![]() |
صفةُ الرِّضَا يؤمنُ أهلُ السنةِ و الجماعة أن اللهَ تعالى يرضَى رضا حقيقيا يليقُ به عز و جل، و صفة الرضَا ثابتة بالكتابِ و السنة و الإجماع. الكتاب : و قد تنوعت دلالتها : 1 _ باسم المصدرِ : قوله تعالى {و رضوانٌ منَ اللهِ أكبر} [التوبة 72]. 2 _ بالفعل الماضي : قوله تعالى {رضيَ اللهُ عنهم و رضُوا عنه} [المائدة 119]. 3 _ بالفعل المضارع : قوله تعالى {و إن تشكرُوا يرضهُ لكم} [الزمر 7]. السنة : و قد تنوعت دلالتها : 1 _ باسم المصدر : روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رضَا الربِّ في رضا الوالدِ وسخط الرب في سخطِ الوالد". حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب و الترهيب (2501). 2 _ بالفعلِ الماضي : روى أحمد في المسند عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن اللهَ عز وجل رضي لكم ثلاثًا، وكرهَ لكم ثلاثًا". 3 _ بالفعل المضارعِ : روى البخاري عن أنسِ بن مالك عن صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقولُ إلا ما يرضَى رَبُّنَا، وإنا بفراقك يا إبراهيمُ لمحزونونَ". الإجماع : فقد أجمعَ السلفُ على إثباتِ صفةِ الرضَا لربنا جل و علا. رضَا الله متعلقٌ بالعملِ و العاملِ الله تعالى يرضى عن العملِ و العاملِ : 1 _ عن العمل : قال تعالى {و إنْ تشكرُوا يرضهُ لكم} [الزمر 7]، و قال صلى الله عليه و سلم : "إنَّ الله رضِي لكم ثلاثا...، رضي لكم أن تعبدُوه و لا تشركُوا به شيئًا، و أن تنصحُوا لمنْ ولاهُ اللهُ أمرَكم، و أن تعتصمُوا بحبلِ الله جميعًا و لا تفرقوا" رواه مسلم من حديث أبي هريرة. 2 _ عن العامل : قال تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح 8]. الرضا منَ الصفاتِ الفعليةِ الرضَا من صفاتِ الله تعالى الفعليةِ المتعلقةُ بمشيئتهِ. أقسامُ رضَا الناسِ 1 _ الرضا عن اللهِ : قال تعالى {رضيَ اللهُ عنهم و رضُوا عنه}[المائدة 119]. 2 _ رضا الناسِ بالله : روى مسلم في صحيحه عن سعد ابن أبي وقاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "منْ قالَ حين يسمعُ المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيتُ باللهِ ربًّا وبمحمدٍ رسولا، وبالإسلام دينًا، غفرَ له ذنبه". 3 _ رضا الناس بقضاءِ الله و قدرِه : قال صلى الله عليه و سلم : "وأسألكَ الرضَا بعد القضاءِ". رواه الحاكم في المستدرك من حديث عمار بن ياسر، و صححه الألباني رحمه الله في الجامع الصحيح (1301). |
مسألة خلود القاتل في النار قال الله تعالى {و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها و غضب الله عليه و لعنه} [النساء 93]. فالله تعالى رتب الخلود في النار على القتل، و القتل ليس بكفر، و لا خلود في النار عند أهل السنة إلا بالكفر. و الجواب عن هذه المسألة من ستة أوجه : 1 _ أن الآية في الكافر إذا قتل المؤمن، لكن الكافر جزاؤه جهنم خالدا فيها و إن لم يقتل، قال تعالى {إن الله أعد للكافرين سعيرا + خالدين فيها} [الأحزاب 64-65]؛ فهذا القول ليس بشيء. 2 _ أن الآية فيمن استحل القتل؛ لأن المستحل لدم المؤمن كافر. و لكن المستحل خالد في النار و إن لم يقتله. و هذا لا يستقيم أيضا. 3 _ أن هذه الجملة تقدير شرط، أي : جزاؤه جهنم خالدا فيها إن جازاه؛ لكن نقول : إن جازاه فجزاؤه الخلود في جهنم؛ فلم نخلص من المشكلة بعد. 4 _ أن الذي قتل مؤمنا متعمدا قد فعل سبب الخلود في النار، و قد يوجد المانع له من ذلك و هو الإيمان و قد لا يوجد، و ذلك لأن المؤمن لا يزال في فسحة ما لم يصب دما حرما، فإن أصاب دما حراما فقد يضيق به دينه حتى يخرج منه؛ فإن خرج منه فقد أتى بسبب الخلود و زال عنه المانع. فالوعيد في هذه الآية باعتبار المآل، فإن القتل سبب للكفر و الكفر سبب للخلود. 5 _ أن المراد بالخلود المكث الطويل، و ليس المرد به المكث الدائم، و هذا الذي عليه أكير العلماء، ففي اللغة يطلق الخلود و يراد المكث الطويل حيث يقال : فلان خالد في السجن، و السجن ليس بدائم. و ربنا لم يذكر الخلود الأبدي فيكون المراد أنه ماكث مكثا طويلا. 6 _ أن هذا من باب الوعيد الذي يجوز إخلافه؛ لأنه انتقال من العدل إلى الكرم و هذا من الكرم، فإذا توعد الله القاتل بهذا الوعيد ثم أخلفه فهو كرم منه. لكن نقول إن نفذ الوعيد فالإشكال باقٍ، و إن لم ينفذ فلا فائدة منه. و أقرب الأوجه صحة من هذه الستة الوجه الخامس ثم الرابع. |
