
01 Dec 2009, 08:13 AM
|
|
|
"مختصرخليل"!!! والجمود الفقهي عليه (كلام لا يستغني عنه المالكية للشيخ السلفي
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الإمام أبو يعلى الزواوي الجزائري ـ رحمه الله ـ خطيب السلفيين في وقته، وهو يشتكي من الجمود الفقهي عند الكثير:
"ومن الغريب أيضا أنه ـ الأمر والشأن ـ لم يتجدد شيء في إصلاح طرق الفقه، وتآليفه ودراسته من لدن ذلك القرن [أي الثامن] إلى الآن، وذلك أن صاحب "المختصر" المشهور عندنا الشيخ خليل كان معاصرا للعلامة ابن خلدون، وشرح "مختصر ابن الحاجب" في ستة مجلدات، ولا شك أن ذلك قبل تأليفه "المختصر" الذي بأيدينا الآن، ثم قصرت الهمم.
ولم يتطاول من قبلنا من لدن ذلك القرن الثامن إلى الآن لمزاحمة الأمم، وتثبطت العزائم، ولم نر شيئا في الفقه بعد "المختصر"، وإنما اعتنوا بشرحه وتحشيته، وبلغت شروحه إلى نحو العشرة، والحواشي كذلك، فاستولى سلطان الخمول والجمود على أهل المغربين عامة، وعلى الفقهاء المالكية خاصة، فظنوا بل اعتقدوا أن ليس بعد الشيخ خليل مؤلِّف ولا مصنِّف.
والحال أنه يحتاج إلى إيضاح وتبيين، وتجديد طريقة في الوضع والترتيب؛ فإنها إن لم تعجب أمثال الشيخ خليل وشراحه الفضلاء الذين نشكرهم شكرا جزيلا لا محالة، فإنها تعجب أصحاب مجلة "موران"، وتكون خيرا منها في الوضع والشكل والكفاية، وإني ضامن في ذلك، وأقول للمعجبين بالشيخ خليل فقط: أن المرحوم الشيخ أحمد بابا صاحب "نيل الابتهاج بتطريز الديباج" قال ما لفظه: "ولقد وضع الله تعالى القبول على "مختصره" و"توضيحه" ـ يعني الشيخ خليل ـ من زمنه إلى الآن، فعكف الناس عليهما شرقا وغربا، حتى لقد آل الحال في هذه الأزمنة المتأخرة إلى الاقتصار على "المختصر" في هذه البلاد المغربية مراكش وفاس وغيرهما، فقلّ أن ترى أحدا يعتني بـ"ابن الحاجب"، فضلا عن "المدونة" بل قصاراهم "الرسالة" و"خليل" وذلك علامة دروس الفقه وذهابه". اهـ
فتأملوا هذا، وأقول: لقد وجدت طريقة لإيضاح "المختصر" وشراحه، وجمع ذلك كله وجعله كتابا واحدا حاويا لفقه مالك، وتتألف لذلك العمل الجليل لجنة معتبرة من الفقهاء الذين يرجع إليهم في الفقه المالكي، ويكون التأليف والتحرير على أنموذج وطراز يفهمه كل من يقرأ العربية ويكتبها، ويتكلم بها بحيث لا يحتاج طالب الفقه إلى العكوف على الدراسة نصف قرن؛ إذ من الجائز عقلا وشرعا أن يوجد رجال من لدن القرن الثامن إلى قرننا هذا يحسنون التأليف والترتيب والوضع والشكل والبيان والإيضاح والإصلاح أيضا على الطراز العصري المصري الإفرنجي.
ويا سبحان الله! كأنه مكتوب علينا في الزبور من بعد الذكر أن لا تأليف ولا مؤلف ولا مجيد بعد صاحب "المختصر" إلا الشروح والحواشي ذات (اعتراض وأجيب)، ورحم الله المويلحي صاحب حديث عيسى بن هشام، حيث قال متهكما على لسان بعض شيوخ الأزهر الجامدين: "اذكروا لي بالله عليكم ماذا حصّل طلاب العلوم الجديدة منها؟! وماذا أفادوه؟! وهل سمعتم يوما أن أحدهم نفع الناس فوضع لهم متنا أو حاشية على شرح أو تقريرا على حاشية أو اختصر مطولا أو طوّل مختصرا؟!
