عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06 May 2008, 07:45 AM
أبو البراء إلياس الباتني أبو البراء إلياس الباتني غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
المشاركات: 106
افتراضي

مدخل

فيه ثلاثة أصول:
الأول: وجوب العمل بالشريعة الإسلامية.
الثاني: التحذير من تكفير المسلم.
الثالث: حرمة دم المسلم.

وجوب العمل بالشريعة الإسلامية

المسلم الذي يؤمن بالله و رسوله لا يتردّد في العمل بأمر الله – عز و جل – و أمر رسوله – صلى الله عليه و سلم –؛ لأن ذلك من مقتضى إيمانه، قال الله – تعالى –: {إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا و أطعنا و أولئك هم المفلحون (51) و من يطع الله و رسوله و يخش الله و يتّقْه فأولئك هم الفائزون} (النور 51-52)، و الناس في تشريعاتهم يختارون لأنفسهم الأصلح في ظنهم، و لا أصلح مما اختاره الله لهم في شريعته حيث يقول: {أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} (المائدة 50)، و كل شريعة غير شريعة الله فنحن منهيّون عن اتباعها؛ لأن الله قد قال – و لا قول مع قول الله –: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئا و إن الظالمين بعضهم أولياء بعض و الله ولي المتقين (19)} (الجاثية).

و لهذا فإنه يستحيل أن يختار المسلم لنفسه حكما غير الله ذي الحكمة و العدل، و هو يقرأ قول الله – عز و جل –: {أفغير الله أبتغي حكما و هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} (الأنعام 114)؛ و ذلك لأن كلام الله إما خبر و إما حكم، فخبره – عز و جل – صدق، و حكمه عدل، و لذلك قال عقِب هذه الآية: { و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم} (الأنعام 115).

عن هانئ بن زيد – رضي الله عنه –: أنه لما وفد إلى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – مع قومه سمعهم يكنّونه بأبي الحَكَم، فدعاه رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فقال: "إن الله هو الحكم و إليه الحكم، فلم تكنّى بأبي الحكم؟" فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟" فقال: لي شريح و مسلم و عبد الله، قال: "فمن أكبرهم؟" قال: شُريح، قال: "فأنت أبو شريح". رواه أبو داود (4955)، و النسائي (8 / 226-227) بإسناد صحيح.

و كيف لا يكون الأمر كذلك، و قد أعطى الله – تعالى – الحقوق لأهلها من غير حيف و لا نسيان، كما قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه" الحديث، أخرجه الترمذي، و صححه الألباني في 'صحيح الجامع' (1720).

فما كان من خبر القرآن و السنة صدّق به المؤمن، و أيقن به قلبه و لو لم يبلغه عقله، قال الله – تعالى –: {و منأصدق من الله قيلا} (النساء 122).

و ما كان من حكم القرآن و السنة تحاكم إليه المؤمن منشرح الصدر، و لو كان فيه ذهاب شيء من حظه العاجل، قال الله – تعالى –: {فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما} (النساء 65).

ذكر ابن القيم – رحمه الله – في 'مدارج السالكين' (2 / 171-172) الحديث الذي رواه مسلم (34) بلفظ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد رسولا"، و الحديث الذي رواه مسلم أيض (386) بلفظ: "من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد رسولا، غُفرت له ذنوبه"، ثم قال: [و هذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، و إليهما ينتهي، و قد تضمنّا الرضا بربوبيته سبحانه و ألوهيته، و الرضا برسوله و الانقياد له، و الرضا بدينه و التسليم له، و من اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقا، و هي سهلة بالدعوى و اللسان، و هي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان، و لا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس و مرادها، من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقا، فهو على لسانه لا على حاله...

و أما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد و التسليم المطلق إليهن بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، و لا يحاكِم إلا إليه، و لا يحكّم عليه غيره، و لا يرضى بحكم غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب و صفاته و أفعاله، و لا في شيء من أذواق حقائق الإيمان و مقاماته، و لا في شيء من أحكام ظاهره و باطنه، لا يرضى في ذلك بحكم غيره، و لا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمُه غيرَه من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة و الدم، و أحسن أحواله أن يكون من باب التراب الذي إنما يُتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.