مسألة : من تاب من القتل هل يستحق هذا الوعيد؟ من تاب من القتل لا يستحق الوعيد لأدلة منها : 1 _ قوله تعالى {و الذين لا يدعون مع اللع إلها آخر و لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاما + يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا + إلا من تاب و عمل عملا صالحا فألئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان 68-70]. 2 _ روى البخاري –و اللفظ له- و مسلم و غيرهما، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله فقال له : هل من توبة؟ قال : لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال : قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له". و قد صح عن ابن عباس و غيره أنه قال : أن القاتل ليس له توبة. لكن يوجه هذا بأن : 1 _ ابنَ عباس استبعد أن يتوب القاتل، و أنه لا يوفق للتوبة؛ فلا يسقط عنه الاثم. 2 _ مرادَ ابن عباس أنه لا توبة من حق المقتول، إذ أن من قتل عمدا يتعلق به ثلاثة حقوق : أ _ حق الله تعالى، و هذا ترفعه التوبة. ب _ حق أولياء المقتول، و هذا يسقط بأن يسلم لهم نفسه للقصاص، أو يدفع الدية، أو يعفوا عنه. ج _ حق المقتول، و هذا لا سبيل إلى التخلص منه في الدنيا. لكن إذا تاب توبة نصوحا؛ فإنه يسقط حتى حق المقتول، لا إهدرا لحقه؛ و إنما يرفع الله درجات المقتول أو يعفوا عن ستئاته تفضلا منه و رحمة، فإن التوبة الخالصة لا تبقي شيئا. |
صفةُ الغضبِ يؤمنُ أهلُ السنةِ أن اللهَ تعالى يغضبُ على من يستحقُ الغضبَ، إثباتا يليقُ به جلَّ و علا، و مستندُهم في ذلك الكتابُ و السنةُ و الإجماعُ و العقلُ. 1 _ الكتابُ : تنوعت الأدلةُ فيه، فتارةً تكونُ بالفعلِ الماضي و تارة باسم المصدر : أ _ بالفعل الماضي : كقوله تعالى {و منْ يقتلْ مؤمنًا متعمدًا فجزاؤُه جهنمُ خالدًا فيها و غضبَ اللهُ عليهِ وَ لعنَه} [النساء 93]. و كقوله تعالى {من لعنَه اللهُ و غضبَ عليهِ} [المائدة 60]. ب _ باسم المصدر : كقوله تعالى {و باؤوا بغضبٍ منَ اللهِ} [البقرة 61]. و كقوله تعالى { والخامسةُ أن غضبَ الله عليها إنْ كانَ منَ الصادقينَ} [النور 9]. و كقوله تعالى {و من يحلِلْ عليهِ غضبي فقدْ هوَى} [طه 81]. 2 _ السنة : تنوعت دلالتها كذلك فيها، فتارةً تكونُ بالفعلِ الماضي و تارة بالفعل المضارعِ و تارة تكون باسم المصدر : أ _ بالفعلِ الماضي : كما ثبتَ في حديث الشفاعةِ الطويل الذي رواه الشيخان و غيرهما من حديثِ أبي هريرة قال فيه صلى الله عليه و سلم : "ربي غضبَ غضبًا لم يغضبْ قبله مثله، ولا يغضبُ بعده مثله". ب _ بالفعلِ المضارعِ : روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لا يدعُو اللهَ يغضبْ عليهِ، وإن الله ليغضبُ على منْ يفعله، ولا يفعل ذلك أحدٌ غيره". صححه الألباني رحمه الله في المشكاة (2238). ج _ باسم المصدر : روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اشتدَّ غضبُ اللهِ على قوم فعلوا بنبيه، يشير إلى رباعيته، اشتد غضبُ الله على رجلٍ يقتلُه رسولُ الله في سبيل الله". 3 _ الإجماع : فقد أجمعَ سلفُ الأمة على إثباتِ صفةِ الغضبِ للهِ تعالى. 4 _ العقل : انتقامُ اللهِ تعالى منَ المجرمين دليل على غضبه عليهِم. غضب الله يتعلق بالعمل و العامل 1 _ بالعمل : روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، قال : لما توفي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليس هذا منا، ليس لصارخ حظ، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يُغْضِبُ الربَّ". سنده حسن كما الألباني رحمه الله في أحكام الجنائز (ص40). 2 _ بالعامل : كقوله تعالى {من لعنَه اللهُ و غضبَ عليهِ} [المائدة 60]. صفةُ السخطِ يثبت أهل السنة و الجماعة صفة السخط لله تعالى على الوجه الذي يليق به جل و علا، و قد عليها الكتاب و السنة و الإجماع. 1 _ الكتاب : بأدلة متنوعة، بالفعل الماضي و اسم المصدر : أ _ بالفعل الماضي : كقوله تعالى {لبئسَ ما قدمتْ لهم أنفسهُم أنْ سخطَ اللهُ عليهم و في العذابِ هم خالدونَ} [المائدة 80]. و قوله تعالى {ذلكَ بأنهُم اتَّبعُوا ما أسخطَ اللهَ} [محمد 28]. ب باسم المصدر : كقوله تعالى {أفمن اتبعَ رضوانَ اللهِ كمنْ باءَ بسخطٍ منَ اللهِ و في جهنمَ هم خالدونَ} [آل عمران 162]. 