منتديات التصفية و التربية السلفية

منتديات التصفية و التربية السلفية (http://www.tasfiatarbia.org/vb/index.php)
-   الــمــــنــــــــتـــــــدى الـــــــــعــــــــام (http://www.tasfiatarbia.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   " فصل في أسباب شرح الصدور و حصولها على الكمال له صلى الله عليه و سلم " للإمام ابن القيّم رحمه الله (http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=5699)

أبو إبراهيم خليل الجزائري 04 Nov 2010 01:53 PM

" فصل في أسباب شرح الصدور و حصولها على الكمال له صلى الله عليه و سلم " للإمام ابن القيّم رحمه الله
 

بسم الله الرّحمن الرّحيم



فصل :

في أسباب شرح الصّدور وحصولها على الكمال له صلّى الله عليه و سلّم


من كلام الإمام العلاّمة الرّبّاني :


أبو عبد الله شمس الدّين محمّد بن أبي بكر الزّرعي الدّمشقي الحنبلي


الشّهير بابن قيّم الجوزيّة


- رحمه الله و غفر له -






فأعظم أسباب شرح الصّدر : التّوحيد وعلى حسب كماله ، وقوّته ، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه .

قال الله تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه } [ الزّمر : 22 ] .

وقال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقًا حرجًا كأنّما يصّعّد في السّماء } [ الأنعام : 25 ] .

فالهدى والتّوحيد من أعظم أسباب شرح الصّدر ، والشّرك والضّلال من أعظم أسباب ضيق الصّدر وانحراجه .

ومنها : النّور الذي يقذفه الله في قلب العبد ، وهو نور الإيمان ، فإنّه يشرح الصّدر ويوسّعه ، و يفرح القلب ، فإذا فقد هذا النّور من قلب العبد ، ضاق وحرج ، وصار في أضيق سجن وأصعبه .

وقد روى التّرمذي في جامعه عن النّبي صلّى الله عليه و سلّم ، أنّه قال : " إذا دخل النّور القلب ، انفسح وانشرح " ، قالوا : وما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتّجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله " .

فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النّور ، وكذلك النّور الحسّي ، والظّلمة الحسّيّة ، هذه تشرح الصّدر ، وهذه تضيّقه .

ومنها : العلم ، فإنّه يشرح الصّدر ، ويوسّعه حتّى يكون أوسع من الدّنيا ، والجهل يورثه الضّيق والحصر والحبس ، فكلّما اتّسع علم العبد ، انشرح صدره واتّسع ، وليس هذا لكلّ علم ، بل للعلم الموروث عن الرّسول صلّى الله عليه و سلّم وهو العلم النافع ، فأهله أشرح النّاس صدرًا ، وأوسعهم قلوبًا ، وأحسنهم أخلاقًا ، وأطيبهم عيشًا .

ومنها : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ، ومحبّته بكلّ القلب ،والإقبال عليه ، والتّنعّم بعبادته ، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك ، حتّى إنّه ليقول أحيانًا : " إن كنت في الجنّة في مثل هذه الحالة ، فإنّي إذًا في عيش طيّب " .

وللمحبّة تأثير عجيب في إنشراح الصّدر ، وطيب النّفس ، ونعيم القلب ، لا يعرفه إلاّ من له حسّ به ، وكلّما كانت المحبّة أقوى وأشدّ ، كان الصّدر أفسح وأشرح ، ولا يضيق إلاّ عند رؤية البطّالين الفارغين من هذا الشّأن ، فرؤيتهم قذى عينه ، ومخالطتهم حمّى روحه .

ومن أعظم أسباب ضيق الصّدر :الإعراض عن الله تعالى ، وتعلّق القلب بغيره ، والغفلة عن ذكره ، ومحبّة سواه ، فإنّ من أحبّ شيئًا غير الله عذّب به ، وسجن قلبه في محبّة ذلك الغير ، فما في الأرض أشقى منه ، ولا أكسف بالاً ، ولا أنكد عيشًا ، ولا أتعب قلبًا ، فهما محبّتان :

محبّة هي جنّة الدّنيا ، وسرور النّفس ، ولذّة القلب ، ونعيم الرّوح ، وغذاؤها ، ودواؤها ، بل حياتها وقرّة عينها ، وهي محبّة الله وحده بكلّ القلب ، وانجذاب قوى الميل ، والإرادة ، والمحبّة كلّها إليه .

ومحبّة هي عذاب الرّوح ، وغمّ النّفس ، وسجن القلب ، وضيق الصّدر ، وهي سبب الألم ، والنّكد والعناء ، وهي محبّة ما سواه سبحانه .

