منتديات التصفية و التربية السلفية

منتديات التصفية و التربية السلفية (http://www.tasfiatarbia.org/vb/index.php)
-   الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام (http://www.tasfiatarbia.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   التحذير من الغلو في الصالحين ببيان حقيقتهم في كلام رب العالمين هدايات القرآن لأهالي عين مران ومن على شاكلتهم والله المستعان (http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=21331)

عبد الصمد سليمان 03 Aug 2017 04:04 PM

التحذير من الغلو في الصالحين ببيان حقيقتهم في كلام رب العالمين هدايات القرآن لأهالي عين مران ومن على شاكلتهم والله المستعان
 
بسم الله الرحمن الرحيم
إن المسلم الموحد لله سبحانه ليعجب من اتخاذ كثير من الناس معبودات يعظمونها، ويحبونها، ويتقربون إليها بجملة من الطاعات، وكثير من العبادات، مع أن معبوداتهم وآلهتهم التي اتخذوها مع الله سبحانه تنادي أحوالها عليهم بالغباوة والحمق، وذهاب العقل المحقق، لأنها ليس فيها شيء من الأوصاف التي تدعوا إلى حبها، وتعظيمها، وصرف العبادة لها؛ بل فيها من أوصاف الضعف والعجز ما يدل على حقيقتها، وعلى جهل العابدين لها المعظمين لأمرها.
ولأجل هذا جاء في القرآن الكريم نصوص كثيرة تبين حقيقة معبودات المشركين، وأنها إنما عبدت بباطل، وأنها لا تستحق أن يصرف لها شيء من القول أو العمل؛ لعجزها وضعفها، وانعدام أوصاف الكمال فيها، وهذه النصوص والحمد لله تشمل معبودات المشركين جميعها؛ إنسها وجنها، وحيها وميتها، وجمادها ومتحركها، وقديمها وحديثها، فيدخل تحتها وتحت حكمها؛ أصناف المعبودات بأكملها:
- كالأصنام والأوثان والأشجار والأحجار التي عبدت ولا زالت تعبد من دون الله، فعبدها المشركون قديما، ولم يزالوا على عبدتها اليوم حديثا، وهي منتشرة بكثرة في بلاد الصين واليابان والهند وكثير من دول العالم الأخرى.
- وكالشمس والقمر والنجوم وهي معبودات المشركين قديما، ولا يزال كثير من الناس يعتقد أن لها تأثيرا في الكون وتصرفا في الخلق؛ ولذلك يفسرون الأمور بحركاتها، ويرجعون في معرفة الغيب إلى أبراجها.
- وكالأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، والأولياء والصالحين؛ وهي معبودات كثير من المشركين قديما، وهي معبودات كثير من المسلمين حديثا، فمما هو معلوم أن كثيرا من المسلمين غلوا في الصالحين إلى أن عبدوهم مع رب العالمين، وصرفوا لهم خالص حقه الذي لا يجوز إلا له سبحانه، ولقد نبأنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وحذرنا من وقوعه؛ حيث نهى عن اتخاذ قبورهم مساجد، وأضرحتهم معابد، فقال صلى الله عليه وسلم:"لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
ومع هذا النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم والذي جاء بألفاظ متعددة وفي روايات عدة، إلا أن طوائف كثيرة تنتسب إلى أمة النبي صلى الله عليه وسلم اتخذت قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وصرفت لهم من العبادات ما هو خالص حق الله الذي لا يجوز لغيره، ومن أبرز هذه الطوائف:
الصوفية الذين غلوا فيمن يزعمونهم أولياء لله؛ فبنوا على قبورهم القباب والأضرحة، ثم سرعان ما تقربوا إليها بأنواع من القرب؛ من ذبح ونذر وطواف وخوف ورجاء وحب، واعتقاد حياة وتصرف في الكون واطلاع على الغيب.
ومن أبرزها أيضا الرافضة الذين غلوا فيمن يزعمونهم أئمة وفعلوا بهم ما فعلت الصوفية بأوليائها واعتقدوا فيهم العقائد نفسها فالرافضة والصوفية وجهان لعملة واحدة ولذلك لا يستغربن الإنسان اجتماعهم وتعاونهم وتعاضدهم.
وأغرب من الغريب أن يكون هؤلاء ممن يقرأ القرآن وينتسب إليه ويزعم اهتداءه بهديه وسلوكه لجادته بل قد تجد فيهم من يحفظه عن ظهر قلب ويتلوه دون أن يتلعثم ويضطرب والقرآن فيه ما ينعى عليهم ويبين سفههم وقلة عقولهم ويظهر كما تقدم حقيقة معبوداتهم وأنها من الضعف والعجز بحيث لا يتوقف العاقل في معرفة بطلانها وبطلان اتخاذها معبودا مع الله تصرف أنواع العبادات لها وهذه طريقة قرآنية وهي دعوة الناس إلى ما أنكروه من توحيد الإلهية بما أقروا به من توحيد الربوبية لأنه أمر مركوز في فطرهم ولا تنكره عقولهم.
وإلى ذكر الآيات التي تبين حقيقة ما عبد من دون الله لعلها تكون تذكرة للغافل وتنبيها للجاهل وردا على المعاند المجادل وتقوية لحجة الموحد لله عزل وجل.
فأقول: وعجز الآلهة يظهر من عدة وجوه كلها في القرآن:
1- مما يدل على عجزها أنها أقل من الحيوان فهي لا تأكل ولا تتكلم:
قال الله تعالى:" فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)"سورة الصافات.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ" أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، "فَقَالَ" متهكما بها "أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ" أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات، التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم.
فأقول للغلاة في القبور: ألا ينطبق هذا على من عبد الأموات وصرف لهم العديد من القربات فإن من عجيب أمرهم أنهم لا يعبدونهم حتى ينزل الموت بهم ثم بعد أن يهيلوا عليهم التراب يعاملون قبورهم بما لا يليق إلا برب الأرباب سبحانه وتعالى.
2- ومما يدل على عجزها أنها لا تدفع عن نفسها ويمكن لمن أراد أن يؤذيها أن يفعل ما يشاء بها:
- قال الله تعالى:" فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)" سورة الصافات.
قال السعدي رحمه الله:" فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون.
- ومن ذلك قول الله تعالى:" وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)" سورة الأنبياء.
فأقول للمعظمين للقبور والغالين في أصحابها والصارفين أنواع العبادة لها: إذا كان لهؤلاء الأولياء ما تعتقدون فيهم ولأجله تخافونهم وترجونهم فلماذا إذا هدمها السني الموحد وسواها بالتراب لم تدفع عن نفسها ولا ردت المعاول عن جدرانها؟.
فكم هدم السنيون عبر التاريخ القباب وسووا الأضرحة بالتراب فلم تدفع عن نفسها، ولا ذادت عن حياضها، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي يجب أن يعلمها كل مسلم، ويعمل بها كل سلطان آتاه الله القوة والحكم؛ فعَنْ أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَليُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ" رواه مسلم وغيره.
3- ومما يدل على عجزها أن عابديها هم الذين صنعوها، وبأيديهم مثلوها، أو بنوا قبابها وسوروا الأسوار عليها:
- قال الله تعالى:" فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95)"سورة الصافات.
قال السعدي رحمه الله: و"قَالَ" هنا:" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ" أي: تنحتونه بأيديكم وتصنعونه؟ فكيف تعبدونهم، وأنتم الذين صنعتموهم، وتتركون الإخلاص للّه؟.
فأقول للغلاة في القبور: فكيف تخافون من أصحابها وترجون أن يحصل لكم الخير بسببها وهي صنيعة أيديكم وفعل من أفعالكم؟ بنيتم قبابها وسورتم أسوارها بعد أن دفنتم الولي داخلها؛ ألم يكن وليكم المزعوم بين أيديكم لا حراك به، ولا حول ولا قوة له، تتصرفون فيه كيفما شئتم، وتفعلون به ما أردتم؛ فلما صار دفين التراب، واستقر حيث لا مرجع ولا إياب، أشركتموه بالله في خالص حقه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وجرم جسيم نبرأ إليك اللهم منه ونعوذ بك أن نكون من أهله.