2 _ السنة : بأدلة متنوعة أيضا، بالفعل الماضي و المضارع و اسم المصدر : أ _ بالفعل الماضي : روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من التمسَ رضى اللهِ بسخط الناسِ رضي اللهُ عنه، وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناسِ بسخط الله سَخِطَ الله عليه، وأسخطَ عليه الناس". صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (6010). ب _ بالفعل المضارع : روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال : قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟..." جاء في آخره "وذلك المنافق وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه". ج _ باسم المصدر : روى البخاري في صحيحه و غيره عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ من رضوانِ الله، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلمُ بالكلمة منْ سخطِ الله، لا يلقي لها بالا، يهوِي بها في جهنم". 3 _ الإجماع : أجمعَ أهلُ السنةِ و الجماعةِ على إثباتِ صفةِ السخطِ لله تعالى إثباتًا يليقُ به. 4 _ العقل : انتقامُ اللهِ تعالى منَ المجرمين دليلٌ على سخطِه عليهِم. سخط الله متعلق بالعمل و العامل 1 _ بالعمل : كقوله تعالى {ذلكَ بأنهُم اتَّبعُوا ما أسخطَ اللهَ} [محمد 28]. و ما روى البخاري في صحيحه و غيره عن أبي هريرة، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : "وإن العبد ليتكلمُ بالكلمة منْ سخطِ الله، لا يلقي لها بالا، يهوِي بها في جهنم". 2 _ بالعامل : كقوله تعالى {لبئسَ ما قدمتْ لهم أنفسهُم أنْ سخطَ اللهُ عليهم و في العذابِ هم خالدونَ} [المائدة 80]. و ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال : قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟..." جاء في آخره "وذلكَ المنافقُ وذلك الذي يَسْخَطُ اللهُ عليه". الغضبُ و السَّخَطُ منَ الصفاتِ الفعليةِ الغضبُ و السَّخَطُ منْ صفات الله تعالى الفعليةِ المتعلقةِ بمشيئته جلَّ و علا. تأويلُ أهلِ البدعِ لصفتي الغضبِ و السخطِ و الردُّ عليهمْ أهلُ التعطيلِ كالأشاعرةِ يؤولونَ صفة الغضبِ و السخطِ بـ : أ _ المفعولِ المنفصل عنِ الله و هو الانتقام. ب _ إرادةِ الانتقامِ لأنهم يقرونَ بصفةِ الإرادة. و شبهُهم في ذلكَ أن : 1 _ العقلَ لم يدلَّ عليها. 2 _ حقيقةَ الغضبِ هو : غليانُ دمِ القلبِ، و هذا يُنزه عنه اللهُ تعالى. الرد على الشبهةِ الأولى : من وجهين : الوجهُ الأول : نسلمُ أن العقلَ لم يدل عليها، و لكنَّ النصَ دل عليها، فعي ثابتةٌ لله تعالى بالنص. الوجه الثاني : أن العقلَ دل عليها خلافًا لما قرره أهل التعطيلِ، و قد تقدمَ هذا. الرد على الشبهة الثانية : الصوابُ أنّ الغضب صفةٌ ينشأ عنها في ابنِ آدم غليانُ دمِ القلب، لأنّ ابن آدم أولاً يغضبُ، ثم بعد غضبه ينتج عنه غليانُ دم القلب. و يظهرُ ذلك في احمرار الوجه و الانتفاخ وغيرها، و هذا أمر ينشأ منَ الغضبِ و ليس هو الغضبُ نفسه. وهذا الذي ينزهُ عنه الله تعالى. صفةُ الأسفِ يثبتُ أهلُ السنة صفةَ الأسفِ للهِ تعالى إثباتًا حقيقيًا يليقُ باللهِ تعالى، فإن هذه الصفةَ دلَّ عليها الكتابُ و السنةُ. 1 _ من الكتاب : قوله تعالى {فلمَّا آسفُونا انتقمنَا منهُم} [الزخرف 55]. 2 _ من السنة : روى أبو داود في سننه و أحمد في المسند و غيرهما عن عبيد بن خالد السلمي، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال مرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال مرة : عن عبيد ، قال : "موت الفجأة أخذة أسف". صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (6631). معنى الأسف للأسفِ في اللغةِ معنيان : 1 _ بمعنى الحزن؛ كقوله تعالى عن يعقوب {يا آسفَى على يوسفَ} [يوسف 84]. و هذا ممتنعٌ بالنسبةِ لله تعالى. 2 _ بمعنى الغضب، و هذا الذي نثبتُه للهِ تعالى. الردُّ على من جعلَ الغضبَ و السخطَ و الأسفَ هو الانتقام فسر أهلُ التعطيل الغضبَ و السخطَ و الأسفَ بالانتقامِ أو إرادة الانتقامِ، و هذا غلط يكذبه القرآنُ، قال تعالى {فلمَّا آسفُونا انتقمنَا منهُم} [الزخرف 55]، أي : فلما أغضبونَا انتقمنَا منهم، فقد جعلَ الانتقامَ غير الغضبِ؛ لأن الشرطَ {آسفونَا} غير المشروطِ {انتقمنَا}، ففيه المغايرةُ بين الغضبِ و الانتقامِ؛ لأن الانتقامَ نتيجةٌ للغضبِ. |
