![]() |
صفة الطالب المحقق (وفي ضمنه: نقد البرامج المقترحة)
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم صفَّة الطَّالب المحقِّق أمَّا بعد: فمن مهمَّات الطَّلب سلوك الطَّريق الصَّحيح في التَّحصيل، فلهذا اهتمَّ به علماؤنا، واعتنوا به عناية بالغة في مجالسهم ومؤلفاتهم العامَّة والخاصَّة، ومن أشهر ما أُلِّف فيه على الانفراد كتاب الخطيب البغدادي وابن عبد البر والسمعاني وابن جماعة والشوكاني وبكر أبو زيد وغيرها. وعناية الطَّلبة بهذا الباب كثيرة، وقد اصطُلح عليه أخيرًا بالمنهجية في الطَّلب، وأحر بمن اعتنى به منهم أن يصل إلى مطلوبه، لكن الملاحظ أن بعض الطلبة يبالغ في العناية به حتى يصير غاية ما عنده من العلم هو منهجية طلب العلم، فتجد قراءته ومدارسته وسؤاله كلَّه يدور حول المنهجية في دراسة العلم، والمنهجية في دراسة الفقه، وأفضل طريقة للحفظ، وأفضل وسيلة لمراجعة الشَّرح... وهكذا، حتى يخيَّل إليك أن هذا الطالب سيكون عالمًا في المنهجيَّة!!، وهذا خطأ كبير، لأنَّ طريقة الطلب المقصود منها أن يسير سيرًا صحيحًا في الطريق الصَّحيح، فيصل في أقرب وقت إلى أقصى موضع يمكن أن يصل إليه مثله في العلم، لا أن يدرسها ويقف عندها حتى يكون مجتزئًا بالوسيلة عن الغاية، وبالدَّلو عن المورد. هذا شيء، وشيء آخر هو أنَّ الطريق إنَّما يصفها من سلكها، وعرف عقباتها فاجتازها، ووقف على معوِّقاتها فذلَّلها، فهؤلاء هم الذين يؤخذ بكلامهم في هذا الباب. وبعض إخواننا يعتمد على بعض البرامج والمنشورات الَّتي يكتبها طلبةٌ لم يصلوا مبلغ التَّحقيق، ولم يحققوا مراتب العلماء؟ فكيف يصف هذا الواصف طريقًا لم يسلكه، أم كيف يوصلك إلى شيء وهو لم يصل إليه بعد؟ ثمَّ إنَّ هذه البرامج المتداولة فيها أغلاط عظيمة في طريقة التَّحصيل، مخالفة لما نصح به العلماء وأرشد إليه العارفون، وهذه بعض المآخذ على تلك البرامج: ـ اشتركت كلها في أنها تخلط على الطالب عدَّة علوم في يوم واحد، أو في أسبوع واحد، مع أنَّ العلماء ينصحون بالمواظبة على متن واحد أو على فنٍّ واحد حتى يقضي منه الطَّالب وطرَه ثم ينتقل إلى كتاب آخر أو علم آخر، وفي ذلك قالوا: القلب واحد وحيث يُشغَلُ // بعملٍ عن ضدِّهِ ينشغِلُ ـ واشتركت في تسمية بعض الكتب التي لا تصلح موضوع درس، بل منها ما يُقرأ مرَّة واحدة أو أكثر على حسب الحاجة وليس صالحا للشرح، ومنها ما يُجرد جردًا، ومنها ما يكفي الطالبَ أن يُراجع فيه بعض ما يحتاج إليه، وهذه البرامج تخلط بين هذه الأنواع كلها، ولا ينبغي للطَّالب أن يعتمد في درسه إلَّا ما اعتمده العلماء كما سيأتي. ـ واشتركت أيضًا في أنَّها تسمي كتبا قد لا يتهيَّأ للطالب دراستها في بلده، أو لم يجر العمل عند أهل البلد على دراستها، ولا سيما ما يتعلق منها بالمختصرات الفقهية، ولهذا لما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الكتب التي ينصح بها لفت السائل إلى الكتب التي يدرسها أهل بلده كما في «الوصية الصغرى» له، وهذا مأخذ لا ينتبه له ولا ينبه عليه من يضعون هذه البرامج. ـ ومع هذا كلِّه فإن الأصل في الطَّالب أن يدرس عند شيخه ما ينصحه به شيخه ويحيله عليه بحسب ما درس شيخُه وما أتقن، لا أن يأتي هو ببرنامج معد مسبقا ثم يبحث عمن يدرسه له أو يسير به عليه، فهذه البرامج في هذا على خلاف أصل موضوع الطَّلب. وهذه كلمة ذهبيَّة لإمامٍ من أئمَّة التحقيق، ورأس من رؤوس العلماء، تُبيِّن الطَّريق الصَّحيح في التَّحصيل الذي سلكه من قبلنا من العلماء، وبه وصل من وصل، وهو الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي رحمه