والآيات في هذا المعنى كثيرة منها:
- قال الله تعالى:" وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)"سورة الأنبياء.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ" التي مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، على صور بعض المخلوقات "الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" مقيمون على عبادتها، ملازمون لذلك، فما هي؟ وأي فضيلة ثبتت لها؟ وأين عقولكم، التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها؟ والحال أنكم مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، فهذا من أكبر العجائب، تعبدون ما تنحتون.
- قال الله تعالى:" وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)"سورة العنكبوت.
قال السعدي رحمه الله: فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار، فلما أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبيَّن لهم نقصها وعدم استحقاقها للعبودية، فقال:" إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا" تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك......
قلت: الله أكبر ما أعظم القرآن وأوضحه ومع ذلك لا يهتدي به أهله المنتسبون إليه وسبب ذلك الأعظم والله أعلم أنهم صاروا كالأميين الذين يعلمون ألفاظه ويجهلون معانيه.
4- ومما يدل على عجزها أنها من جملة مخلوقات الله:
- قال الله تعالى:" قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)"سورة الصافات.
قال الإمام البغوي رحمه الله:" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
-قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)" سورة الأعراف.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قال تعالى:" لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ" أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: " قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)"سورة الصافات.
- قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20)" سورة النحل.
قال الإمام الطبري رحمه الله:يقول تعالى ذكره: وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تخلق شيئا وهي تخلق، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعا مدبرا، لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرّا....
فأقول للغلاة في القبور: هل تشكون أن المعظمين عندكم ومن قبرتموهم بأيديكم مخلوقات لله سبحانه قد أوجدها من العدم جل جلاله؟ فإذا كنتم لا تشكون في ذلك، وتعلمون أنهم من جملة خلق الخالق المدبر المالك، فكيف تدعونهم وتخافونهم وترجون عطاءهم وتتوكلون في أموركم عليهم وتحلفون بأسمائهم إلى آخر قائمة العبادات التي صرفتموها لهم؟
5- ومما يدل على عجزها أنها خرساء لا نطق لها:
- قال الله تعالى:" قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)" سورة الأنبياء.
قال الإمام السعدي رحمه الله: ولهذا قال:" فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ" وأراد الأصنام المكسرة اسألوها لم كسرت؟ والصنم الذي لم يكسر، اسألوه لأي شيء كسرها، إن كان عندهم نطق، فسيجيبونكم إلى ذلك، وأنا وأنتم، وكل أحد يدري أنها لا تنطق ولا تتكلم، ولا تنفع ولا تضر، بل ولا تنصر نفسها ممن يريدها بأذى. "فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ" أي: ثابت عليهم عقولهم، ورجعت إليهم أحلامهم، وعلموا أنهم ضالون في عبادتها، وأقروا على أنفسهم بالظلم والشرك، "فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ" فحصل بذلك المقصود، ولزمتهم الحجة بإقرارهم أن ما هم عليه باطل وأن فعلهم كفر وظلم، ولكن لم يستمروا على هذه الحالة، ولكن "نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ" أي: انقلب الأمر عليهم، وانتكست عقولهم وضلت أحلامهم، فقالوا لإبراهيم:" لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ" فكيف تهكم بنا وتستهزئ بنا وتأمرنا أن نسألها وأنت تعلم أنها لا تنطق؟.
فأقول للغلاة في القبور:اسألوا أصحابها إن كانوا ينطقون فلعلهم يخبرونكم بحقائق ما رأوه في قبورهم من بعد موتهم، ولعلهم يقوون حجتكم ويقرونكم على ما أنتم عليه من صرف العبادة لهم مع خالقكم وبارئكم، لكن أظنكم ستقولون كما قال الأولون "لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ". فإذا كانوا لا ينطقون وظهر لكم عجزهم حيث لا يتكلمون: فما بالكم غلوتم فيهم، وصرفتم خالص حق الله من دعاء وتوكل وخوف ورجاء ونذر وذبح وغير ذلك لهم؟.
6- ومما يدل على عجزها أنها لا تنفع عابديها ولا تضر مبغضيها بل ليس في إمكانها نفع نفسها فضلا عن غيرها:
- قال الله تعالى:" قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)"سورة الأنبياء.
قال الإمام السعدي رحمه الله: فقال إبراهيم - موبخا لهم ومعلنا بشركهم على رءوس الأشهاد، ومبينا عدم استحقاق آلهتهم للعبادة-:" أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ" فلا نفع ولا دفع.
- قال الله تعالى:" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)"سورة مريم.
قال الإمام السعدي رحمه الله: واجتهد في دعوة أبيه، مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال:" إِذْ قَالَ لأبِيهِ" مهجنا له عبادة الأوثان:" يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا" أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها.....لا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلا وشرعا. ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال، الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تعالى.
- قال الله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)"سورة الحج.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" يَدْعُو" هذا الراجع على وجهه "مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ" وهذا صفة كل مدعو ومعبود من دون الله، فإنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، "ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ" الذي قد بلغ في البعد إلى حد النهاية، حيث أعرض عن عبادة النافع الضار، الغني المغني، وأقبل على عبادة مخلوق مثله أو دونه، ليس بيده من الأمر شيء بل هو إلى حصول ضد مقصوده أقرب، ولهذا قال:" يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" فإن ضرره في العقل والبدن والدنيا والآخرة معلوم "لَبِئْسَ الْمَوْلَى" أي: هذا المعبود "وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ" أي: القرين الملازم على صحبته، فإن المقصود من المولى والعشير، حصول النفع، ودفع الضرر، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فإنه مذموم ملوم.
والآيات في هذا المعنى كثيرة ومنها:
- قول الله تعالى:" وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) "سورة يونس.
قال السعدي رحمه الله:" وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ" وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى.
فأقول للغلاة في القبور: فهذا الوصف وسائر الأوصاف الأخرى تشمل المقبورين ممن يزعم الغلاة فيهم أنهم من الأولياء الصالحين فإنهم لا ينفعون ولا يضرون ولا يقدمون ولا يأخرون لضعفهم وعجزهم فهم عاجزون عن نفع أنفسهم فكيف بغيرهم.
- ثم قال السعدي رحمه الله:" فَإِنْ فَعَلْتَ" بأن دعوت من دون الله، ما لا ينفعك ولا يضرك "فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ" أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟!!
أقول للغلاة في القبور: انظروا إلى هذا الحكم العظيم والخطب الجسيم إذ أن خير الخلق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين فما حكمكم وأنتم تدعون غير الله وتخافونهم وترجونهم وتتوكلون عليهم وتخضعون بين أيديهم عند قبورهم، أفلا تتدبرون في حالكم وتنظرون في أحوالكم عسى الله أن ينقذكم من شراك إبليس الذي نصبه لكم وأوقعكم فيه بسبب غفلتكم وبعدكم عن التفقه في كتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؟.
7- ومما يدل على عجزها أنها لا تستطيع الانتصار لنفسها والواقع أن عابديها ينتصرون لها:
- قال الله تعالى:" قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)"سورة الأنبياء.
قال الإمام السعدي رحمه الله: فحينئذ لما أفحمهم، ولم يبينوا حجة، استعملوا قوتهم في معاقبته، فـ "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ" أي: اقتلوه أشنع القتلات، بالإحراق، غضبا لآلهتكم، ونصرة لها. فتعسا لهم تعسا، حيث عبدوا من أقروا أنه يحتاج إلى نصرهم، واتخذوه إلها، فانتصر الله لخليله لما ألقوه في النار وقال لها:" كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ" فكانت عليه بردا وسلاما، لم ينله فيها أذى، ولا أحس بمكروه. "وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا" حيث عزموا على إحراقه، "فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ" أي: في الدنيا والآخرة، كما جعل الله خليله وأتباعه، هم الرابحين المفلحين.
- قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)"سورة الأعراف.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:" وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ" يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل، عليه الصلاة والسلام، يكسر أصنام قومه ويهينُها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله:" فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" [الصافات:93] وقال تعالى:" فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ" [الأنبياء:58] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما -وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة -فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدًا في قومه -كان له صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعَذِرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا، ويقول له: "انتصر". ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرنا معه جرو كلب ميت، ودلَّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
تَالله لو كُنتَ إِلَها مُسْتَدن ... لم تَكُ والكَلْبُ جَمِيعًا في قَرنْ
ثم أسلم فَحسُن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدًا، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
والآيات في هذا المعنى كثيرة:
- فأقول للغلاة في القبور: هل يستطيع المقبورون ممن تزعمون فيهم الولاية أن يردوا من قصد قبورهم بالهدم أو أن يعاقبوا من قابل المعظمين لها بالذم؟ بل لولا أنكم غيبتموهم في قبورهم وأهلتم التراب الكثير عليهم بعد وضع الصفائح فوقهم لأكلتهم الضواري، ومزقت أجسادهم السابحات في الجو وفي الأرض الجواري.
8- ومما يدل على عجزها أنها لا تسمع ولا تبصر من قرب منها فضلا عمن بعد عنها:
- قال الله تعالى:" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)"سورة مريم.
قال الإمام السعدي رحمه الله: واجتهد في دعوة أبيه، مهما أمكنه، وذكر الله مراجعته إياه، فقال:" إِذْ قَالَ لأبِيهِ" مهجنا له عبادة الأوثان:" يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا" أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر....
- قال الله تعالى:" وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)"سورة الأعراف.
قال الإمام السعدي رحمه الله:وهي صور لا حياة فيها، فتراهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة، لأنهم صوروها على صور الحيوانات من الآدميين أو غيرهم، وجعلوا لها أبصارا وأعضاء، فإذا رأيتها قلت: هذه حية، فإذا تأملتها عرفت أنها جمادات لا حراك بها، ولا حياة، فبأي رأي اتخذها المشركون آلهة مع اللّه؟ ولأي مصلحة أو نفع عكفوا عندها وتقربوا لها بأنواع العبادات؟
- قال الله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)"سورة الأحقاف.
قال السعدي رحمه الله: ولهذا قال تعالى:" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" أي: مدة مقامه في الدنيا لا ينتفع به بمثقال ذرة "وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ" لا يسمعون منهم دعاء ولا يجيبون لهم نداء هذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم.
وأقول للغلاة في القبور: وهذا حال الأولياء الصالحين أنهم في قبورهم لا يبصرون ولا يسمعون كيف لا وهم في إبان حياتهم ومدة إقامتهم لم يكن بصرهم يخترق الحواجز دونهم كجدران حجرهم، ولم تكن أسماعهم تلتقط كلام من بعد ولو قليلا عنهم، فكيف وقد صاروا اليوم رمما، وفي برزخ انقطعوا فيه عن الدنيا انقطاعا تاما؟.
أفلا تتدبرون وتستبصرون؟ ألستم تقرون بأن الموت قد أخذهم والبلى قد أفناهم فما بالكم تلوذون بقبورهم وتصرفون كثيرا من العبادات لهم من دعاء وخوف ورجاء وتوكل واستعانة واستغاثة وذبح ونذر وطواف وغيرها؟.
9- ومما يدل على عجزها ما وصف به بعضها من فقر وحاجة إلى ما يقيم حياتها:
- قال الله تعالى:" مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)"سورة المائدة.
قال الإمام السعدي رحمه الله: وقوله:" كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ" دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد.
ولما بين تعالى البرهان قال:" انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ" الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم.
أقول للغلاة في القبور: ألم يكن الأولياء والصالحون ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب؟ فهم في حياتهم كانوا محتاجين إلى طعام يقيم صلبهم، ويبقي على حياتهم، والآن بعد موتهم وانقطاع حياتهم ترجون نوالهم، وتطلبون تحقيق مصالحكم بالقرب منهم، ودفع القرابين لهم؟ عجيب والله أمركم وغريب في الحياة مذهبكم.
10- ومما يدل على عجزها أنها لا تخلق شيئا مهما كان حقيرا:
- قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)" سورة الأعراف.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك....
- قال الله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)"سورة فاطر.
قال السعدي رحمه الله: فإذا لم يخلقوا شيئا، ولم يشاركوا الخالق في خلقه، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم؟ فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم، ودل على بطلانها.
- قال الله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)"سورة الأحقاف.
قال السعدي رحمه الله: أي:" قُلْ" لهؤلاء الذين أشركوا بالله أوثانا وأندادا لا تملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، قل لهم -مبينا عجز أوثانهم وأنها لا تستحق شيئا من العبادة-:" أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ" هل خلقوا من أجرام السماوات والأرض شيئا؟ هل خلقوا جبالا؟ هل أجروا أنهارا؟ هل نشروا حيوانا؟ هل أنبتوا أشجارا؟ هل كان منهم معاونة على خلق شيء من ذلك؟
لا شيء من ذلك بإقرارهم على أنفسهم فضلا عن غيرهم، فهذا دليل عقلي قاطع على أن كل من سوى الله فعبادته باطلة.
ثم ذكر انتفاء الدليل النقلي فقال:" ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا" الكتاب يدعو إلى الشرك "أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" موروث عن الرسل يأمر بذلك. من المعلوم أنهم عاجزون أن يأتوا عن أحد من الرسل بدليل يدل على ذلك، بل نجزم ونتيقن أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد ربهم ونهوا عن الشرك به، وهي أعظم ما يؤثر عنهم من العلم قال تعالى:" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" وكل رسول قال لقومه:" اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" فعلم أن جدال المشركين في شركهم غير مستندين فيه على برهان ولا دليل وإنما اعتمدوا على ظنون كاذبة وآراء كاسدة وعقول فاسدة. يدلك على فسادها استقراء أحوالهم وتتبع علومهم وأعمالهم والنظر في حال من أفنوا أعمارهم بعبادته هل أفادهم شيئا في الدنيا أو في الآخرة؟.
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أقول للغلاة في القبور:هل خلق من تغلون فيهم وتصرفون كثيرا من العبادات لهم من الأولياء والصالحين شيئا من الأشياء؟ وهل لهم مشاركة في إيجاد مخلوق في الأرض أو السماء؟ فإذا أقررتم كغيركم أن ذلك لله وحده لا يشاركه فيه غيره فحينئذ ثبت أنه الرب المعبود وحده، الذي لا يجوز صرف شيء من العبادات لغيره سبحانه، وهذا واضح في القرآن الكريم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ومن ذلك:
قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)" سورة البقرة.
انظروا رحمكم الله كيف أمر الله الناس جميعا بعبادة ربهم فقال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ" ثم عرفه وذكر ما يدل عليه ويميزه عن غيره ممن عُبد في هذه الدنيا معه فقال:"الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ" فعرفه بأنه المتفرد بإيجاد خلقه وإعدادهم وإمدادهم بما هم في حاجة إليه طوال حياتهم، ثم بعد أن عرف به ختم بالنهي عن صرف العبادة لغيره سبحانه؛ فقال:"فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
ولذلك قال الإمام ابن كثير رحمه الله معلقا على هذه الآية: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.
إذا الخالق هو الذي يستحق أن يعبد أما الذي لا يخلق فهذا لا يستحق أن يعبد ولا يجوز أن يخضع له أحد.
فإذا قال الغلاة في القبور: نحن لم نعبدها ولا صرفنا نوعا من العبادة لها؟
قلت: سيأتي جوابكم على هذا في مقالة قادمة إن شاء الله.
11- ومما يدل على عجزها أنها لا تستطيع نصر عابديها ولا إيقاع الأذى بمبغضيها:
- قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)" سورة الأعراف.