صفةُ الكراهةِ صفةُ الكراهةِ ثابتةٌ للهِ تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به، بالكتابِ و السنة و الإجماع. 1 _ الكتاب : كقوله تعالى {و لكنْ كرهَ اللهُ انبعاثَهُم} [التوبة 46]. 2 _ السنة : روى البخاري و مسلم عن كاتب المغيرة بن شعبة، قال : كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة : أن اكتبْ إليَّ بشيء سمعتَه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتبَ إليه : سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ : "إنَّ الله كرهَ لكم ثلاثًا : قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ". روى البخاري و مسلم عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "منْ أحب لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومن كرهَ لقاءَ اللهِ كرهَ اللهُ لقاءَه". روى الدارمي في سننه عن عبد الله بن جعفر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه، ما لم يكن فيما يكره الله". صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (1825). 3 _ الإجماع : أجمعَ السلفُ الصالح على إثباتِ صفةِ الكراهة للهِ تعالى إثباتا يليقُ به عزَّ و جل. كراهة الله تعالى تتعلق بالعمل و العامل 1 _ بالعمل : قال الله تعالى {و لكنْ كرهَ اللهُ انبعاثَهُم} [التوبة 46]، و قوله تعالى {كلُّ ذلكَ كان سيِّئُه عندً ربكَ مكروهًا} [الإسراء 38}، و قوله صلى الله عليه و سلم : "إنَّ الله كرهَ لكم ثلاثًا". 2 _ بالعامل : روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". روى البخاري -و اللفظ له- و مسلم عن البراء رضي الله عنه، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". |
صفةُ المقتِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة صفةَ المقتِ لله تعالى، إثباتًا يليقُ به، مستدلين بالكتابِ و السنة. 1 _ الكتاب : قال اللهُ تعالى {كبرَ مَقْتًا عندَ اللهِ أنْ تقولُوا ما لاتفعلونَ} [الصف 3]، و قال {إنَّ الذينَ كفرُوا يُنادَوْن لمقتُ اللهِ أكبرُ منْ مقتكم أنفسكُم} [غافر 10]. 2 _ السنة : روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمارٍ المجاشعي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم في خطبته : "ألا إنَّ ربي أمرني أن أعلمَكم ما جهلتِم، مما علمني يومِي هذا، ... وإنَّ الله نظرَ إلى أهل الأرضِ، فمقَتَهم عرَبَهم وعَجَمهم، إلا بقايَا منْ أهلِ الكتابِ" الحديث. معنى المقتِ و أنه متفاوتٌ المقتُ : هو أشدُّ البغضِ، و هو متفاوتٌ لقوله تعالى {كبرَ مقتًا} [الصف 3]. |
صفةُ المجيءِ و الإتيانِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة مجيءَ الله و إتيانَه يومَ القيامة للفصلِ بين العبادِ على الوجهِ الذي يليق به، و أدلتُهُم في ذلك الكتابُ و السنة و الإجماع. 1 _ الكتاب : قال الله تعالى {هلْ ينظرونَ إلَّا أنْ يأتيهُم اللهُ في ظللٍ منَ الغمامِ} [البقرة 201]، و قال {هلْ ينظرونَ إلَّا أنْ تأتيهم الملائكةُ أو يأتيَ ربُّكَ} [الأنعام 157]، و قال تعالى {و جاءَ ربّكَ و الملكُ صفًّا صفًّا} [الفجر 21]. 2 _ من السنة : روى البخاري عن أبي هريرة أن الناسَ قالوا : يا رسولَ الله هلْ نرى ربنا يوم القيامة؟ قال : "هل تمارونَ في القمرِ ليلةَ البدرِ ليس دونه سحابٌ" قالوا : لا يا رسولَ الله، ... وتبقى هذه الأمة فيها منافقُوها، فيأتِيهم اللهُ فيقول : أنا ربُّكم، فيقولون هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاءَ ربُّنا عرفنَاه، فيأتيَهم اللهُ فيقول : أنا ربُّكم، فيقولون : أنتَ ربُّنا" الحديث. و روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري : أن أناسًا في زمنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسولَ اللهِِ هلْ نرى ربنا يوم القيامة؟ ... فكذلكَ مثل الأولِ حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبدُ الله من برٍّ، أو فاجر، أتاهُم ربُّ العالمينَ في أدنى صورة من التي رأوه فيها" الحديث. 3 _ الإجماع : أجمعَ أهلُ السنةِ على إثباتِ المجيءِ لله تعالى، و هو مجيءٌ حقيقيٌ يليقُ به جلَّ و علا. مجيءُ اللهِ و إتيانُه مطلقٌ وَ مقيدٌ المجيءُ و الإتيان المضافُ إلى اللهِ نوعانِ : 1 _ مطلقٌ : و هو مجيئُه و إتيانُه هوَ سبحانه، كما قالَ تعالى {هلْ ينظرونَ إلَّا أنْ يأتيَهم اللهُ} [البقرة 201]، و قوله {و جاءَ ربّكَ} [الفجر 21]. 