و أما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى، رضي كل الرضا، و لم يبق في قلبه حرج من حكمه، و سلّم له تسليما، و لو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده و شيخه و طائفته.
و ههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب و التفرد، فإنه – و الله! – عين العزة و الصحبة مع الله و رسوله، و روح الأنس به، و الرضا به ربا و بمحمد – صلى الله عليه و سلم – رسولا و بالإسلام دينا.

بل الصادق كلما وجد مسّ الاغتراب، و ذاق حلاوته، و تنسم روحه قال: اللهم زدني اغترابا و وحشة من العالم و أنسا بك، و كلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب و هذا التفرد، رأى الوحشة عين الأنس بالناس، و الذل عين العز بهم، و الجهل عين الوقوف مع آرائهم و زبالة أذهانهم، و الانقطاع عين التقيد برسومهم و أوضاعهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق، و لم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلا الحرمان.

و غايته مودة بينهم في الحياة الدنيا، فإذا انقطعت الأسباب، و حقت الحقائق، و بعثر ما في القبور، و حصل ما في الصدور، و بليت السرائر، لم يجد من دون موالاة الحق من قوة و لا ناصر، تبين له حينئذ مواقع الربح و الخسران، و ما الذي يخف أو يرجح به الميزان، و الله المستعان و عليه التكلان".
و من صفات المنافقين إرادة التحاكم إلى غير شريعة رب العالمين، قال الله – تعالى –: {أم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله و إلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61)} (النساء 60-61).

فاحذر من الإعراض عما أنزله الله من حكم في كتابه و على قلب رسوله – صلى الله عليه و سلم –، فقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا، فتخرج من ملة الإسلام، و تخسر الدنيا و الآخرة، فلا تسعد في الدنيا بالحكم البشري الذي اخترته على حكم الله و فضلته عليه أو ساويته به؛ إذ لا سعادة إلا في ظل ما أنزل الله، و لا تسعد في الآخرة؛ إذ كنت في عِداد أعداء الله الذين قال فيهم: {و الذين كفروا فتعسا لهم و أضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9)} (محمد 8-9).

و لا تزال الأمم في معيشة ضنك ما أعرضت عن الوحي، قال الله – تعالى –: {و من أعرض عن ذكري فإن به معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تُنسى (126)} (طه 124-126).

و ما نراه في مجتمعات المسلمين من اختلاف الرأي و تفكك الأواصر و لعن بعضهم بعضا هو نتيجة حتمية لبعد الناس عن العمل بالكتاب و السنة، أخبرنا بذلك رسول الله – صلى الله عليه و سلم –، فقد أخرج بن ماجه (4019)، و الحاكم (4/540)، و صححه الألباني في 'الصحيحة' (106) عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: أقبل علبنا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، و أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أُخذوا بالسنين و شدة المؤنة و جَوْر السلطان عليهم، و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، فلولا البهائم لم يُمطروا، و لم ينقضوا عهد الله و عهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، و ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، و يتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله باسهم بينهم"

قال ابن تيمية عقب إيراده موضع الشاهد من هذا الحديث: [وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة، في زماننا و غير زماننا، و من أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله و نصره، و يتجنب مسلك من خذله الله و أهانه] من 'مجموع فتاواه' (35/388).

فهيهات هيهات أن يعز قوم ولّوا شريعة ربهم ظهورهم، أخرج أحمد في 'الزهد' (ص 142) و أبو نعيم في 'الحلية' (1 / 216-217) بسند صحيح عن جبير بن نفير قال: (لمّا فُتحت قبرص فُرّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام و أهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله – عز و جل – إذا أضاعوا أمره؛ بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!).

و على هذه الحال جرت سنة الله في دول الإسلام، قال الشيخ إسماعيل الحسيني في كتابه 'تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن' (ص 84-85): [و كذلك الشام، كان أهله في أول الإسلام في سعادة الدنيا و الدين، ثم جرت فتن، و خرج الملك من أيديهم، ثم سُلّط عليهم المنافقون الملاحدة و النصارى بذنوبهم، و استولوا على بيت المقدس و قبلا الخليل، وفتحوا البناء الذي كان عليه و جعلوه كنيسة، ثم صلح دينهم فأعزهم الله و نصرهم على عدوهم لمّا أطاعوا الله و رسوله و اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم.

