38- سئل فضيلة الشيخ: ما المقصود بالعلماء في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ؟
فأجاب بقوله: المقصود بهم العلماء الذين يوصلهم علمهم إلى خشية الله ؛ وليس المراد بالعلماء من علموا شيئاً من أسرار الكون ، كأن يعلموا شيئاً من أسرار الفلك وما أشبه ذلك ، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي ؛ فالإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره ؛ لا ننكر أن في القران أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة ؛ لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلمي حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضة وهذا خطأ ؛ فنقول: إن المغالاة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي ، لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات والنظريات تختلف ؛ فإذا جعلنا القرآن دالاً على هذه النظرية ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ ،معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة ؛ وهذه مسألة خطيرة جداً.
والآن يا إخواني : اعتنى في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات ولهذا بين دقيقها وجليلها حتى آداب الأكل والجلوس والدخول وغيرها ؛ لكن علم الكون هل جاء على سبيل التفصيل ؟
ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي أن يشتغلوا به عما هو أهم ؛ إن الشي الأهم هو تحقيق العبادة لأن القرآن نزل بهذا ؛ قال الله –تعالى-: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذريات، الآية: 56)
أما علماء الكون الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه ؛ فننظر إن اهتدوا بما وصلوا إليه من العلم واتقوا الله – عز وجل – وأخذوا بالإسلام صاروا من علماء المسلمين الذين يخشون الله ؛ وإن بقوا على كفرهم ، وقالوا: "إن هذا الكون له محدث" فإن هذا لا يعدو أن يكونوا قد خرجوا من كلامهم الأول إلى كلام لا يستفيدون منه ؛ فكل يعلم أن لهذا الكون محدثاً ؛ لأن هذا الكون إما أن يحدث نفسه، وإما أن يحدث صدفة، وإما أن يحدثه خالق وهو الله – عز وجل-
فكونه يحدث نفسه مستحيل ؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه ؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً ؟!
ولا يمكن أن تُوجد صدفة ؛ لأن كل حادث لابد له من محدث ؛ ولأن وجوده على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض ، يمنع منعاً باثاً أن يكون وجوده صدفة ؛ إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده ، فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره ؟ !
وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ، ولا أن تُوجد صدفة تَعَيَّنَ أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.