قال الإمام السعدي رحمه الله: فأشركوا باللّه من لا "يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ". "وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ" أي: لعابديها "نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ".فإذا كانت لا تخلق شيئا، ولا مثقال ذرة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها، بل ولا عن أنفسها، فكيف تتخذ مع اللّه آلهة؟ إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه.
- قال الله تعالى:" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)"سورة الأعراف.
قال الإمام الطبري رحمه الله:يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.
- قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)"سورة الأعراف.
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أقول للغلاة في القبور: هل ينصرونكم حينما تحتاجون إليهم وهل يسمعون نداءكم إذا ناديتموهم وهل ينتقمون من أعدائكم إذا استعديتموهم عليهم؟ أم أنهم لا ينصرون أنفسهم ممن عاداهم فضلا أن ينصروكم على أعدائكم؟.
ثم ما رأيت أذل وأخزى ممن يغلوا في القبور ويستنصر بأصحابها ولك مثال في الصوفية الذين لم نرهم في يوم من أيام حياتهم إلا وهم يستنصرون متذللين خاضعين بالبشر ممن تكون أزمة الأمور بأيديهم على أهل السنة الذين يعتبرونهم ألد أعدائهم ، ومثال آخر الرافضة فالذلة مضروبة عليهم والخزي باد على أحوالهم ولو كانت لهم جولة وصارت عندهم دولة فإننا ما عهدناهم إلا يستنصرون بأعداء الله الذين يوالونهم ويذلون بين أيديهم وينفذون مخططاتهم ويصيرون دمية وألعوبة في أيديهم كل ذلك من أجل النكاية بأهل السنة أكبر أعدائهم.
فلو فرضنا المعظمين عندهم كما يزعمون فيهم فلماذا لا يكتفون بالاستنصار بهم وينزهون أنفسهم أن يذلوا لبشر مثلهم ويرضوا بأن يكونوا كالدواب بين أيديهم وفيهم المنافق والفاجر والزنديق والكافر؟.
12- ومما يدل على عجزها أنها مجرد جمادات لا عقول لها:
- قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)" سورة الأعراف.
هذا على أحد تفسيري أهل العلم:
قال الإمام البغوي رحمه الله: وقيل: "وإن تدعهم إلى الهدى" يعني: الأصنام، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة.
- قال الله تعالى:" أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)"سورة الزمر.
قال السعدي رحمه الله: ينكر تعالى، على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم. "قُلْ" لهم - مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة-:" أَوَلَوْ كَانُوا" أي: من اتخذتم من الشفعاء "لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا" أي: لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل، يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟....
فأقول للغلاة في القبور: مما هو معلوم أن الحياة شرط في السمع والبصر والعقل، وأن هذه الآلات تنعدم مع انعدام الحياة؛ ولذلك قال الله تعالى:" وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)" سورة فاطر، لكن قد يقول القائل: أليسوا أحياء في قبورهم؟ وإذا ثبتت الحياة ثبت العقل لهم، فالجواب: أن حياة القبر حياة برزخية خاصة ولذلك سماهم الله موتى، فكما أنهم موتى لا حياة لهم ولو كانوا أحياء في قبورهم فكذلك لا تثبت العقول لهم ولو كانوا عاقلين في قبورهم.
وبالتالي كيف يُدعى من لا عقل له؟ وكيف يستعان بمن لا لب لديه؟ وحتى لو فرضناهم يعقلون، ويعون ما يقال لهم ويسمعون، فهل يمكنهم أن يحققوا لسائليهم والمعظمين لهم أمانيهم وطلباتهم وهم ضعفاء عاجزون لا يملكون نفعا لأنفسهم فضلا أن يملكوه لغيرهم؟ قال الله تعالى:" يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)" سورة فاطر.
13- ومما يدل على عجزها أنها لا فرق بينها وبين عابديها فكلهم عبيد لله مملوكون له تحت تصرفه وقهره:
- قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)"سورة الأعراف.
قال الإمام البغوي رحمه الله:" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" يعني الأصنام، "عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ" يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما أريد منهم.
قال الإمام السعدي رحمه الله:أي: لا فرق بينكم وبينهم، فكلكم عبيد للّه مملوكون....
فأقول للغلاة في القبور:ما قولكم في هؤلاء الأولياء والصالحين الذين غلوتم فيهم أمملوكون هم أم مالكون؟ ومُسَخَّرُونَأم مُسَخِّرُونَ؟ ومُدَبَّرُونَ أم مُدَبِّرُونَ؟ فإذا كانوا مملوكين مسخَّرين مدبَّرين فكيف ترجون نوالهم وتطلبون منهم وتخافونهم وتستعينون بهم والعجيب أنكم لا تفعلون هذا وتكثرون منه وتجتهدون فيه إلا عند أضعف حالاتهم وذهاب بل واضمحلال قواهم أي عند موتهم ودفنهم في قبورهم.
14- ومما يدل على عجزها أنها لا تستجيب دعاء عابديها:
- قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)"سورة الأعراف.
قال الإمام الطبري رحمه الله:فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم، فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر: لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ.
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فأقول للغلاة في القبور:فهل يسمع من غلوتم فيهم من أصحاب القبور الذين تعظمونهم شيئا من دعائكم أو استعانتكم ورجائكم فضلا أن يجيبوكم ويحققوا أمالاكم؟ إن الذي يعتقد أن الموتى يسمعون، أو يعون ما يقال لهم ويفقهون، وأكثر من ذلك أنهم يجيبون سؤال داعيهم، ويغيثون المستغيث بهم: سفيه لا عقل له، وغبي ينادي بالحمق على نفسه.
15- ومما يدل على عجزها التدبر في صورها فليس لها أرجل تمشي بها ولا أيد تبطش بها ولا أعين تبصر بها ولا آذان تسمع بها فهي أقل شأنا من عابديها وهم أكمل في الصورة والهيئة منها:
- قال الله تعالى:" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)"سورة الأعراف.
قال الإمام السعدي رحمه الله:فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء،فليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا آذان تسمع بها، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان.
فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها، وهي عباد أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء، فلأي شيء عبدتموها.
فأقول للغلاة في القبور:إن كل من تعظمون، وترفعونهم بالغلو فيهم فوق أقدارهم؛ العجز عليهم ظاهر، وسلطان الله لهم قاهر، وحتى ما يعتبر كمالا في غيرهم صار منعدما فيهم؛ فلا أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا آذان يسمعون بها، ولا أعين يبصرون بها، والعجيب فيكم والغريب في أمركم؛ أنكم لم تغلوا الغلو العظيم فيهم إلا بعد أن تعطلت قواهم، وذهبت هذه الآلات عنهم، وصاروا أقل شأنا منكم وأعجز حالا من أعجزكم! أفلا تنظرون إلى حقيقتهم وتستبصرون في نقصهم وضعفهم وعجزهم؟، وهل يليق بكم وأنتم أكمل منهم أن ترجعوا في الملمات والحوائج إليهم؟ أين ألبابكم؟ وهل يمكن أن تكون معكم عقولكم؟.
16- ومما يدل على عجزها أنها ميتة لا حياة لها:
- قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)"سورة النحل.
قال الإمام الطبري رحمه الله:يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ) وجعلها جلّ ثناؤه أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها.