و كذلك أهل الأندلس كانوا رقودا في ظلال الأمن و خفض العيش و الدعة، فغمطوا النعمة، و قابلوها بالأشر و البطر، فاشتغلوا بمعاصي الله – تعالى –، و أكبّوا على لهوهم و لم يتقوا مواقع سخط ربهم و مقته، ففعل الله بهم ما لا يحصره قلم كاتب، و لا يحصيه حساب حاسب، بتسليط عدوهم عليهم حتى مزقهم الله كل ممزق، و فرقهم أيادي سبا، و ارتد بعضهم على عقبه؛ ركونا إلى الدنيا الفانية و الحظوظ العاجلة، و من قرأ تاريخهم علم ما كان القوم عليه، و ما صاروا إليه، و في التاريخ أكبر عبرة لمن اعتبر].

و مقابلة سريعة بين ما وصل إليه أصحاب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من العز مع القلّة، و ما وصل إليه غيرهم من الذلة مع الكثرة، تنبيك بالفارق الكبير بين صاحب الطاعة و صاحب المعصية، قال الشيخ اسماعيل الحسيني في كتابه السابق (ص 79): [ألا ترى أن الصحابة – رضي الله عنهم – بعد وفاة نبيهم – صلى الله عليه و آله و سلم – فتحوا ما فتحوا من الأقاليم و البلدان، و نشروا الإسلام و الإيمان و القرآن في مدة نحو مائة سنة، مع قلة عدد المسلمين و عُدَدهم و ضيق ذات يدهم، نحن مع كثرة عددنا و وفرة عُدَدنا و هائل ثروتنا و طائل قوتنا، لا نزداد إلا ضعفا و تقهقرا إلى وراء، و ذلة و حقارة في عيون الأعداء].

هذا ما تيسر جمعه، و إنما أردت تنبيه المسلمين جميعا إلى سبب ما حل بديارهم من محن، و لم أرد به تخصيص الأمراء بالأمر بإقامة الدين؛ لأن الخلق كلهم مأمورون بإقامة دين الله.
و من أراد تخصيص الأمراء بهذا، ففي عرينهم، و بلين القول لهم، مع مراعاة حكمة الشرع في ذلك، كما قال الله – تعالى – لموسى و هارون – صلى الله عليهما و سلم –: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44)}.

التحذير من تكفير المسلم

البلاء موكول بالمنطق، و اللسان مركب خطر من مراكب العَطَب، و قد حذرنا اللهم من شره ف آيات كثيرة جدا من كتابه؛ لأن المرء مسؤول يوم القيامة عما قاله في الدنيا، قال الله – عز و جل –: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق 18).
و من الآفات اللسانية التي يسال عنها: تكفير المسلم بغير حق، كاتباع الظن أو المبالغة في رد عدوانه إلى حد تكفيره بلا مسوّغ، أو جعل كبائره نواقضَ لإيمانه، قال الله – تعالى –: {و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء 94).
و في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "إذا قال الرجل لأخيه: (يا كافر!) فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال و إلا رجعت عليه".
و فيهما عن أبي ذر أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يقول: "من دعا رجلا بالكفر أو قال: (عدو الله!) و ليس كذلك إلا حار عليه".
و قال – صلى الله عليه و سلم –: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" رواه الطبراني من حديث هشام بن عامر، و صححه الألباني في 'صحيح الجامع الصغير' (6269).

و على هذا فينبغي للناصح لنفسه أن يتجنب أعراض المسلمين، ففي الصحيحين أن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قال: "سباب المسلم فسوق و قتاله كفر".

و إنما كان إثم التكفير عائدا على صاحبه إذا لم يكن المُكَفَّر أهلا لذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، و قد ذكر بن رجب في 'النصيحة' (ص 21) أنه لمّا ركب ابن سيرين الدَّيْن و حٌبِس به، قال: (إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا؛ عيرت رجلا منذ أربعين سنة، فقلت له يا مفلس!).
هذه كلمة قالها صاحبها منذ أربعين سنة فلم ينسها؛ لأن السلف لم يكونوا عن أنفسهم غافلين، فكيف إذا كان المرء يَلُوك كلمة (يا كافر!) – التي هي شر من (يا مفلس!) – صباح مساء؟!
و عن أبي سفيان قال: (سألت جابرا و هو مجاور بمكة، و كان نازلا في بني فهر، فسأله رجل: هل كنتم تزعمون أحدا من أهل القبلة مشركا؟ فقال: معاذ الله! و فزع لذلك، فقال: هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا؟ قال: لا) رواه ابو يعلى (2317)، و أحمد (3 / 389 – مختصرا) و أبو نعيم 'صفة النفاق' (137 – بنحوه) و الطبراني كما في 'مجمع الزوائد' (1 / 107)،و صححه ابن حجر في 'المطالب العالية' (3294).

