منتديات التصفية و التربية السلفية

منتديات التصفية و التربية السلفية (http://www.tasfiatarbia.org/vb/index.php)
-   الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام (http://www.tasfiatarbia.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   من صفات الصادقين التسليم لوحي ربّ العالمين (http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=17594)

أبو عبد الرحمن العكرمي 17 Dec 2015 12:27 AM

من صفات الصادقين التسليم لوحي ربّ العالمين
 
الحمد لله ربّ العالمين و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين , خيرة من يقتدى بهم في الأولين و الآخرين , و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و بعد :

فإن المسلم متعبد في كلّ حالاته , و إن من شعار العبودية و سمات النفس الطيعة الزكية , الامتثال و التسليم , و سأعرض في هذا المقال المختصر للصفات التي ينبغي للمسلم أن يكون عليه اتجاه نصوص الكتاب و السنة , و عقوبة من أعرض عن الوحيين لهوى نفسه أوعقله أو قول متبوعه أو عادة قومه, و الله المعين .

1-موقف المسلم اتجاه نصوص الوحي , الكتّاب و السّنة :

إن المؤمن الحقّ , من كان شعاره التسليم , و دثاره الامتثال القويم و الاستقامة على الدين العظيم , متبعا للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم , متقفيا آثاره السابقين من المؤمنين , مستحضرا في شأنه كله قول الله تبارك و تعالى : {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(285/البقرة).

يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره :

يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكلُّ من المؤمنين:"سمعنا" قول ربنا وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه"وأطعنا"، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له وقوله:"غفرانك ربنا"، يعني: وقالوا:"غفرانك ربنا"، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال:"سبحانك"، بمعنى: نسبحك سبحانك.اهـ (6/127 طـ مؤسسة الرسالة).

ويقول الزّجاج رحمه الله في كتابه معاني القرآن و إعرابه :

(أي " سَمعْنَا " سَمْع قابِلينَ. و (أطَعْنَا): قَبِلْنَا ما سَمِعْنَا، لأن مَن سمع فلم يعْمل قيل له أصم - كما قال جلَّ وعزَّ:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}. ليس لأنهم لَا يسْمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع.
قال الشاعر:
أصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيع
ومعنى: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
أي أغفر غُفْرانَك، وفُعْلاَن، من أسْمَاءِ الْمَصَادِر نحو السُّلوان والكُفْران.
ومعنى: (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي نحن مقرون بالبعْثِ.)اهــ (1/369 طـ عالم الكتب)


و لقد أورد الزجاج -رحمه الله- المثل : (أصمّ عما ساءه سميع)- وهو يضرب للتّغافل عموما -مورد الذّم , و في بيان معناه يقول أبو هلال العسكري –رحمه الله-في جمهرة الأمثال :

(أصمّ عما ساءه سميع
يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره؛ ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول بشار:
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ** حلمي أصمُّ وأذني غير صماء) اهــ (1/35)

و يظهر لك من بيان أبي هلال العكسري للمثل أنه يراد به مدح الرجل بالحلم و التّغافل نظير قول القائل :
ليس الغبيّ بسيّد في قومه ** لكنّ سيّد قومه المتغابي
و لا ريب أنّ ظاهر المثل ليس مرادا من سَوْق الزجاج -رحمه الله- له , بل إنّه ليعكسه ذاما للرجل المتغافل , كما أنّ المثل لا يمدح كل متغافل في أمور الدنيا إلاّ تغافلا تصلح به دنياه , و ما مدح هذا التغافل إلا لما يعقبه من خير , فكيف إذا كان هذا التغافل تغافلا عن أمور الآخرة التّي لا يكون التغافل عنها إلا من غفلة القلب عن ذكر الله , أو صدود عن شرعه سبحانه , ولا تكون عاقبة هذا الأمر-حتمًا- إلا هلاكا , قال جلّ شأنه : {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا }(72/الإسراء)

هذا , و إنّ في سبب نزول هذه الآية لطيفة شريفة , و مقصدا من مقاصد العبودية منيفا , بل قل نعمة عظيمة ساقها ربّ العزّة لعباده المذعنين , و ذلك فيما ساقه الإمام ابن كثير فيما أخرجه مسلم في سبب نزول الآية من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: لَمَّا نَزلَت على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قالَ: فاشتدَّ ذلك على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فَقالوا: أيْ رسولَ اللهِ، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ، والجِهادَ والصَّدقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذه الآيةُ، ولا نُطيقها، قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أتُريدونَ أن تَقولوا كما قالَ أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم: سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللهُ في إثرِها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، فَلمَّا فعَلوا ذلك نسَخها اللهُ تعالى، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قالَ: نعَم، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، قالَ: نعَم، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قالَ: نعم، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، قال: نعَم)اهـ

فتأمل يا عبد الله ما للتسليم من عظيم المكارم المتتالية , فها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سلموا و أذعنوا لأمر ربّ العالمين , فأعقبهم
تكليفا بالمقدور ,
و عدم مؤاخدة عن بالنسيان و الخطأ ,
و رفعا للإصر ,
و تحميلا بحسب الطاقة ,
وعفوا
و مغفرة
و رحمة
و نصرة !!!

