منتديات التصفية و التربية السلفية

منتديات التصفية و التربية السلفية (http://www.tasfiatarbia.org/vb/index.php)
-   الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام (http://www.tasfiatarbia.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   السلوان لمن توسط ولم تقبل وساطته من الأهل والإخوان (http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=19792)

عز الدين بن سالم أبو زخار 31 Oct 2016 06:54 AM

السلوان لمن توسط ولم تقبل وساطته من الأهل والإخوان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالواسطة في المصطلح الشرعي هي الشفاعة في الدنيا.
قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله في ((إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد)): ((الشفاعة معناها: التوسط في قضاء حاجة المحتاج لدى من هي عنده. سميت بذلك لأن طالب الحاجة كان منفرداً في الأول، ثمّ لما انضم إليه الشافع صار شفعاً، لأن الشفع ضد الوتر. فلما كان طالب الحاجة منفرداً، ثمّ انضم إليه الواسطة شفعه في الطلب، ولذلك سمّي شافعاً، وسمّي هذا العمل شفاعة)) اهـ.
وقد أمر الشارع الحكيم بوساطة الخير والشفاعة الحسنة في هذه الدنيا وحث عليها ورغب فيها، قال الله سبحانه وتعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85].
قال القرطبي رحمه الله في ((تفسيره)): ((فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم)) اهـ.
وقال ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)): ((من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك)) اهـ.
وقال ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري)): ((إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه، كما دلت عليه الآية وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض وحاصله أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر)) اهـ.
كما جاء النهي عن أخد ثمن لهذه الواسطة والأجر على هذه الشفاعة، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا)) أخرجه أحمد وأبو داود في (باب في الهدية لقضاء الحاجة) وحسنه الإمام الألباني.
قال الأمير الصنعاني رحمه الله في ((سبل السلام)): ((فيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة وظاهره سواء كان قاصدا لذلك عند الشفاعة أو غير قاصد لها وتسميته ربا من باب الاستعارة للشبه بينهما ذلك لأن الربا هو الزيادة في المال من الغير لا في مقابلة عوض وهذا مثله)) اهـ.
ومن توسط في فعل خير كجلب نفع أو دفع ضر، فهو مأجور سوء قُضِي ما شفع له أو لم يقض؛ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أتاه السائل وربما قال جاءه السائل أو صاحب الحاجة، قال: ((اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)) متفق عليه، وفي لفظ عند البخاري ((اشفعوا لتؤجروا))، وفي رواية عند أبي داود وصححها الإمام الألباني ((اشفعوا إِليَّ لِتُؤْجَروا))، وفي رواية عند النسائي وصححها الإمام الألباني ((اشفعوا تشفعوا)).
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): ((ووقع في رواية أبي داود اشفعوا لتؤجروا وهو يقوي أن اللام للتعليل)) اهـ.
قلت: لم أجده في سنن أبي داود وهو بهذا اللفظ عند البخاري في الصحيح كما بينت سابقا.
وأخرج النسائي في ((الصغرى)) و ((الكبرى)) وصححه الإمام الألباني عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إن الرجل ليسألني الشيء فأمنعه حتى تشفعوا فيه، فتؤجروا))، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اشفعوا، تؤجروا)).
وفي روية عند أبي داود وصححها الإمام الألباني عن معاوية: اشفعوا تؤجروا فإني لأريد الأمر، فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اشفعوا تؤجروا)).
فتعلق الأجر بالشفاعة، والنصيب من الأجر لم يعلق بتحقق ما شفع من أجله، فالشافع محسن فهو مأجور على كل حال فضلا من الله ونعمة، فالساعي في خير وإن لم تنقض الحاجة، فإن قبلت الشفاعة فخير على خير.
قال ابن الجوزي في ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)): ((والمراد من الحديث أنكم تؤجرون في الشفاعة وإن لم تقض الحوائج)) اهـ.
فهذه تسلية لكل من توسط في فعل خير فقبلت وساطته بالرفض، فهو مأجور على ما بدله لتحقيق المطلوب، هذا أولا.
وثانيا: لتعلم يا راعاك الله أنه لم تقبل شفاعة من هو خير منك، ورفض وساطته، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أن مغيثا كان عبدا، فقال: يا رسول الله ‍‍ اشفع لي إليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يا بريرة اتقي الله، فإنه زوجك وأبو ولدك)).
فقالت: يا رسول الله أتأمرني بذلك.
قال: ((لا، إنما أنا شافع فكان دموعه تسيل على خده))، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعباس: ((ألا تعجب من حب مغيث بريرة، وبغضها إياه)).
أخرجه أبو داود وصححه الإمام الألباني.