و عن حذيفة – رضي الله عنه – قال:قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "إن أخوف ما أخاف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رُئِيت بهجته عليه و كان ردءا للإسلام، انسلخ منه و نبذه و راء ظهره، و سعى على جاره بلسيف، و رماه بالشرك، قلت: يا نبي الله! أيهما أولى بالشرك: الرامي أو المرمي؟ قال بل الرامي" رواه البخاري في 'التاريخ' (2907) و ابن حبان (81)، و حسنه الألباني في'الصحيحة' (3201).


حرمة دم المسلم

قال الله – تعالى –: {و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} (الأنعلم 151)، و قال – تعالى –: {و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها و غضب الله عليه و لعنه و أعد له عذابا عظيما} (النساء 93).
و لعظم شان الدماء كان قتل نفس واحدة كقتل أنفس، و إحياء نفس واحدة كإحياء ـنفس، قال الله – تعالى –:{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و لقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} (المائدة 32)، قال مجاهد – رحمه الله –: (و من أحياها و لم يقتل أحدا فقد حيَّ الناس منه) رواه ابن أبي شيبة (9 / 363) و ابن جرير في 'تفسيره' (10 / 11784-11785).

و بهذا المعنى فهم الآية عثمان بن عفان – رضي الله عنه –، فقد آثر أن يموت وحده يوم الدار حيت اجتمع الثوار لقتله؛حقنا لدماء المسلمين و إحياء لهم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: (دخلت على عثمان – رضي الله عنه – يوم الدار، فقلت: يا أمير المؤمنين طاب الضرب، جئت أقاتل معك، فقال: يا أبا هريرة! أيسُرُّك أن تقتل الناس جميعا و إياي معهم؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك – و الله! – لئن قتلت رجلا واحدا لكأنما قتلت الناس جميعا، قال: فرجعت و لم أقاتل) رواه سعيد بن منصور في 'سننه' (2937) و نُعيم بن حماد في 'الفتن' (437) و ابن سعد في 'الطبقات' (3 / 70) و الخطيب في 'الكفاية' (ص 183)، و هو صحيح.

قلت: هذا نفَس من نفس طيبة، جاد بدمه لحفظ غيره، مع أنه أحق الناس بالنصرة، و الانتصار لعثمان ذي النورين – رضي الله عنه – انتصار لحق محقق، مع ذلك فقد آثر أن يموت هو ليحيا غيره، فكيف عمي أهل التكفير عن هذا؟!
بلى! إنه يبصره الراسخون، و يعمى عنه الماسخون؛ لأن الله يقول: {قل هل يستوي الذي يعلمون و الذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} (الزمر 9).

أم كيف عمي عنه رجل يزعم أن له يدا على الأفغان؛ بسبب ما قدم لجهادهم من أموال، ثم لمّا دار الأمر بين أن يُسجن أو يُقتل و بين أن يُقتل الشعب الأفغاني، شحّت نفسه بما جادت به نفس ذي النورين المخلصة، حتى قُتل من أجله أمة عظيمة من هذا الشعب المسلم من قبل عدو غاشم يفرحه عناد مطلوبه؛ ليصل إلى مرغوبه؟!!
أيُعقل أن يُفدى رجل بشعب، ثم يُنسب هذا المفدّى إلى الغيرة على الإسلام و المسلمين؟!
و لئن كن بالأمس قد حمى هذا الشعب من استعمار الروس الغاصبين، فلقد قدمه اليوم لقمة سائغة لأعداء عِطاش إلىدماء المسلمين!!

إن عثمان خليفة حقا، و راشد بكل معاني الرشد صدقا، و متزوج من بيت النبوة مرتين، و من أهل الجنة بلا مَين، و مظلوم بإجماع أهل السنة، و الخارجون عليه كلاب النار بلا ريب، على الرغم من ذلك لم تطِب نفسه بأن تُفدى بغير دمه، رضي الله عن هذه النفس الطيبة المخلصة.