2 _ مقيدٌ : كمجيءِ رحمتِه، أو أمره،كقولِه تعالى {حتَّى يأْتيَ اللهُ بأمرِه} [البقرة 109]، و قوله {فعسَى اللهُ أنْ يأْتيَ بالفتحِ أوْ أمرٍ منْ عندِه} [المائدة 52]، روى البخاري –واللفظ له- و مسلم عن حذيفة بن اليمان قال : كان الناسُ يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الخيرِ، وكنت أسأله عن الشر مخافةَ أن يدركني، فقلتُ يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءَنا اللهُ بهذا الخيرِ" الحديث. معنَى قولِه تعَالى {يأتيهُم اللهُ في ظللٍ منَ الغمامِ} معناه : يأتيَهم مع الظللِ؛ لأنَّ "في" للمصاحبةِ، وليستْ للظرفيةِ قطعًا؛ لأنها لوْ كانتْ للظرفيةِ، لكانت الظُّلَلُ محيطةً بالله، و معلومٌ أن الله لا يحيطُ به شيءٌ من مخلوقاتِه. مسألةٌ : كيفَ يجيءُ اللهُ تعالى؟ إنَّ الله أخبرنا عن مجيئهِ و لم يخبرنَا عن كيفيةِ مجيئهِ، و كيفيةُ مجيئهِ لا تعلمُ إلا بِـ : مشاهدتِها، أو مشاهدةِ نظيرها، أو خبرِ الصادق عنها، و هذه لا توجدُ في صفاتِ الله تعالى، و كذلك إذا جهلت كيفيةُ الذاتِ جهلتْ كيفيةُ الصفات. و من الأدب مع اللهِ أن نقول : يجيءُ بوجهٍ يليقُ بجلالِه و عظمته،و لا نعلمُ عن كيفيتِه شيئًا. مخالفُوا أهلِ السنةِ و الردُّ عليهِم خالفَ المحرفةُ و المعطلةُ أهلَ السنةِ في صفةِ المجيءِ و الإتيانِ، فقالوا : أ _ إنَّ اللهَ لا يأتي؛ لأننا إذا أثبتنَا إتيانَه أثبتنَا أنه جسمٌ، و الأجسامُ متماثلةٌ. لكن يردُّ عليهم بأن َّ : 1 _ هذا قياسٌ في مقابل النصِّ، فهو باطلٌ. 2 _ لا مانعَ من مجيءِ اللهِ بنفسِه على الكيفيةِ التي يريدها. 3 _ إثباتُ مجيءِ الله تعالى، لا يستلزم التمثيلَ؛ لأن الإتيانَ يختلفُ حتّى في المخلوقِ. ب _ أنَّ المعنى : مجيءُ و إتيانُ أمرِ الله تعالى؛ لأن الله قال {أتَى أمرُ اللهِ} [النحل 1]، وقال تعالى {فعسَى اللهُ أنْ يأْتيَ بالفتحِ أوْ أمرٍ منْ عندِه} [المائدة 52]. و يردُّ عليهم بأنَّ : 1 _ هذا الدليلَ عليهِم لا لهمْ؛ لأنَّ اللهَ لمَّا أرادَ مجيءَ الأمرِ عبَّرَ به، و لما أرادَ مجيئَه هوَلم يعبِّر بالأمرِ. 2 _ الأياتِ الأخرَى ليس فيها إجمالٌ، حتى نقول : إنها بُينتْ بهذه الآيةِ، بل هي واضحةٌ. 3 _ أما قوله {فعسَى اللهُ أنْ يأْتيَ بالفتحِ أوْ أمرٍ منْ عندِه} [المائدة 52]؛ فإنَّ المرادَ إتيانُ الفتحِ و الأمرِ، لكن أضافَ الإتيانَ به إلى نفسِه؛ لأنه من عندِه، و هذا معروفٌ في اللغةِ العربيةِ. |
صفةُ الوجهِ يثبتُ أهلُ السنةِ أنَّ للهِ تعالى وجهًا حقيقيًا يليقُ بجلالهِ و عظمتِه، موصوفًا بالجلالِ و الإكرمِ، و أدلتهم في ذلكَ الكتابُ، و السنةُ، و الإجماعُ. 1 _ الكتاب : قال الله تعالى {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 27]، و قال {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88]. 2 _ السنة : روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال : "إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". و له عنه أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". 3 _ الإجماع : فقد اتفقَ أهلُ السنةِ على إثباتِ صفةِ الوجهِ للهِ تعالى إثباتًا يليقُ بهِ. الوجهُ منَ الصفاتِ الذاتيةِ الخبريةِ وجهُ اللهِ منْ صفاتِه الذاتية الخبريةِ، التي هي بالنسبةِ لنا أبعاضٌ وَ أجزاء، و لا نقولُ إنه منَ الصفاتِ المعنويةِ لأننا نوافقُ منْ تأوله تحريفًا، و لا نقولُ أنه بعضٌ أو جزء من اللهِ لأن في ذلك توهم نقصٍ له تعالى. معنى قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} قال الله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88]، في ذلك معنيان : 1 _ كلُّ شيءِ فان و زائلٌ، إلا وجهُ اللهِ تعالى؛ فإنهُ باقٍ. و هذا أقوهمَا. 2 _ كلُّ شيئٍ فان و زائلٌ، إلا الأعمال التي أريدَ بها وجهُاللهِ، لدلالةِ السياقِ حيثُ قال {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88] أي : لا تشركْ باللهِ؛ لأن عملَكَ و إشراكَك ضائعٌ، إلا ما أخلصتَه للهِ؛ فإنهُ يبقَى. و يمكنُ حملُ الآيةِ على المعنييْنِ، إذ لا تعارضَ بينهما؛ فيقالُ : كلُّ شيءٍ يفنى إلا وجه اللهِ، و كلُّ عملٍ ضائعٌ إلا ما أريدَ به وجه اللهٍ. و على كِلا المعنيينِ ففي الآيةِ دليلٌ على ثبوتِ وجهِ اللهِ. المراد بالوجه من قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} إذا قلنا المرادُ بالوجهِ الذات، دونَ إثباتِ صفةِ الوجهِ، فهذا تحريف، و هوَ قولُ أهلِ التحريفِ. و إذا قلنا أن المرادَ الصفةَ دون الذاتِ، فيصير المعنى : أنّ اللهَ فان إلا وجهُه. فالصوابُ أنْ نقولَ المرادُ : إلا ذاتُه المتصفةُ بالوجهِ، و عبرَ في الآيةِ بالوجهِ عنِ الذاتِ؛ لأن لهُ وجهًا. قولُ المحرفةِ في صفةِ الوجهِ و الردُّ عليهِم فسرَ أهلُ التحريفِ الوجهَ بالثوابِ، أي : كلُّ شيءٍ يفنَى إلا ثوابُ اللهِ. الردُّ عليهِم بأنَّ : 1 _ هذَا التفسيرَ مخالفٌ لظاهرِ اللفظِ، فإنَ ظاهرهُ أنَّ هذا وجهٌ خاصٌّ. 