فأين نحن اليوم ممن تقول له : هذا كتاب الله و تلك سنة رسوله الله صلى الله عليه و سلم , الزمها تنجُ !
فيعرض كبرياءً , و يسحب الهدى ماصار عليه بنو الأصفر , لا ما كان عليه الصحابة سادة العرب و العجم و البربر.

في عقوبة من أعرض عن نصوص الوحيين لهوى أو لعقل ظنّه راجحا :

يقول الله تبارك و تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ , وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (36/الأحزاب)

يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير :

(أَيْ: مَا صَحَّ، وَلَا اسْتَقَامَ لِرَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَفْظُ مَا كان، وما ينبغي، ونحوهما معناهما الْمَنْعُ، وَالْحَظْرُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ شَرْعًا، وَقَدْ يَكُونُ لِمَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: {مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها} وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إِذَا قَضَى اللَّهُ أَمْرًا أَنْ يَخْتَارَ من أمر نفسه ما شاء،بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُذْعِنَ لِلْقَضَاءِ، وَيُوقِفَ نفسه على ما قضاه الله عليه وَاخْتَارَهُ لَهُ، وَجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ:لَهُمْ ومن أَمْرِهِمْ لِأَنَّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَقَعَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَهُمَا يَعُمَّانِ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ.)اهـ (4/325 طـ دار ابن كثير)

ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- في تفسيره :
(أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} من الأمور، وحتَّما به وألزما به {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله.
{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} أي: بَيِّنًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة الله، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال.)اهـ

يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله- واصفا الإمام أحمدَ –رحمه الله- و شدّة تمسكه بالوحيين قائلا : (كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه و لم يلتفت إلى ما خالفه، و لا من خالفه كائناً من كان.......
إلى أن يقول :
وَلَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَمَلًا وَلَا رَأْيًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ وَلَا عَدَمَ عِلْمِهِ بِالْمُخَالِفِ الَّذِي يُسَمِّيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إجْمَاعًا وَيُقَدِّمُونَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ كَذَّبَ أَحْمَدُ مَنْ ادَّعَى هَذَا الْإِجْمَاعَ، وَلَمْ يَسِغْ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا نَصَّ فِي رِسَالَتِهِ الْجَدِيدَةِ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ بِخِلَافٍ لَا يُقَال لَهُ إجْمَاعٌ، وَلَفْظُهُ: مَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ فَلَيْسَ إجْمَاعًا)اهـ (36طـ دار الكتب العلمية)

هذا هو سير الأولين في تقفي نصوص الوحيين , و الإذعان للصحيح المنقول , و عدم الإلتفات إلى أهواء نفس , أو شطحة فكر , و أو تعصب لعالم , أو رضوخًا لحال , فالكلّ في كفّة و نصوص الوحيين في كفّة ترجح بالجميع و تطيش بهم , و ليسأل كلّ معارض أو معترض ما حجته أمام ربّه ؟ ! فإن قال حجتي فلان , قيل له :{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (15/الإسراء) لا فقيها , و لا عادة , و لا هوى غلاّبا !! و الله المستعان .


جمعه لكم أخوكم : امحمد العكرمي
الإربعاء 05 ربيع الأول1437 هجرية


أبو الضحى سالم ناسي 17 Dec 2015 07:33 AM

جزاك الله خيرا أخي العكرمي ، وأسال الله أن يمن علينا بحسن الطاعة والإنقياد
قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا .

أبو عبد الرحمن العكرمي 18 Dec 2015 04:37 PM

و إياكم أخي الحبيب أبا الضحى

أبو البراء 19 Dec 2015 09:18 AM

بارك الله فيك أبا عبد الرحمن وجزاك خيرا.

أبو عبد الرحمن العكرمي 20 Dec 2015 09:54 PM

بورك فيك أخي الحبيب المفيد أبا البراء


الساعة الآن 06:37 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013