و كيف خفي هذا عن أصحاب الحركة الذين يرون ضرورة (حرق جيل مسلم) من أجل الدفاع عن دعاة لا عزاء فيهم؟! بل هم كما قيل:
فإن تصبك من الأيام جائحة [][][][] لا نبك منك على دنيا و لا دين

و من الأصول التي كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يحرص على تقريرها ما رواه مسلم (2564) و ابن ماجه (3933) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه و ماله و عِرضه".

و كان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يجتهد في ذلك بقطع أسبابه و حسم مادته من أولها، فعن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى أخيه بحديدة، و إن كان أخاه لأبيه و أمه" أخرجه مسلم (2616).

و عن أبي بكرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "إذا أشار الرجل على أخيه بالسلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتله وقعا فيها جميعا" أخرجه مسلم (2888) و أبو داود الطيالسي (925) و اللفظ له، و النسائي (4127) و ابن ماجه (3965).

و معنى "جرف": شِق الوادي، أي طرفه.
و عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزَغ في يده فيقع في حفرة من النار" أخرجه البخاري (7072) و مسلم (126).

و أبْلغُ منه في حسم مادته ما أخرجه أحمد (5 / 362) و أبو داود (5004) و غيرهما بإسناد صححه الألباني في 'غاية المرام' (447)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (حدثنا أصحاب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال: "ما يضحككم؟" فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففرع، فقال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما".

قال المناوي – رحمه الله – في 'فيض القدير' (6 / 447): [لا يحل لمسلم أن يروع مسلما و إن كان هازلا، كإشارة بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه فيفزع لفقده؛ لما فيه من إدخال الأذى و الضرر عليه، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده].

و من أخلاق المؤمن أنه إن قتل قتل بالحق، و في رفق و إحسان؛ فعن ابن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه و سلم – أنه قال: "أعَفّ الناس قِتْلة أهل الإيمان" رواه أحمد (1 /393) و أبو داود (2666) و ابن ماجه (2682)، و هو حسن.

قال المناوي في 'فيض القدير' (2 / 7): [أي هم أرحم الناس بخلق الله و أشدهم تحريا عن التمثيل و التشويه بالمقتول و إطالة تعذيبه؛ إجلالا لخالقهم، و امتثالا لما صدر عن صدْر النبوة من قوله: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"،بخلاف أهل الكفر و بعض أهل الفسوق، ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، و اكتفوا من مسماه بقلقلة اللسان، و أُشربوا القسوة، حتى أُبعدوا عن الرحمن، و أبعد القلوب من الله القلب القاسي، و من لا يَرحم لا يُرحَم].

و عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "من لقي الله لا يُشرك به شيئا، لم يتندّ بدم حرام، دخل الجنة" أخرجه أحمد (4/152) و ابن ماجه (2618)، و هو صحيح.

قال السيوطي: [لم يتندّ: أي لم يصب منه شيئا، أو لم ينله منه شيء، كأنه نال نداوة الدم]، من حاشية 'سنن ابن ماجه'.
قال أبو بكر بن العربي – رحمه الله –: [ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق و الوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالمسلم، فكيف بالتقي الصالح؟!]، من 'فتح الباري' لابن حجر (12 / 196).

عن جندب بن عبد الله – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه و سلم – قال: "من استطاع منكم أن لا يحول بينه و بين الجنة – و هو يرى بابها – ملء كف من دم امرئ مسلم يقول: لا إله إلا الله، يهريقه بغير حلِّه كأنما يذبح به دجاجة، كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه و بين المقتول ينازع قاتله إلى ربّ العالمين" رواه عبد الرزاق (10 / 26 – ببعضه) و ابن أبي عاصم في 'الديات' (ص 8) و الطبراني في 'الأوسط' (8 / 233) و في 'الكبير' (2 / 159 – ببعضه، و 160) و البيهقي في 'الشعب' (5350)، و هو صحيح.

و عند بعض هؤلاء بلفظ: عن الحسن البصري قال: (جلست إلى جندب في إمارة مصعب، فقال: إن هؤلاء القوم قد ولغوا في دمائهم و تحالفوا على الدنيا، تعلمون أني سمعت رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يقول...) فذكره.

قال ابن حجر عقِبه في 'الفتح' (13 / 130): [و هو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حق].