الله حيث قال في «خطبة الكتاب المؤمَّل» (ص95) بعد كلام حسن جميل: «وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كلَّ معتمَد عليه، ولا يجاوز تحقيق ما أشكل لديه، فهذه صفة المشتغل المحقِّق، وهو الَّذي ينتفع، وينفع الله به كل موفَّق». فقد بيَّن رحمه الله صفة الطَّالب المحقِّق الذي ينتفع في نفسه وينفع الله به من حوله، وأنَّ ذلك مردودٌ إلى ثلاثة أركان: أولها: أن يعتمد شيخًا معتمَدًا عليه، منصوحا به، مرجوعا إليه، محكِما للفن الذي يدرسه عليه، ضابطا لأصوله، عارفا بمآخذه. الثَّاني: أن يعتمد من الكتب ما اعتمده العلماء في ذلك الفنِّ الذي يطلبه، فإنَّ العلماء ما اعتمدوه إلى لما علموا فيه من الفائدة والعائدة، وبعض الطَّلبة يغفل عن هذا فيطلب غرائب الكتب، ويحاول أن يقفز المراحل فلا يظفر بعد طول نصب إلَّا بالإغراب، وهو علامة من علامات الحرمان في الطَّلب. الثَّالث: أن يدرس الكتاب الَّذي يعتمده دراسةً محكمةً، ويفهمه فهمًا جيدًا، وإذا أشكل عليه منه شيء فليشتغل بتحقيقه وتدقيقه، ولا يتركه غفلا ويمضي حتى يكون همُّه الوصل إلى آخر الكتاب من غير تحقيق لما فيه من العلوم وتحريرٍ لما اعترضه من إشكالات، وعلى هذا سيرُ الأكابر، فقد حدَّثني شيخنا أحمد المختار الشَّنقيطي رحمه الله صاحب «مواهب الجليل من أدلَّة خليل» أنَّ شيخه الإمام المتبحِّر في فنون العلوم الشَّرعية محمَّد الأمين الشَّنقيطي رحمه الله صاحب «أضواء البيان» حدَّثه أنَّه لمَّا كان طالبًا في بلده كان يدرس على شيخه «مختصر خليل» وبلغ موضعًا مشكلًا في كتاب النِّكاح منه، فلم يُزِل له شيخه الإشكال تمامًا، فلمَّا رجع من الدَّرس بعد العشاء أوقد نارًا ـ ولم تكن الكهرباء آنذاك عندهم ـ وجلب الشُّروح، وانهمك ينظر فيها، قال: «فلم ينبِّهني إلَّا حرُّ الشَّمس في ظهري، وقد انتشرت هوام الأرض من حولي»! فإذا أردت يا طالب العلم أن تنتفع وينفع الله بك فدونك هذه الوصفة من هذا الإمام الضَّليع. والحمد لله ورب العالمين. |
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
|
بوركت وجزاك الله كل خير فقد أفدت
|
أحسن الله إليك أخي خالد و نفعني الله و إياكم بتلكم الوصفة علما و عملا
|
بارك الله فيك أخي على هذا التنبيه المهم .
|
بوركت أخي خالد على نصحك وتوجيهك
|
أحسن الله إليكم ونفع بكم
فوائد جد قيمة |
أحسن الله إليكم ونفع بكم
فوائد جد قيمة |
جزاكم الله خيرا أستاذ خالد ؛ وضعت يدك على الدَّاء ، ووصفت الدَّواء. أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه . |
جزاك الله خيرا . موضوع جيد قيم.
نسأل الله سلوك الطَّريق الصَّحيح في التَّحصيل. فكثير ممن تخرج من الجامعات الإسلامية ينقصه هذا التأصيل . فتجد عنده ثقافة عامة وليس يملك فقه للدين مأصل. والله المستعان |
جزاك الله خيرا شيخ خالد، وبارك فيك، مقال ممتع كالعادة حفظك الله!
|
|
جزاك الله خيرا
|
بارك الله فيك أخي الشيخ خالد وفقك الله وسدد خطاك هذه هي كلمات من جالس العلماء والأئمة وفارق الأوطان والأهل من أجل التحصيل العلمي ليس كحال البطالين المتعالمين الحاقدين الحاسدين نعم كل هذه فيهم واصل أخي الفاضل واصل أسأل الله أن يزيدك من فضله |
فوائد قيمة بارك الله فيكم و سدد خطاكم |
جزاك الله خيرا أخي خالد على هذه الموضوع الموفّق زادك الله من فضله نحن ننتظر المزيد أخي خالد |
بارك الله فيك أستاذ خالد وجزاك الله خيرا ويحضرني قول عيينة لابنه سفيان لما بغ خمسة عشر سنة في وصيته المعروفة: "أسعد الناس بالعلماء من أطاعهم". |
بارك الله فيك أخي خالد على هذا الموضوع الطيب
|
ماشاء الله .
