُعزِّيه ويأمره بالصبر والرضاء بالقضاء، وهي مُسجاة بين يدي الحاكم بثوبٍ، فعزَّاه وصبَّره، فلَم يُفِد فيه ذلك، وأكبَّ على قدم سيِّدي الشيخ يُقبِّلُها، وقال: يا سيدي! إن لَم يُحي الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها، وخرج الحاضرون، ولَم يَخرج سيدي الشيخ حتى أكلتْ مع سيِّدها الهريسةَ، وعاشت مدَّة طويلة!!!
وعن الأمير مرجان أنَّه قال: كنتُ في نفرٍ من أصحاب لي في محطَّة صنعاء الأولى، فحمل علينا العدوُّ، فتفرَّق عنِّي أصحابي، وسقط بي فرسي لكثرة ما أُثخن من الجراحات، فدار بِي العدوُّ حينئذٍ من كلِّ جانب، فهتفتُ بالصالِحين، ثمَّ ذكرتُ الشيخ أبا بكر رضي الله عنه، وهتفتُ به، فإذا هو قائمٌ، فوالله العظيم! لقد رأيتُه نهاراً وعاينتُه جهاراً، أخذ بناصيتِي وناصية فرسي، وشلَّنِي من بينهم حتى أوصَلَنِي المحطة، فحينئذ مات الفرس، ونجوتُ أنا ببَرَكتِه رضي الله عنه ونفع به!!!
وعن المُريد الصادق نعمان بن محمد المهدي أنَّه قال: بينما نحن سائرون في سفينةٍ إلى الهند، إذ وقع فيها خرقٌ عظيمٌ، فأيقَنوا بالهلاك، وضجَّ كلٌّ بالدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى، وهتف كلٌّ بشيخِه، وهتفتُ أنا بشيخي أبي بكر العيدروس رضي الله عنه، فأخذتنِي سِنَة، فرأيتُه داخل السفينة، وبيده منديلٌ أبيض، وهو قاصدٌ نحو الخَرْق، فانتبهتُ فرحاً مسروراً، وناديتُ بأعلى صوتِي: أنْ أَبشِروا يا أهل السفينة! فقد جاء الفرَج، فقالوا: ماذا رأيتَ؟ فأخبرتُهم، فتفقَّدوا الخَرْقَ، فوجدوه مسدوداً بمنديل أبيض كما رأيتُ، فنجونا ببركته رضي الله عنه ونفع به!!! )) اهـ.
ومُجرَّد ذكر هذه الحكايات يُغنِي عن التعليق عليها!!
ومؤلِّف هذا الكتاب، القائلُ فيه هذا الكلام من أهل القرن الحادي عشر، ولكلِّ قومٍ وارث!
فأهل السُّنَّة والحديث يَرثون رسولَ اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابَه الكرام، والخرافيُّون يَرِثون أهلَ الخُرافة!
وقول هذا القائل عن كرامات العيدروس أنَّها (كقطر السحاب، لا تُدرك بِعدٍّ ولا حساب!!) قد لا يسمع مسلمٌ مثلَ هذه العبارة في كرامات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو سيِّدُ الأولياء، وخيرُ أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي خيرُ الأُمم.
وأمَّا الحكايات الثلاث المزعوم أنَّها كرامات العيدروس فهي مِن المُضحكات المُبكيات!
مُضحكاتٌ لشدَّة غرابتِها! ومُبكياتٌ؛ لأنَّها تدلُّ بوضوح على مدى تلاعب الشيطان بالمفتونين بأصحاب القبور!!
وقد قال ابن كثير رحمه الله: (( وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاةُ في البَشر حرام )).
والحكايةُ الأولى من الحكايات الثلاث فيها أنَّ الرَّجلَ الذي ماتت أمُّ ولده أكبَّ على رِجل العيدروس يُقبِّلُها، قائلاً: (( يا سيدي! إن لَم يُحيِ الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد!!
فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها ... وعاشت مدَّة طويلة!!! )).
والله عزَّ وجلَّ يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}، ومَن مات قامت قيامتُه،والإنسانُ في الدنيا له حياةٌ واحدة، لا حياتان أو أكثر، قال الله عزَّ وجلَّ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
وأمَّا الحكايتان الأخريان، فإنَّ فيهما دعاءَ غير الله، والاستغاثة به عند الشدائد، والله يقول: {أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}!!
وأمَّا حياةُ الموتى، فإنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم يؤمنون بأنَّ للموتى في قبورهم حياةً برزخيَّةً، الله أعلم بكيفيتها، وليست شبيهةً بالحياة الدنيا، ولا بالحياة بعد البعث، وفيهم المُنعَّمون في قبورهم والمعذَّبون فيها، والنعيمُ والعذابُ للروح وللجسد؛ لأنَّ الإحسانَ حصل منهما جميعاً، والإساءةَ حصلت منهما جميعاً.
وهم أيضاً لا يُحكِّمون العقل في الأمور الغيبيَّة، بل التعويلُ عندهم على النصوص الشرعية، وعندهم أنَّ العقلَ السليم لا يُخالف النقلَ الصحيح، ولشيخ الإسلام في ذلك كتابٌ واسع، هو درء تعارض العقل والنقل.
* * *
|