فبان أن هذه الأحاديث كانت تحجزهم عن مشاركة الناس فيما يُزعم أنه إصلاح للولاة، و لو تدبرها هؤلاء الوالغون في دماء الناس باسم (الجهاد لإقامة دولة الإسلام) لما تجرؤوا على ذلك؛ إذ هؤلاء أصحاب رسول الله – صلى الله عليه و سلم –، و هم أولى الناس بإمارة الناس، مع ذلك فقد كان من ورعهم ما رأيتَه.

و منه ما صح من رواية الإمام أحمد (5 / 367، 373، 376) و الطبراني (2 / 164) و البيهقي (8 / 191) عن أبي عمران الجني قال: (قلت لجند بن عبد الله: إني بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، قال: لعلك تقول أفتاني جندب و أقتدي؟ قال: قلت: ما أريد ذلك، و لكني أستفتيك لتفتيني، (و في رواية إنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام؟ فقال: أمسك عليك، فقلت: إنهم يأبَون)، قال: افتد بمالك، قلت: لا يُقبل مني، قال جندب: كنت على عهد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – غلاما حَزوَّراً(1)، و إن فلانا أخبرني أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: يجيء المقتول يوم القيامة بقاتله، متعلق به، فيقول: يا رب! سله فيم قتلني؟ فيقول الله عز و جل –: فيم قتلتم هذا؟ فيقول في ملك فلان، قال جندب: فاتق لا تكون ذلك الرجل!).

فانظر إلى ورع القوم و اتقائهم الدماء، على الرغم من أن ابن الزبير – رضي الله عنه – هو الذي بويع له قبل خصمه، و هو صحابي، بل هو بن حواري النبي – صلى الله عليه و سلم – و ابن عمته!

ثم انظر إلى استدلال جندب – رضي الله عنه – بهذا الحديث الخاص بالقتال من أجل ملك الغير على قتال ابن الزبير – رضي الله عنه –، و لم يقل أحد منهم: إن هذا خذلان لأهل الحق الساعين لإقامة الدولة الإسلامية؛ و إنما شأن الدماء عظيم!

فتأمل توظيفهم لهذا الحديث و ما سبق من الأحاديث في هذا المقام، مع أن جهادهم – رضي الله عنهم – هو أصدق جهاد، و دولتهم هي أنظف دولة، و أما حديثنا عن الجهاد لتحقيق دولة الإسلام فـ {إن نظن إلا ظنا و ما نحن بمستيقنين}.

عظم شأن كلمة التوحيد و الكف عن أهلها

عن أوس بن أبي أوس الثقفي – رضي الله عنه – قال: أتيت رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في وفد ثقيف، فكنا في قبة، فقام من كان فيها غيري و غير رسول الله – صلى الله عليه و سلم –، فجاء رجل فساره، فقال: "اذهب فاقتله"، ثم قال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟" قال: بلى! و لكنه يقولها تعوذا، فقال: رُدّه، ثم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حَرمت علي دماؤهم و أموالهم إلا بحقها" رواه أحمد (4 / 8) و النسائي (7 / 80-81) وابن ماجه (3929)، و هو صحيح.

الكف عن أهل الصلاة

عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه: أتى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و هو في مجلس، فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله – صلى الله عليه و سلم –، فقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى – يا رسول الله! – و لا شهادة له، قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "أليس يشهدان محمدا رسول الله؟ قال: بلى – يا رسول الله! – و لا شهادة له، قال: "أليس يصلي؟" قال: بلى – يا رسول الله! – و لا صلاة له، فقال النبي – صلى الله عليه و سلم –: "أولئك الذين نهاني الله عنهم" أخرجه أحمد (5 / 432 – 433) بإسناد صحيح.

قال ابن عبد البر في 'التمهيد' (10 / 153): [و في قول رسول الله – صلى الله عليه و سلم –: "أولئك الذين نهاني الله عنهم" رد لقول صاحبه القائل له: (بلى! و لا صلاة له، بلى! و لا شهادة له)؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – قد أثبت له الشهادة و الصلاة، ثم أخبر أن الله نهاه عن قتلهم، يعني عن قتل من أقر ظاهرا، و صلى ظاهرا].


-----------------------------
(1) الحزوّر: إذا قارب البلوغ، كذا في 'غريب الحديث' لابن قُتَيبة (3 / 758).


التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء إلياس الباتني ; 09 May 2008 الساعة 04:02 PM سبب آخر: تصحيح آية
رد مع اقتباس