2 _ هذَا التفسيرَ مخالفٌ لإجماعِ السلفِ، فلم يقلْ أحدٌ منهم أنَّ المرادَ هو الثوابُ. 3 _ الثوابَ لا يمكنُ وصفُه بهذهِ الصفاتِ العظيمةِ، فلا يمكنُ أن نقولَ : جزاءُ المتقينَ ذو جلالٍ و إكرام. 4 _ قال النبي صلى الله عليه و سلم : "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فهل الثوابُ له هذا النورَ الذي يحرقُ ما انتهَى إليه بصرُ اللهِ؟!. 5 _ تفسيرَهم للوجهِ بالثوابِ، يجعلهُ منْ بابِ الممكنِ الذي يجوزُ وجودُه و عدمُه، فإنَّ الثوابَ شيءٌ مخلوقٌ قابل للعدمِ و الوجودِ، و هو حادثٌ بعدَ أن لم يكنْ، و قابلٌ للعدمِ، و لو لا وعدُ الله ببقائهِ لكانَ من حيثُ العقل جائز أن يرتفعَ. معنى قولهِ تعالى {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال الله تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة 115]، اختلفَ المفسرونَ في تفسيرٍ هذه الآيةِ : 1 _ منهم منْ قالَ : المرادُ الجهةُ؛ لقوله تعالى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة 148]، فالمرادُ : فثمَّ جهةُ اللهِ التي يقبلُ اللهُ صلاتَكم إليها. 2 _ و منهم منْ قالَ : المرادُ وجهُ اللهِ الحقيقي، أي : إلى أيِّ جهةٍ تتوجهونَ فثمَّ وجهُ اللهِ؛ لأن اللهَ محيطٌ بكلِّ شيءٍ؛ و لأن الله المصلي إذا قامَ للصلاةِ فإن اللهَ يكونُ قبلَ وجهِه، حتى و إن كانت القبلةُ خلفهُ. و هذا هوَ الصحيحُ. و المعنى الأولُ لا يخالفُه، فإنه إذا توجَّه المصلي إلى اللهِ في صلاتِه، فهيَ جهةُ اللهِ التي يقبلُ اللهُ صلاتهُ إليها، فثمَّ وجهُ اللهِ حقًّا. اللهُ مُكْرِمٌ و مُكْرَمٌ الله تعالى مكرِمٌ لعبادِه المطيعِينَ لهُ بالثوابِ، و هوَ مكرَمٌ من عبادهِ الذين يعبدونَهُ و يتذللونَ له، و هو غنيٌّ عنهم سبحانَه و تعالى. |
صفةُ اليدينِ يثبتُ أهلُ السنةِ صفةَ اليدين للهِ تعالى إثباتا يليقُ به جل و علا، بدليلِ الكتابِ و السنة و الإجماع. 1 _ الكتاب : قال اللهُ تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، و قال {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة 64]. 2 _ السنة : روى البخاريُ عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : "يد الله ملأى لا يغيضها نفقةٌ، سحاءُ الليلَ و النهار، و قال : أرأيتم ما أنفقَ منذُ خلق السمواتِ والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يده، وقال : عرشُه على الماء، وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع". 3 _ الإجماع : أجمعَ السلفُ على إثباتِ صفة اليدين للهِ تعالى إثباتا يليق به. أمرُ الله إبليسَ بالسجودِ لآدم باعتبارِ أن اللهَ خلقَه بيديه قال اللهُ تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، أمرَ الله تعالى إبليسَ و الملائكةَ بالسجودِ لآدم باعتبار وصفِه الذي لم يشاركْهُ فيه أحدٌ، و هو خلقُ اللهِ إياه بيديه، لا باعتبار شخصِه؛ لأنه عبرَ عنه بِـ "ما"، و إذا عُبر بهذه عما يَعْقِل، فإنه يرادُ معنى الصفة لا معنى العين و الشخص. عقابُ اللهِ لليهودِ بعدَ قولهم { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} لما وصفَ اليهودُ اللهَ تعالى بهذا الوصفِ، عاقبهم الله بسببِ ما قالوا بأمرين : 1 _ بتحويلِ الوصفِ الذي عابوا به اللهَ إليهم، حيثُ قال { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}. 2 _ بإلزامِهم بمقتضى قولِهم، بإبعادِهم عن رحمةِ الله، حتى لا يجدُوا جُودَ الله و فضَله، حيثُ قال {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}. فائدةٌ لطيفة قالَ الله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة 64]، قالت اليهودُ {يَدُ} بالإفراد؛ لأن اليدَ الواحدةَ أقلُّ عطاءً من اليدين، فجاءَ الردُّ و الجواب بقوله تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي : بالتثنيةِ و البسطِ، فيدا اللهِ مبسوطتانِ واسعتَا العطاءِ. |
الجمعُ بينَ ورودِ صفةِ اليدِ على سبيلِ الإفرادِ و التثنيةِ و الجمعِ