فأقول للغلاة في القبور:أظنكم لا تجادلون في موت المعظمين عندكم ولو سئل أحدكم ما هو حال من دفن في قبره وصار أسير ضريحه لقال: إنهم موتى الآن، قد فارقت أرواحهم الأبدان، وغدوا إلى دار لا رجوع منها إلى آخر الأزمان، فإذا كان الأمر كذلك فما هو وجه غلوكم فيهم وتجاوزكم الحدود في معاملتكم لهم؟
قد يجادل بعضهم ويقول: هم أحياء في قبورهم وليسوا بالأموات، وجوابه: نعم لكنها حياة برزخية لها سننها الخاصة بها،فلا علاقة لها بالدنيا وأعمالها وما يقع فيها؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد ذكر الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في بعض أشرطته أن رجلا من هؤلاء المجادلين لقي سنيا موحدا فلما أنكر عليه السنيُّ غلوهم في القبور وقال له: أن هؤلاء الذين تغلون فيهم وتطلبون منهم وتتقربون لهم أموات لا حياة لهم، جادله وقال بل هم أحياء بدليل قول الله تعالى:" وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)" سورة آل عمران، فقال له السني وهو من عوامهم: ولكن الله قال:" عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" ولم يقل:" يَرْزُقُونَ" فهم مرزوقون عند ربهم وليسوا رازقين لغيرهم فأفحمه وقلب حجته عليه، وهذه القصة ساقها الشيخ صالح حفظه الله في معرض بيان أن العامي من أهل السنة يغلب العالم من أهل البدعة، والله الموفق.
17- ومما يدل على عجزها أنها لا علم لها وخاصة بيوم مبعثها:
- قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)"سورة النحل.
قال الإمام الطبري رحمه الله:وقوله( وَمَا يَشْعُرُونَ ) يقول: وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:" وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ" أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟ إنما يرتجى ذلك من الذي يعلم كل شيء، وهو خالق كل شيء.
فأقول للغلاة في القبور:هل يعلم المقبورون المعظمون عندكم متى يبعثون؟ ومتى تقوم الساعة بإذن رب العالمين؟ لا شك أنكم تعلمون، وتوقنون ولا تشكون: أن المعظمين عندكم لا يعلمون وقتها، ولا يدرون شيئا عن أوانها؛ لأن الله سبحانه قد أخفاها ولم يبدها لأحد من خلقه مهما عظم شأنه، فإذا كانوا يجهلون ولا يدرون فهم مربوبون متصرف فيهم كغيرهم، تُقبض أرواحهم وهم على وجل من يوم مبعثهم من مرقدهم، فهل يصلح أمثال هؤلاء أن يُرفعوا فوق قدرهم، وتصرف لهم العبادات التي هي خالص حق الله الذي خلقهم ويتصرف كيف يشاء بهم؟.
18- ومما يدل على عجزها وصف الله لها بالفقر في ذاتها فلا تملك رزقا لعابديها:
- قال الله تعالى:" وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)"سورة النحل.
قال الإمام السعدي رحمه الله: يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم أنهم يعبدون من دونه آلهة اتخذوها شركاء لله، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا من السماوات والأرض، فلا ينزلون مطرا، ولا رزقا ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا، ولا يملكون مثقال ذرة في السماوات والأرض...
- قال الله تعالى:" وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)"سورة العنكبوت.
فأقول للغلاة في القبور: أيمكن أن يملك الميت الضعيف العاجز للحي شيئا، وهل يأتيه من قبله ما بقي رزقا؟ إن الذي يعتقد هذا لمن أجهل الناس وأسفههم، وأقلهم عقلا وأسخفهم، ثم إن من عجيب هؤلاء الغالين في أوليائهم المقبورين أنهم يعلمون أن أولياءهم المزعومين كانوا في أثناء حياتهم محتاجين إليهم، يعيشون على عطاياهم وصدقاتهم، ثم لما ماتوا وصاروا رمما رجوا نوالهم وطمعوا في تحصيل الخير من قبلهم؟ ما أسفه القوم وأجهلهم، وأغباهم وأسخفهم، أقول لكم كلمة مشفق عليكم: توبوا إلى ربكم وعودوا إلى رشدكم ولا تلغوا عقولكم وتمسخوا فطركم اتباعا لما وجدتم عليه آباءكم ومشايخكم ورؤوس الضلال فيكم.
19- ومما يدل على عجزها أنها لا استطاعة ولا ملك لها:
- قال الله تعالى:" وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)"سورة النحل.
قال الإمام الطبري رحمه الله:( وَلا يَسْتَطِيعُونَ ) يقول: ولا تملك أوثانهم شيئًا من السموات والأرض، بل هي وجميع ما في السموات والأرض لله ملك، ولا يستطيعون يقول: ولا تقدر على شيء.
وغيرها من الآيات التي تدل على مثل مضمونها.
فأقول للغلاة في القبور:أليس ضعف وعجز وفقر المعظمين عندكم الذين قبرتموهم بأيديكم جلي لكم وواضح لديكم؟ فإذا شككتم في ذلك فأين هي قدرتهم وما هي حدود استطاعتهم؟ أقول: كيف ترجون الحفظ ممن لم يحفظ نفسه، وكان يعتريه المرض والسقم في حياته، ونزل به الموت فأخذه ولم يستطع رده ودفعه؟ كيف ترجون الإعانة على الملك وتطلبون العطاء والولد والزوجة وغير ذلك من مصالحكم ممن لا ملك له، وعاش عالة طوال حياته على غيره، ومات وورثه أهله، ولم يأخذ معه شيئا مما كان يملكه؟.
أين يُذهب بكم وأخبروني عن مقدار عقولكم؟ يا هؤلاء هل يستطيع المقبور أن ينفخ نملة تمشي على ضريحه أو يصدها عن حفر حفرة في جنب قبره؟ هل يستطيع أن يرد كلبا أو حيوانا يمر على جدثه أو ينام ويبول على رمسه؟ هل يستطيع أن يحفظ ولده من بعده؟ هل يستطيع أن يبقي ضريحه على قوته فلا يطاله الفناء دون ترميم غيره؟ هل يستطيع أن يمنع السراق الذين يقصدون أخذ ما يوضع عنده من مال وشمع وغيره وعلى رأسهم سدنته الذين يأخذون أموال الناس باسمه؟ فإذا كان لا يستطيع أن يفعل شيئا مما تقدم ذكره فهل يستطيع أن ينزل مطرا أو ينبت شجرا، وهل يستطيع أن يشفي مريضا أو يهب للعاقر ولدا، ثم هل يستطيع أن يزوج عازبا أو يرد ضالا وغائبا؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء على الله جسيم.
20- ومما يدل على عجزها ورودها النار يوم القيامة مع عابديها:
- قال الله تعالى:" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)"سورة الأنبياء.
قال الإمام السعدي رحمه الله: أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره "حَصَبُ جَهَنَّمَ" أي: وقودها وحطبها "أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ" وأصنامكم.
والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد، لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال:" لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا" وهذا كقوله تعالى:" لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ" وكل من العابدين والمعبودين فيها، خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها.
"لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ" من شدة العذاب "وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ" صم بكم عمي، أولا يسمعون من الأصوات غير صوتها، لشدة غليانها، واشتداد زفيرها وتغيظها.
ودخول آلهة المشركين النار، إنما هو الأصنام، أو من عبد، وهو راض بعبادته.
وأما المسيح، وعزير، والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى" أي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة. "أُولَئِكَ عَنْهَا" أي: عن النار "مُبْعَدُونَ" فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها. "وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ" من المآكل، والمشارب، والمناكح والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب. "لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ" أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة، حين تقرب النار، تتغيظ على الكافرين والعاصين فيفزع الناس لذلك الأمر وهؤلاء لا يحزنهم، لعلمهم بما يقدمون عليه وأن الله قد أمنهم مما يخافون.
- قال الله تعالى:" احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)"سورة الصافات.
وغيرها من الآيات:
فأقول للغلاة في القبور: اعلموا أن أولياءكم هؤلاء لا ينفعونكم يوم القيامة عند ربكم، ولا يدفعون عنكم شيئا مما يقع ذلك اليوم بكم، بل هم يومئذ على قسمين:
القسم الأول: من دعا غيره إلى عبادة نفسه والغلو في شخصه فهذا يدخله اللهُ النار وبيس القرار هو وكل من غلا فيه وصرف له خالص حق الله الذي لا يجوز لغيره.