(الشيخ الثاني): ما أعجزهم عن مثل ذلك وأقصرهم، وجل ما في طاقتهم أنهم يكتبون المقالات في تعبيرنا بإضاعة العمر في هذه الأعمال النافعة، ويسعون جهدهم في إبطال ما ندرسه منها، وهل سمعتم لعَمْرُ أبيكم بدِينٍ قام، أو يقينٍ رَسَخ، أو شَرع نَفَذ إلا بهذه الشروح والحواشي؟!! ولكنهم قصرت أفهامهم، وضاقت قرائحهم عن استيعابها وحفظها، حسدونا عليها" إلخ إلخ.
قلت: وسبب هذا الجمود أن المذهب المالكي لا يكاد يوجد في غير المغربين، وأهل المغربين جمدوا تمامًا، وبالأخص منذ القرن العاشر على ما ذكر المؤرخ السَّلاوي صاحب كتاب "الاستقصا"، فليراجع.
وكانوا أهل المغربين حُرِموا المطابع وكلَّ رُقِيٍّ وإصلاح، وحتى البُوسطة [مكتب البريد]، والتلغراف [من وسائل الاتصال]، وجسور الأنهار، ومع العقيدة أن الشيخ خليل قد جاء بالمعجزة في تأليفه، وأنه ولي صاحب خوارق وكرامات، فلا ينبغي أو لا يجوز أو يحرم خرق الإجماع المنعقد على تأليفه أنه جامع مانع، حتى صاروا ينشدون فيه وينشئون، كما قال ابن عاشر المشهور:
(خليلي خليلي قد شغفت بحسنه *** وتوضيحه صبحا يزينه حاجبه)
(وآليت لا آلوه شرحا لغامض *** من الود يرضاه خليل وحاجبه)
ثم إن اعتناء علماء وطننا الزَّواوة بدراسة الشيخ خليل كان ـ ولم يزل ـ على جانب عظيم من التبجيل والتوقير، وكان العموم وفق الخصوص لما جرى عليه من الأحكام الشرعية الفقهية، وكذلك شارحه المشهور الخرشي ـ رحمهما الله ـ؛ فإنه مرضيٌّ ومحبوب عند الخاصة من الفقهاء المدرسين، والحق كذلك فإنه ـ الخرشي ـ خيرٌ من الدّردير والدسوقي، ليس في الإيضاح وسَلَس العبارة فقط، بل في صحة العقيدة، وجريه على الشريعة وعدم الاستسلام للأوهام والخرافات التي تناولها الدردير في عدة مواضع، مثل كراهة القرآن على الميت وعند قبره، فالخِرَشي قال مثلها، قال المصنف: مكروهة، وزاد على المصنف أنها ـ القراءة ـ ليست من عمل السلف، ولم يزد كلمة عن هذا، بل وقف عند هذا الحد ـ عمل السلف ـ وكيف لا؟ أما الشيخ الدردير فلم يكتف بعمل السلف، بل وفضل عمل الخلف على قاعدة (الكشف) الذي ابتلي به المتصوفة، والدردير والدسوقي من متنطعي المتصوفة، وعلِّيش مثلهما وزيادة؛ فإنه يقول بإثبات الأحكام الشرعية الفقهية الأصولية بالكشف والخوارق ورؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقظة بعد وفاته، وبناء الأحكام الشرعية على ذلك، وأن الأئمة مثل الدردير يرونه ويشاورونه على ذلك، كما يفعل الجلال السيوطي، إلى غير ذلك مما يأباه علم الأصول، والأئمة المعتبرون والمنوَّرُون من الفقهاء وطلبة العلم البُصَراء بالدين القيم ملة إبراهيم الحنيف".
اهـ الجزء الأول، وسأنقل الجزء الثاني ـ إن شاء الله ـ، وهو في الطريقة المثلى في دراسة الفقه.
كتبه أبو عبد الله حسن بن داود
|