وردتْ صفةُ اليدِ في النصوصِ الشرعيةِ مفردةً و مثناة و جمعًا. 1 _ الإفرادُ : كقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة : "يدُ اللهِ ملأى لا يغيضُها نفقةٌ، سحاءُ الليلَ و النهار". 2 _ التثنيةُ : كقوله تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة 64] و قال الله تعالى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، و قالَ صلى الله عليه و سلم فيما رواه مسلمٌ عن ابن عمرٍو : "و كلتا يديْه يمين". 3 _ الجمعُ : كقول الله تعالى {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس 71]. أما الإفرادُ : فنقول فيه : أنَّ المفردَ لا يمنعُ التعددَ إذا ثبتَ التعددُ؛ لأن المفردَ المضافَ يفيدُ العمومَ. و قد قال الله تعالى {وَ إْنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم 34] {نِعْمَتَ} مفردٌ مضاف فيفيد العمومَ، فيشملُ نعمًا كثيرةً. أما المثنى : فنقول أنَّ الله تعالى ليسَ له إلا يدانِ اثنتان. فقد قال الله تعالى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، و المقامُ هنا مقامُ تشريف، و لو كان اللهُ خلقه بأكثرَ من ذلك لذكرَه؛ لأنه كلما ازدادتْ الصفةُ التي خلقه بها كلما ازدادَ تعظيمًا. و قال تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة 64]، فالمقامُ هنَا مقامٌ يقتضي كثرةَ النعمِ، و كلما كانت وسيلةُ العطاءِ أكثر كَثُرَ العطاءُ، فلو كان له أكثرَ من يدين لذكر ذلك. و قد ثبت في السنةِ قولُه صلى الله عليه و سلم : "يطوِي اللهُ السمواتِ بيمينِه و الأرضَ بيدِه الأخرى" رواه الشيخان عن أبي هريرة، و قال : "و كلتَا يديْه يمين" رواه مسلم عن ابن عمرو. فهذا يدلُّ على أنهما يدَان اثنتان. و قد ثبتَ الإجماعُ عند السلفِ أن للهِ تعالى يدان اثنتان فقط بدونِ زيادةٍ. أما الجمع : كمَا في قوله تعالى {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس 71]، فنقولُ الجمع منْ أحدِ وجهين : 1 _ أن أقلَّ الجمعِ اثنان، كما في قوله تعالى {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4]، فالقلوبُ جمعٌ و هما امرأتان، فقوله {أَيْدِينَا} لا تدلُّ على أكثرَ من اثنينِ، و حينئذ تطابقُ التثنيةَ {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}. 2 _ و لكنَّ جمهورَ أهل اللغة على أن أقلَّ الجمعِ ثلاثة. و المرادُ بـ {أَيْدِينَا} التعظيمُ، أي : تعظيمُ هذه اليدِ. و المرادُ باليد نفسُ الذاتِ التي لها يدٌ و لا تدلُّ على الكثرةِ و التعدد، قال الله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم 41]، أي : بما كسبُوا، فالكسبُ قد يكون باليدِ و اللسانِ و غيرها. فهناك فرقٌ بينَ قوله تعالى {مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس 71] و قوله {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، فالله تعالى لفتَ الأنظارَ للأنعامِ و بَيَّنَ خلقَه لها، و ليسَ المراد أنهُ خلقها بيديْه، و إلا فلا فرقَ بين آدمَ و الأنعام من هذه الحيثية التي ميزهُ بها. |
معنى قولِ الله تعالى { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} في قول الله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات 47]، الأيد : بمعنَى القوةِ؛ فهي مصدرُ : آدَ يئيدُ، بمعنى قَوِيَ. و ليسَ المرادُ بالأيدِ الصفةَ، و لهذا ما أضافها اللهُ إلى نفسِه. |
معنى قول الله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} لعلماء السنة في قول الله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم 42] قولان :1 _ المراد به الشدة، و هذا بالنظر إلى الآية وحدها. 2 _ المراد به ساق الله تعالى، و هذا بالنظر إلى حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم : "فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول : أنا ربكم، فيقولون : أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون : الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن" رواه البخاري. |
لا يلزمُ منْ إثباتِ اليدِ للهِ المماثلةُ لا يلزمُ من إثباتِ اليدِ لله تعالى تمثيلَه بالمخلوقِ، لأن إثباتَ اليدِ جاء في القرآنِ و السنةِ و الإجماع، و نفيُ المماثلة بينَ الخالقِ و المخلوق في هذا يدلُّ عليه الشرعُ و العقلُ و الحس.1 _ دلالةُ الشرعِ : قالَ اللهُ تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى 11]. 2 _ دلالةُ العقلِ : فلا يمكنُ المماثلةُ بين الخالقِ و المخلوقِ في صفاته؛ لأن هذا يعدُّ عيبًا في الخالقِ. 3 _ دلالةُ الحسِّ : إذا كان التباينُ و التفاوتُ ظاهرًا بينَ أيدي المخلوقين، فبينَ الخالقِ و المخلوقِ من بابِ أولى هذا التباينُ و التفاوتُ؛ فلا مماثلةَ. |
بارك الله فيك أخي الفاضل ، على ما تقدمه من فوائد .