القسم الثاني: من عُبد من دون الله وهو غير راض فهذا لا بأس عليه ولا ضرر يلحقه، وإنما يتضرر من غلا فيه، وصرف له خالص حق الله سبحانه، ثم من المعلوم أن هذا الصنف من أولياء الله الصادقين الموحدين لا يرضون أن يغلو أحد فيهم، ولا أن يرفعهم فوق قدرهم؛ ولذلك جاء عنهم النهي عن الغلو في إطرائهم، كما جاء ما يدل على تبرؤهم يوم القيامة من كل من غلا فيهم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ:"لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" رواه البخاري رحمه الله، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير خلق الله ينهى عن الغلو في إطرائه ومدحه، تجنبا للوقوع فيما لا يحمد عقباه، أما بالنسبة لبراءة الصالحين يوم الدين ممن رفعهم فوق قدرهم وعاملهم بما لا يليق بهم فقد قال الله تعالى:" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)" سورة المائدة، وهذه الآيات البينات فيها من العلم والخير الشيء الكثير ولكننا نقتصر على شيء منه لمناسبته وأهميته:
الأول: براءة عيسى عليه السلام يوم القيامة ممن غلا فيه وعبده مع الله سبحانه.
الثاني: بيان دعوة عيسى عليه السلام التي دعا قومه إليها، وتركهم من ورائه عليها؛ ألا وهي: عبادة الله وحده مخلصا له الدين، وهذه هي وصية الأنبياء جميعا لأقوامهم:" أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" سورة المؤمنون من الآية 32، فهو أمرهم بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، ولم يُعلم عن نبي من الأنبياء أوصى أتباعه أن يدفنوه في مسجد، أو يبنوا على قبره قبة وضريحا يشيد، أوأن يأتوا إلى ضريحه للتبرك به والتعبد عنده، بل العكس هو الذي وقع منهم فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ" رواه أبو داود وغيره وصححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع رقم 2482 وفي غيره، أي لا تجعلوا قبري عيدا تعودون إليه دائما وأبدا، بل من شاء منكم الصلاة علي فليصل حيثما كان فإن صلاته تبلغني، فكيف بمن يقول لأتباعه ادفنوني في المسجد، وابنوا علي ضريحا يعاد إليه ويُقصد، وَعَن عَطاء بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم:" اللَّهُمَّ لَا تجْعَل قَبْرِي وثنا يعبد اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد" رواه مالك في الموطأ مرسلا وصححه العلامة الألباني رحمه الله في تحذير الساجد وغاية المرام وغيرهما.
21- ومما يدل على عجزها أنها لا تقدر على استرجاع ما سلب منها مما يكون عليها كالطيب ونحوه ولو كان السالب من أضعف مخلوقات الله سبحانه:
- قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)"سورة الحج.
قال السعدي رحمه الله: بل أبلغ من ذلك لو "يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ" وهذا غاية ما يصير من العجز. "ضَعُفَ الطَّالِبُ" الذي هو المعبود من دون الله "وَالْمَطْلُوبُ" الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين.
فأقول للغلاة في القبور: لو نزل ذباب على قبر معظمكم وأخذ بلعابه شيئا من الطيب أو البخور الذي وضع عليه هل يستطيع الولي الصالح أن ينقذه منه وأن يرد من الذباب ما سلبه وأخذه؟ بل أقول لكم: هل يستطيع معظمكم أن يمنع الذباب من النزول عليه ووضع فضلاته على القماش الذي غطي به قبره أو الجدار الذي بني على رمسه؟ وأتحداكم إن بقيت معكم بعض عقولكم أن تجعلوا ستر قبره وغطاء ضريحه أبيضا لتبصروا بعد أيام أو شهور فضلات الذباب وقد غيرت لونه وقززت الناس من النظر إليه فضلا عن لمسه.
22- ومما يدل على عجزها حشر الله عز وجل يوم القيامة لها مع عابديها:
- قال الله تعالى:" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)"سورة الفرقان.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبراً عما يَقَع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم مَن عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال:" وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" قال مجاهد: عيسى، والعُزَير، والملائكة.
- قال الله تعالى:" وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75)"سورة يس.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وقوله:" وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ": قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خِزْيهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم.
-ومنهاقول الله تعالى:" احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)"سورة الصافات.
فأقول للغلاة في القبور: ما هو حال معظميكم حين يقوم الخلق للحساب يوم الدين ويحشرون بين يدي رب العالمين؟ أليسوا من خلق الله الذين يحشرهم كغيرهم حفاة عراة خائفين وجلين ينتظرون قضاء الله فيهم وبينهم؟ أليسوا ممن لا تهمهم يوم القيامة إلا نفوسهم فيطلبون نجاتها وحدها ولو هلك كل من عداها؟ إذا كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام وهم الطائفة الوحيدة التي تتكلم دعاؤهم يومئذ كما جاء في صحيح البخاري:" اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ" فكيف يكون حال غيرهم؟ وما هو الشيء الذي يهمهم بسبب النازل بهم؟ أيكون من هذا هو حاله وهذه هي نتيجته ومصيره قبلة للسائلين ونصبا للمتبركين وملاذا للخائفين الوجلين وناصرا للضعفاء المستنصرين؟ سبحانك هذا بهتان مبين وضلال عظيم نبرأ اللهم إليك من المعتقدين له والعاملين به والمصرين عليه، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تجعلنا من المؤمنين الموحدين وأن تثبتنا على ذلك إلى يوم نلقاك آمين.
23- ومما يدل على عجزها سؤال الله لها يوم يبعثها مع عابديها:
- قال الله تعالى:" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)"سورة الفرقان.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ" الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم:" أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ" هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟...
أقول للغلاة في القبور: كيف تسألون من يحشر يوم القيامة ويُسأل؟ وكيف تخافون ممن يَعمر يومئذ قلبه الخوف والوجل؟ وكيف ترجون من يرجو في الدنيا والآخرة الله عز وجل؛ قال الله تعالى:" أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)" سورة الإسراء.
أين ذهبت ألبابكم وفي أي واد غَيَّبْتُمْ عقولكم إن هذا الأمر بَيِّنٌ لا يحتاج إلى بيان، وواضح لا يضطر معه أحد إلا تمعن وإمعان، فهو أجلى موضوع في القرآن، وأظهره في سنة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، وهو مركوز في فطر الناس ويدل عليه العقل والنقل والإحساس؛ فما بالكم غفلتم عنه وضللتم فيه؟ لا شك كما قال تعالى:" مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا" سورة الكهف من الآية 17.
24- ومما يدل على عجزها تبرؤها يوم القيامة ومعاداتها لعابديها:
- قال الله تعالى:" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)"سورة الفرقان.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يُجيِب به المعبودون يوم القيامة:" قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" قرأ الأكثرون بفتح "النون" من قوله:" نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم قالوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى:" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ" [ سبأ : 40 -41].
- قال الله تعالى:" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)"سورة الأحقاف.
قال السعدي رحمه الله:" وَإِذَا حُشرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً" يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض.
أقول للغلاة في القبور: اعلموا هداكم الله أن هؤلاء الذين بنيتم على قبورهم، وغلوتم فيهم فصرفتم خالص حق الله لهم؛ سيتبرؤون يوم القيامة منكم، ويعادونكم ويخاصمونكم إن كانوا من أولياء الله الصالحين وعباده الموحدين؛ لأن الولي الصالح لا يرضى بالغلو فيه حتى يعبد مع الله، ويصرف له خالص حق ربه، ويشرك مع الله فيما هو من خصائصه لا في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، ولذلك يتبرأ يوم القيامة ممن رفعه فوق قدره وعامله معاملة لا تليق به:
كأن يدعوه ويذبح له، وينذر له، ويطوف بقبره، ويتبرك بضريحه وترابه، ويحلف به؛ وهذا من توحيد الألوهية الذي لا يجوز إلا لله سبحانه.