جزاك الله خير ياشيخ خالد وبارك الله في علمك وأخلاقك وأدبك . وأسأل الله أن ينفعنا الله بعلما كما نفعنا بأدبك وأخلاقك . |
جزاكم الله خيرا.
|
أحسن الله إليكم شيخ خالد
لو ذكرتم في آخر المقال برنامجا يحتوي على الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يدرسها لكان أتم للفائدة وجزاكم الله خيرا |
اقتباس:
جميلةٌ منك هذه أبا قيس! مع أن موضوع المقال هو ترك الاعتماد على البرامج المقترحة، وأن يدرس الإنسان عند شيخه ما يحيله هو عليه ويتقنه، فإن لم يجد فليجتهد وسعه معه الكتب المتداولة التي اعتمدها العلماء في فنون العلم، واشتهر ذكرها، وهي أجلى من أن تسرد أسماؤها. |
جزاكم الله خيرا أستاذ خالد ؛
|
اقتباس:
طلبت منكم ذلك على أساس أنكم شيخي و إن لم أكن في المستوى المطلوب لكي أكون طالبا لكم |
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بارك الله فيك أخانا خالد و جزاك الله عما تقدم خيرا فقط في نقطة إزالة الإشكال الذي قد يطرأ على الطالب في ثنايا الدرس.. ألا يقيد هذا بالمراحل المتقدمة من الطلب، التي يستطيع بعدها الطالب أن يحرر المسائل و يطرد الاستشكالات عن ذهنه ؟ فقد سمعت الشيخ يونس بلحجر _تلميذ الشيخ بشير صاري_ حفظهما الله يقول: لا ينبغي للطالب أن ينشغل بالمعضلات في أول الطريق فإن ذلك مما يورث الإنقطاع و إنما يؤصل و يحصل ثم يطلق النظر في المشكلات من العلم، و كثيرا ما كان يتمثل بقول القائل: مراتب العلم تأصيل فتحصيل .:. ثم العويص ثم ترى الأباطيل. إهـ بالمعنى. غير هذا وددت لو اقترحت علينا المنهجية التي ترتضيها أنت بحسب ما فتح الله عليك في هذا الباب.. و أخيرا لا يفوتني أن أشيد بالمنهجبة التي وضعها الشيخ عبد المحسن القاسم _وفقه الله_ و التي _بحمد الله_ قد سلمت من أكثر ما ذكرته في موضعك، إضافة الى أن الشيخ ذكر أن المتون التي اختارها هي المتون التي كان يدرسها الشيخ محمد بن ابراهيم _رحمه الله_ لطلبته، فتخرج على يديه علماء راسخون أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز _رحمه الله_ و مما أعجبني في المنهجية: -تقسيمها الى مستويات، يحس الطالب عند الترقي في سلمها أن يحصل فعلا.. -تدرج المتون مع تدرج الفنون.. -إختيار عيون المتون المخدومة من أهل العلم و التي يكثر الوصاية بها.. هذا غير المنهجية في الحفظ و المراجعة التي اقترحها الشيخ _وفقه الله_ حياكم الله |
اقتباس:
هذا من المواقف القليلة التي أقول فيها: لا أدري ما أقول! المقصودُ أنَّ الشيخ قد قطع في العلم مراحل هي عند الطَّالب لاتزال في عماء الجهالة، فيوجِّه الشيخ طلبته على حسب استعدادهم وميولهم، فكم من شيخ نقل طالبًا من كتاب إلى ما هو أعلى، أو أنزله إلى ما هو أدنى على حسب ما يلمس منه، بل قد ينقله من فنٍّ إلى غيره إذا رآى في ذهنه عجزًا عن آلة بعض العلم أو قدرة على إحراز آخر. أما أنَّه يحيله إلى كتب بأعيانها ليدرسها وحدَه فهنا قد يصلح أن يُعدِّد له ما يراه أنفع له منها. وسأكتب لك إن شاء الله ـ فيما بيني وبينك ـ ما أراه أنسب لحالك على ما عرفته منك، مما أرشد إليه شيوخ العلم وعطف عليه أرباب الشأن، والله يرعاك. |
كاد قلبي يطير فرحا عند قراءة هذا التعليق !!!
فأحسن الله إليكم شيخ خالد على إهتمامكم و رعايتكم لنا فأنا قد ضيعت وقتا كثيرا تائها بين الكتب و الفنون فأنتظر رسالتكم بفارغ الصبر |
| الساعة الآن 07:35 PM. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013