فبريرة رضي الله عنها لم تقبل وساطة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرف الخلق وأفضلهم، وطلبت الخلع من زوجها مغيث رضي الله عنه.
بل جاء في رواية أخرجها النسائي وغيره وصححها الإمام الألباني تصريحها بالرفض قالت: (فلا حاجة لي فيه).
وكل هذا لم يأت عاتب منه عليه الصلاة والسلام لها في عدم قبول شفاعته ولم يلمها لرد وساطته، وقابل رفضها بصدر رحب.
فلماذا نلقي باللوم على من رفض وساطتنا؟
لماذا نعاتب بل قد نغتاب من رد شفاعتنا؟
لماذا نحزن؟ ونقول: كسر خاطري؛ رد كلمتي؛ لم يأخذ بوساطتي، ولم يعبرني ولم يقدرني.
لماذا هذا اللوم والعتاب على الأهل والإخوان؟
فإذا علمت أنك مأجور، وأنه ردت وساطة من هو خير البشر، كان هذا سلوان وتسلية لك.
بل الله عز وجل لم يحقق بعض دعوات أنبيائه، والدعاء شفاعة.
فهذا نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام دعا فقال: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45]، فلم يستجب له، قال الله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].
وهذا خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا لأبيه فقال: {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} [مريم : 47]، فلم يستجب له قال الله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114].
وكذلك ما جاء عن نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)).
وهذا أيضا فيه تسلية وسلون لمن لم تقبل وساطته.
وفي الختام أعرض نموج لعالم من علماء الأمة في هذا العصر أشتهر بكثرة الشفاعة، وهو سماحة الإمام ابن باز رحمه الله كان مثلا حيا لبذل جاهه وقضاء حوائج الناس نستقي منه الدروس العظيم في الشفاعة.
((وإليك نبذة عن بعض أنواع الشفاعة التي كان سماحته يقوم بها:
1_ الشفاعة في رفع الظلم عن المظلومين سواء في الداخل أو الخارج.
2_ الشفاعة في منح الإقامة النظامية.
3_ الشفاعة في المِنَح الدراسية.
4_ الشفاعة في قبول الطلاب إذا توافرت فيهم الشروط.
5_ الشفاعة في قضاء الديون عن المدينين.
6_الشفاعة في تعمير المساجد، وبيوت الأئمة والمؤذنين في الداخل والخارج.
7_ الشفاعة في إصلاح الطرق والمرافق العامة.
8_ الشفاعة في إصلاح ذات البين، سواء بين الأفراد، أو الجماعات، أو الدول، وشفاعاته في هذا المضمار لا تكاد تحصى.
9_ الشفاعة في نقل المدرسين والمدرسات.
01_ الشفاعة في دعم المراكز والجمعيات الإسلامية.
11_ الشفاعة لبعض المسجونين في الداخل والخارج.
12_ الشفاعة في فتح المدارس، والمعاهد، والكليات الإسلامية.
13_ الشفاعة في افتتاح مراكز الدعوة والإرشاد.
14_ الشفاعات في الوظائف الحكومية لمن تتوافر فيهم الشروط.
15_ الشفاعات في التكفل بطباعة الكتب النافعة وتوزيعها.
16_ الشفاعة في بناء المدارس الخيرية.
17_ الشفاعة في علاج المرضى.
18_ الشفاعة في منح الرعوية السعودية.
19_ الشفاعة في إصلاح المناهج الدراسية، وإبعاد ما لا فائدة فيه، وإبداله بما تقتضي المصلحة وجوده.
20_ الشفاعة في حفر الآبار، وسقي القرى والهجر.
21_ الشفاعة في تأمين سيارات لنقل الماء، وسقي المحتاجين إليه.
23_ الشفاعة في تركيب مكائن الكهرباء للبيوت والمساجد.
24_ الشفاعة في تسوير المقابر، وحفظها من الامتهان.
25_ الشفاعة في إيصال الكهرباء إلى بعض القرى والهجر.
26_ الشفاعة في تأمين سيارات للدعاة خارج المملكة.
27_ الشفاعة في تعيين الأكفياء من الموظفين في جميع المجالات.
وقد ذكر سماحته أنه لما كان قاضياً كتب لبعض المسؤولين يطلب تعيين شخص ليكون أميراً على قرية من القرى، فرد عليه ذلك المسؤول: بأن هذا ليس من اختصاصك، وهذا له جهة معينة، وأنت قاضٍ، وينبغي أن تترك مثل هذه الأمور.
فرد عليه سماحة الشيخ وقال: إذا كان القضاة والعلماء لا يدخلون في مثل هذه الأمور، فمن الذي يدخل ؟
القضاة أولى من غيرهم، فسكت ذلك المسؤول، واستجاب لشفاعة سماحة الشيخ.
وبالجملة فلا أعلم أنه عُرض عليه شيء، أو رأى أمراً يستدعي شفاعته صغر أو كبر إلا بادر إليه.
كل يوم يسن مجداً بديعاً بفعال في المكرمات بديع
هذه صورة مجملة للشفاعات التي كان يقوم بها سماحته.
أما تفصيلها فلا يتسع المقام لذكره؛ فشرح واحدة من هذه الشفاعات يحتاج إلى كتاب مفرد، فكم رفع بسببه من الظلم، وكم منحت لأجله من إقامة، وكم من المنح الدراسية التي قبلت شفاعته بها، وكم من ملايين الريالات قد سُدِّد بها ديون عن طريقه، وكم من المساجد التي عمرت وجهزت تماماً بفضل الله ثم جهده وشفاعته، وكم من الطرق، والمرافق العامة قد أصلحت بسببه، وكم من ذاتِ بين اجتمعت بعد فُرقتها بسببه، وكم من الجمعيات والمراكز الإسلامية تقوم بعد توفيق الله على دعمه وتأييده، وكم أفرج بسببه من المسجونين، وكم، وكم، فماذا تقول وماذا تدع؟)) انتهي من كتاب جوانب من سيرة ابن باز.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الخميس 26 المحرم سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 27 أكتوبر سنة 2016 م


الساعة الآن 07:34 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013