أو كأن يعتقد فيه أن له تصرفا في الكون، وتدبيرا للخلق؛ فيمنع أو يعطي، وينفع أو يضر، ويرفع أو يخفض، وهذا من توحيد الربوبية الذي هو من خصائص الله التي لا يجوز إضافتها لغيره سبحانه.
أو كأن يعتقد أن له سمعا يحيط بسائر المسموعات، أو علما بالمشاهد والمغيبات، وهذا من توحيد الأسماء والصفات الذي يجب أن يفرد الله به، ولا يجوز إضافته لغيره سبحانه.
أما إذا كان الولي الصالح ممن يُزعم فيه الصلاح وهو مجانب له، وبعيد عنه، - وبخاصة إذا كان ضالا منحرفا، ومشركا مخرفا، يزعم في نفسه ما لا يليق إلا بالله؛ من علم الغيب كله أو بعضه، وحلول البركة والخير بسببه، وغير ذلك مما يلبس به على غيره، ويفسد به عقائد أتباعه والمغترين به - فهذا يكون يوم القيامة مع من عبده وغلا فيه، يواجهون المصير نفسه، ويلقون العقاب ذاته، ومع ذلك يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا، والعياذ بالله.
25- ومما يدل على عجزها تنزيهها يوم القيامة لله سبحانه أن يكون له شريك من خلقه:
- قال الله تعالى:" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)"سورة الفرقان.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" قَالُوا سُبْحَانَكَ" نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك...
فأقول للغلاة في القبور: اعلموا أن المعظمين عندكم ممن قبرتموهم بأيديكم سينزهون الله يوم القيامة عن غلوكم وشرككم، ويخضعون لجلاله، ويذلون بين يديه، ويعترفون له بأنه الله الإله الواحد الأحد الذي يستحق وحده أن يحب ويعبد، فهل يليق بكم ويحسن في حقكم أن تذلوا لأمثال هؤلاء وتخضعون لهم، وتستعينون وتستغيثون بهم، وتذبحون لهم وتنذرون لقبورهم، وتطوفون بأضرحتهم وتتبركون بترابهم، وتحلفون بأسمائهم وتخافونهم وترجونهم؛ وكل هذا من العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لمن خلقكم وخلقهم؟.
26- ومما يدل على عجزها أن عابديها يجادلونها في النار التي وردوها معها:
- قال الله تعالى:" وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96)"سورة الشعراء.
قال الإمام البغوي رحمه الله:" قَالُوا" أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، "وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ" مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضًا.
فأقول للغلاة في القبور: احذروا أن يكون هذا هو حالكم مع من غلوتم فيه، ورفعتموه فوق قدره، وسويتموه بالله في بعض خصائصه؛ أن تكونوا سوية في النار وبيس القرار، وأن يخاصم بعضكم بعضا، ويجادل بعضكم بعضا.
أفلا تنظرون وفي كتاب ربكم تتعقلون؟ فإنه قد نبه على حال من غلوتم فيه، ورفعتموه فوق قدره، وأنه من العجز والضعف والنقص بمكان لا يخفى على إنسان.
ثم أفلا تسمعون وبمواعظ ربكم تهتدون؟ فقد أخبركم سبحانه عن مصيركم معهم إن أنتم بقيتم على حالكم، ولم تعودوا للتوحيد الخالص كما أمركم ربكم، فهل يليق بكم أن تجاوزا الحدود، وتخالفوا تعاليم الرب المعبود فيمن أخبرتم أنكم ستخاصمونهم، وتتجادلون يوم القيامة معهم، لأنكم حينئذ ستكتشفون قدرهم، وتتيقنون من صدق ما أخبركم الله عنهم؟ أيحسن بالعاقل أن يغلو فيمن سيدخل النار ويتجادل معه فيها كما أخبر العزيز الجبار؟.
27- ومما يدل على عجزها شهادة عابديها على أنفسهم بالضلال المبين في تسويتهم لها برب العالمين:
- قال الله تعالى:" وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99)"سورة الشعراء.
قال الإمام السعدي رحمه الله:" تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ" في العبادة والمحبة والخوف والرجاء وندعوكم كما ندعوه فتبين لهم حينئذ ضلالهم وأقروا بعدل الله في عقوبتهم وأنها في محلها وهم لم يسووهم برب العالمين إلا في العبادة لا في الخلق بدليل قولهم "برب العالمين" إنهم مقرون أن الله رب العالمين كلهم الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم....
فأقول للغلاة في القبور: ألستم تسوون المعظمين عندكم ومن غلوتم فيهم من عباد الله أمثالكم بالله سبحانه في المحبة والخوف والرجاء والدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر وغيرها؟ فإذا كان الأمر كذلك فاعلموا أنكم إن لم ترعووا عما أنتم عليه، وترجعوا إلى الله سبحانه وحده، فستشهدون على أنفسكم يوم القيامة بالضلال، ولن ينفعكم من عظمتموه يومئذ بحال من الأحوال.
فإن قلتم نحن لا نسويهم بالله سبحانه ولا نعتقد فيهم ما نعتقده فيه جل جلاله فإننا نعلم أنه الخالق الرازق المحي المميت الخافض الرافع وحده دون كل من سواه.
فأقول لكم: إن إقراركم بأن الله هو رب العالمين وخالق الناس أجمعين والنافع الضار والمحي المميت لا ينفعكم وحده إذا لم تخلصوا الدين لله، ولم تفردوه بالعبادة دون سواه، لأن توحيد الله بأفعاله وفي ربوبيته أقر به الناس جميعهم، وآمن به الخلق كلهم؛ أنسهم وجنهم، مؤمنهم ومشركهم، ومع ذلك لم يقبله الله من المشركين لأنهم لم يقرنوه بتوحيد الله بأفعالهم، وهو توحيد العبادة الذي خلقهم له وأمرهم به سبحانه، والدليل على أن توحيد الربوبية لا ينفع لوحده أن الله أخبر عن المشركين الأولين أنهم كانوا يعترفون به ولم يدخلهم في الإسلام قال الله تعالى:" قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)" سورة يونس. إذا فهم كانوا يقرون بأن الله هو الرازق المالك المحي المميت المدبر للأمر وحده دون سواه ولم ينسبوا شيئا من هذه الأمور لمعبوداتهم ومع هذا لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم في الإسلام لأنهم صرفوا خالص حق الله إلى غيره ولم يخلصوا الدين له وهو الأمر الذي خلقوا له قال الله تعالى:" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)" سورة الذاريات، وأمروا به قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)" سورة البقرة.
فاتقوا الله يا عباد الله واصرفوا العبادة لله وحده ولا تصرفوا شيئا منها لغيره من ذبح ونذر ودعاء وخوف ورجاء واستعانة واستغاثة وغيرها كثير مما تصرفونه إلى المقبورين الذين غلوتم فيهم فصيرتموهم آلهة تعبد ويتوجه لها وتقصد، نسأل الله لنا ولكم الهداية إلى دين الإسلام الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام.
28- ومما يدل على نهاية عجزها ما أخبر الله به في كتابه من أنها معدومة لا وجود ولا حقيقة لها:
- قال الله تعالى:" مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) "سورة العنكبوت.
قال الإمام السعدي رحمه الله:ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين للعاقل بطلانها وعدمها، ولهذا قال:" إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ" أي: إنه تعالى يعلم -وهو عالم الغيب والشهادة- أنهم ما يدعون من دون اللّه شيئا موجودا، ولا إلها له حقيقة، كقوله تعالى:" إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ" وقوله:" وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون"...
- قال الله تعالى:" الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) "سورة غافر.
قال السعدي رحمه الله: ويقال:" لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" هل نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟."قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أي: غابوا ولم يحضروا، ولو حضروا، لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا:" بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا" يحتمل أن مرادهم بذلك، الإنكار، وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل -وهو الأظهر- أن مرادهم بذلك، الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس للّه شريك في الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون، بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى:" كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ" [ ص 743 ]....