ومن أسباب شرح الصّدر : دوام ذكره على كلّ حال ، وفي كلّ موطن ، فللذّكر تأثير عجيب في انشراح الصّدر ، ونعيم القلب ، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه ، وحبسه وعذابه .

ومنها : الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال ، والجاه ، والنّفع بالبدن ، وأنواع الإحسان ، فإنّ الكريم المحسن أشرح النّاس صدرًا ، وأطيبهم نفسًا ، وأنعمهم قلبًا ، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق النّاس صدرًا ، وأنكدهم عيشًا ، وأعظمهم همًّا وغمًّا .

وقد ضرب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم في الصّحيح مثلاً للبخيل والمتصدّق ، كمثل رجلين عليهما جُنّتان من حديد ، كلّما همّ المتصدّق بصدقة اتّسعت عليه ، وانبسطت ، حتّى يجرّ ثيابه ، ويُعفيَ أثرَه ، وكلّما همّ البخيل بالصّدقة لزمت كلّ حلقة مكانها ، ولم تتّسع عليه .

فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدّق ، وانفساح قلبه ، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه .

ومنها : الشّجاعة ، فإنّ الشّجاع منشرح الصّدر ، واسع البطان ، متّسع القلب ، والجَبَان أضيق النّاس صدرًا وأحصرهم قلبًا ، لا فرحة له ولا سرور ، ولا لذّة له ، ولا نعيم إلاّ من جنس ما للحيوان البهيمي ، وأمّا سرور الرّوح ولذّتها ونعيمها وابتهاجها ، فمحرّم على كلّ جبان ، كما هو محرّم على كلّ بخيل ، وعلى كلّ معرض عن الله سبحانه ، غافل عن ذكره ،جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه ، متعلّق القلب بغيره .

وإنّ هذا النّعيم والسّرور يصير في القبر رياضًا وجنّةً ، وذلك الضّيق والحصر ينقلب في القبر عذابًا ، وسجنًا .

فحال العبد في القبر ، كحال القلب في الصّدر ، نعيمًا وعذابًا وسجنًا وانطلاقًا ، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ، ولا بضيق صدر هذا لعارض ، فإنّ العوارض تزول بزوال أسبابها ، وإنّما المعوّل على الصّفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه ، فهي الميزان والله المستعان .

ومنها ، بل من أعظمها : إخراح دغل القلب من الصّفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه ، وتحول بينه وبين حصول البرء ، فإنّ الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره ، ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه ، لم يحظ من انشراح صدره بطائل ، وغايته أن يكون له مادّتان تعتوران على قلبه ، وهو للمادّة الغالبة عليه منهما .

ومنها : ترك فضول النّظر ، والكلام ، والاستماع ، والمخالطة ، والأكل ، والنّوم ، فإنّ هذه الفضول تستحيل آلامًا وغمومًا ، وهمومًا في القلب ، تحصره ، وتحبسه ، وتضيقه ، ويتعذّب بها ، بل غالب عذاب الدّنيا والآخرة منها ، فلا إله إلاّ الله ما أضيق صدر من ضرب في كلّ آفة من هذه الآفات بسهم ، وما أنكد عيشه وما أسوأ حاله وما أشد حصر قلبه ، ولا إله إلاّ الله ما أنعم عيش من ضرب في كلّ خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم ، وكانت همّته دائرة عليها ، حائمة حولها ، فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى : { إنّ الأبرار لفي نعيم } [ الإنفطار : 13 ] ، ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى : { إنّ الفجّار لفي جحيم } [ الانفطار : 14 ] ، وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلاّ الله تبارك وتعالى .

والمقصودة أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان أكمل الخلق في كلّ صفة يحصل بها انشراح الصّدر ، واتّساع القلب ، وقرّة العين ، وحياة الرّوح ، فهو أكمل الخلق في هذا الشّرح والحياة وقرّة العين ، مع ما خصّ به من الشّرح الحسّي ، وأكمل متابعةً له أكملهم انشراحًا ولذّة ، وقرّة عين ، وعلى حسب متابعته ينال العبد انشراح صدره وقرّة عينه ، ولذّة روحه ما ينال ، فهو صلّى الله عليه و سلّم في ذروة الكمال من شرح الصّدر ، ورفع الذّكر ، ووضع الوزر ، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتّباعه ، والله المستعان .

وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم ، وعصمته إيّاهم ، ودفاعه عنهم ، وإعزازه لهم ، ونصره لهم ، بحسب نصيبهم من المتابعة ، فمُستقلّ و مُستكثر ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه . اه



من كتاب : " زاد المعاد في هدي خير العباد " للإمام ابن القيّم رحمه الله

المجلّد الأوّل ، صفحة : 299 - 301 ، طبعة دار الإمام مالك .

منقول للفائدة


الساعة الآن 02:12 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013