فأقول للغلاة في القبور: ما هذه القبور التي تعظمونها وتتبركون بها، وتلجؤون في حوائجكم إليها، وتصرفون لها ما لا يجوز صرفه إلا لله سبحانه من ذبائح تذبحونها عندها، ونذور وقرابين تتقربون بها إليها، وخوف منها، ورجاء فيها، واستنصار بها، وحَلِفٍ بأسمائها؟ أموجود أصحابها أم نزل بهم الموت وأدركهم الفناء؟ اعلموا أنكم إنما تلجؤون إلى معدوم وتتبركون بشيء موهوم.
أين عقولكم؟ألم يكن هؤلاء بينكم ويحيون معكم، وكان ضعفهم لكم باديا، ونقصهم واضحا جليا؟ ألم يكن أحدهم يحتاج إلى الطعام والشراب والدواء عند حلول الأسقام والأوصاب؟ وألم يكن أحدهم يجهد وينصب ويأوي في كل يوم إلى الفراش جراء التعب؟ بل ألم يكن أحدهم يحتاج إليكم ويستعين في أموره الدنيوية بكم؟ فكيف بعد أن ماتوا وصاروا رمما وذهبت قواهم وأصبحوا عدما استعنتم بهم على مصالحكم واستنصرتم بهم على أعدائكم واعتمدتم بقلوبكم عليهم ورجوتموهم وخفتم منهم.
والله إن العاقل ليستغرب كيف يستعان بمعدوم كان في الدنيا يعان، وكيف يستنصر بمضمحل لا ينتصر إلا أن ينصر، وكيف يرجى من انقطع من حياته الرجا، وكيف يُخاف ممن لا يخيف مخلوقا ضعيفا كان من أمثاله يَخاف، إن هذا لمن أغرب الغرائب وأعجب العجائب.
29- ومما يدل على عجزها نفي الله أن يكون لها نوع إعانة أو مساعدة على الملك والتدبير فضلا أن تستقل بذلك لوحدها:
- قال الله تعالى:" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22)"سورة سبأ.
قال السعدي رحمه الله: .... بقي أن يقال: ومع ذلك، فقد يكونون أعوانا للمالك، ووزراء له، فدعاؤهم يكون نافعا، لأنهم - بسبب حاجة الملك إليهم - يقضون حوائج من تعلق بهم، فنفى تعالى هذه المرتبة فقال:" وَمَا لَهُ" أي: للّه تعالى الواحد القهار "مِنْهُمْ" أي: من هؤلاء المعبودين "مِنْ ظَهِيرٍ" أي: معاون ووزير يساعده على الملك والتدبير.
فأقول للغلاة في القبور: وهل لأوليائكم والمعظمين عندكم نوع إعانة لله في ملكه، ومشاركة له في خلقه، ومساهمة معه في تدبير شؤون مملكته؟ وهلاستوزرهم الله أو اتخذهم مستشارين له كما يفعل ملوك الدنيا لضعفهم وعجزهم وعدم مقدرتهم على تدبير شؤون الملك وحدهم؟ إن هذه الأمور منتفية عن الله سبحانه لكمال غناه جل جلاله وكمال فقر خلقه إليه.
فإذا لم يكن المعظمين عندكم مالكين ولا أعوانا مشاركين بل هم من عباد الله المحتاجين وخلقه الضعفاء المساكين فكيف تغلون فيهم وترجون نوالهم وتتبركون بقبورهم وتصرفون كثيرا من العبادات التي لا تجوز إلا لله لهم؟.
30- ومما يدل على عجزها ضلالها عن عابديها في أحوج أوقاتهم إليها:
- قال الله تعالى:" الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) "سورة غافر.
قال السعدي رحمه الله: ويقال"لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" هل نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟. "قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا" أي: غابوا ولم يحضروا، ولو حضروا، لم ينفعوا.....
- قال الله تعالى:" وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)"سورة هود.
قال الإمام السعدي رحمه الله: وهكذا كل من التجأ إلى غير الله لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد "وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ" أي خسار ودمار بالضد مما خطر ببالهم...
- قال الله تعالى:" مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)"سورة الجاثية.
قال السعدي رحمه الله: وأنه { لا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا } من الأموال { وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } يستنصرون بهم فخذلوهم أحوج ما كانوا إليهم لو نفعوا.
- قال الله تعالى:" وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)"سورة الأحقاف.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم، "بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ" أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم.....
والآيات في هذا المعنى كثيرة:
فأقول للغلاة في القبور: اعلموا هداكم الله أن كل من تعلق بغير الله فإنه يخذله أحوج ما يكون إليه، ولا ينفعه وقت يطلب الانتفاع به؛ لضعفه وعجزه، وغيابه وعدم حضوره، وهذا شأن كل المعبودات التي غلا فيها أهلها وتعلقوا بها، وطلبوا النفع من قبلها؛ سواء كانت من الإنس أو الجن، ومن صالحي الآدميين أو من الملائكة المقربين، فضلا عن غيرهم من الأشجار والأحجار، والنجوم والأقمار.
ثم أقول للغلاة في القبور هل كان هؤلاء المعظمين عندكم - والذين غلوتم فيهم حتى صرفتم لهم خالص حق ربكم - في حياتهم ينفعون أو يضرون ويقدمون أو يأخرون؟ هل كان أحدهم يدفع عن البلاد والعباد عدوا أو ينزل لهم مطرا أو يجلب لهم رزقا أو يصح لهم بدنا أو يهب لهم ولدا إلى غير ذلك مما يَعلم كل عاقل علم اليقين أنهم كان أضعف من أن يقوموا به وأعجز من أن يحققوه لأنفسهم وذويهم فضلا عن أتباعهم ومريديهم؟
أفلمَّا ماتوا وغيبوا في قبورهم أصبحت هذه المقدرة عندهم؟ فإذا كنتم تعتقدون هذا فيهم فأتحداكم أن تمكنوا أهل السنة 1 من هدم قبورهم دون أن تتعرضوا بالإذاية لهم فإن كانوا فعلا كما تزعمون منعوهم وضربوا على أيديهم وحجزوهم عن أن يقتربوا منهم وحينئذ يثبت ما تعتقدونه فيهم وإلا عرفتم حقيقتهم ومقدار عقول من غلا فيهم والله الهادي لا رب سواه ولا إله غيره.
- الخلاصة: هذه بعض الآيات التي تنبه على ضعف معبودات المشركين وعجزها ونقصها وعدم كمالها وهي من الوضوح بحيث لا يحتاج القارئ لها إلى كبير جهد حتى يفهمها، وانظر كمثال على وضوح كلام الله في هذا الباب إلى هذه الآيات التي أختم بها:
قال الله تعالى:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)"سورة الأعراف.
هذا هو القرآن الذي لم يهتد به للأسف الشديد أهله المنتسبون إليه الزاعمون التمسك به والاهتداء بهديه.
هذا وأما بالنسبة للأسباب الأخرى التي تؤدي بكثير من الناس إلى الغلو في المقبورين وصرف العبادة لهم فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله سبحانه في مقالة أخرى.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.

وكتب أبو عبد السلام عبد الصمد سليمان
يوم: الخميس 10 ذو القعدة 1438 هـ / 03/08/2017 م
-----------------------------------------------------------------
1- هذا من باب التحدي وإلا فالتغيير باليد هو من خصائص ولاة الأمور ومسؤولياتهم أسأل الله أن يهديهم إلى السنة ويوفقهم للعمل بها.

محمد بن شريف التلمساني 04 Aug 2017 02:21 PM

جزاكم الله خيرا أخي أبو عبد السلام على هذا المقال النافع نسأل الله أن ينفع قارئه و ناشره و فقكم الله تعالى

عبد الصمد سليمان 05 Aug 2017 04:21 PM

آمين وأنت جزاك الله خيرا وبارك فيك على تعليقك ودعائك أسأل الله لي ولك ولسائر إخواننا التوفيق والسداد


الساعة الآن 08:56 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013