واصل وصلك الله من فضله العظيم . |
قولُ المطلةِ في صفةِ اليدِ و الردُّ عليهِم خالفَ أهلُ التعطيلِ منَ الجهميةِ و المعتزلةِ أهلَ السنةِ و الجماعة، في صفة اليدِ، فقالوا المرادُ باليدِ : 1 _ القوةُ، و الدليلُ ما رواه مسلمٌ عن النواسِ بن سمعان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : "أوحَى اللهُ إلى عيسَى : إني قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يدانِ لأحدٍ بقتالِهم" الحديث، و المعنى : لا قوةَ لأحدٍ بقتالِهم. 2 _ النعمةُ، و الدليلُ قولُ رسولِ قريش -و هو عروةُ بنُ مسعودٍ- إلى النبي صلى الله عليه و سلم زمنَ الحديبيةِ لأبي بكرٍ : "أما والذي نفسي بيدِه، لولا يدٌ كانتْ لك َعندي لم أجْزِكَ بها لأجبتُكَ" رواه البخاري عن المسور بن مخرمة، ومروان. و يعني : نعمة. الردُّ على هذه الشبهِ الردُّ على هذه الأقوالِ من وجوهٍ خمسةٍ :1 _ أنَّ هذا التفسيرَ خلافٌ لظاهرِ اللفظِ، فمردودٌ لفقدانِه الدليلََ. 2 _ أنَّ هذا التفسيرَ مخالفٌ لإجماعِِ السلفِ. 3 _ أنه يلزمُ من هذا القولِ أن النعمةَ نعمتان فقط منْ قوله تعالى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75]، و نعمُ الله كثيرةٌ لا تحصى. و يلزمُ من أن للهِ تعالى قوتَان، و القوةُ قوةٌ واحدةٌ. 4 _ أنه لو كان المرادُ باليدِ القوةُ، لما كان لآدمَ فضلٌ على إبليسَ، و لا على الحيواناتِ، لأنهم كلهم خلقوا بالقوةِ. و لما صحَّ الاحتجاجُ على إبليسَ؛ فإنه مخلوقٌ بالقوةِ أيضا. 5 _ أن اليدَ تنوعتْ وجوهُ ذكرِها في النصوصِ فيمنعُ أن يُراد بها النعمة أو القوة، فقد ذكر فيها الأصابعَ و القبضَ و البسطَ و الكف و اليمينَ، و القوةُ و النعمةُ لا توصفان بهذا الوصفِ. |
صفةُ العينينِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة صفةَ العينين للهِ تعالى إثباتا يليق به، دليلهم الكتاب و السنة و الإجماع. 1 _ منْ أدلةِ الكتابِ : قال الله تعالى {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور 48]. و قال {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} [طه 39]. و قال {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14)}[القمر]. 2 _ منْ أدلةِ السنةِ : روى الشيخانِ عن عبدِ الله بن عمرَ عن النبي صلى الله عليه و سلم في وصفِ الدجالِ : "إنه أعورُ، وإن اللهَ ليسَ بأعور". و في لفظ عندهما "الدجالُ أعورُ العينِ اليمنى، كأنَّ عينه عنبةٌ طافيةٌ". 3 _ الإجماعُ : فقد أجمعَ أهلُ السنة على إثباتِ عينينِ لله تعالى. عينُ اللهِ منَ الصفاتِ الذاتيةِ الخبريةِ العينُ من الصفاتِ الذاتية الخبريةِ؛ لأن اللهَ تعالى لم يزلْ و لا يزالُ متصفًا بها، و هي بالنسبةِ لنا أبعاضٌ و أجزاء. معنى قول الله تعالى {وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور 47] معنى الصبرِ : لغةً : الحبسُ و المنعُ. شرعًا : حبسُ النفسِ لأحكامِ اللهِ تعالى. أقسامُ أحكامِ الله : هي على قسمينِ : 1 _ شرعيةٌ : و هي أوامرُه و نواهيه، فيصبر على طاعتِه بفعل الأوامرِ، و يصبرُ عن معصيتِه بتركِ النواهي. 2 _ كونيةٌ : و هي أقدارُ الله، فيصبرُ على قدرِه و قضائه. و عليه فأقسامُ الصبرِ ثلاثةٌ : 1 _ صبرٌ على طاعةِ الله. 2 _ صبرٌ عن معصيةِ الله. 3 _ صبرٌ على أقدارِ الله. معنى قولِه {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور 47] أي : أنَّ أعيننا معكَ، نحفظكَ و نرعاكَ و نعتني بك، فأنت محروسٌ غاية الحرصِ، و محفوظٌ غاية الحفظِ. و قالَ بعضُ السلفِ : معناه : بمرأَى منَّا، و هذا تفسيرٌ باللازمِ، مع إثباتِ الأصلِ و هي العين. و هذا خلافٌ لقولِ المعطلةِ : بمرأى منا؛ لأنهم ينفونَ بذلك العينَ. |
وجهُ دلالةِ حديثِ "إنه أعورُ، وإن اللهَ ليسَ بأعور" على العينينِ وجهُ الدلالةِ : أنه لو كانتْ للهِ تعالى أكثرُ من عينين، لكانت هذه الكثرةُ كمالًا، كذلك لو كان له أكثرُ من اثنين، لكان البيانُ به أوضحَ من البيانِ بالعورِ. و لما لم يذكر الثلاثَ علمَ أنه ليس له أكثر من عينينِ، و أن له اثنتينِ فقطْ. إلزامُ المعطلةِ السلفَ الأخذَ بالظاهرِ في قوله {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور 47] قالت المعطلةُ _ظانينَ أنهم ألقموا أهلَ السنةِ حجرًا_ : عليكم أن تأخُذُوا بالظاهرِ منْ قولِه تعالى {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، و أنتم الذين تنكرونَ التأويلَ، فإنْ أخذتم بالظاهرِ كفرتم، و إن أولْتُم تناقضتُم. و الظاهرُ عندَهُم : أن النبي محمدًا صلى اللهُ عليهِ و سلمَ بعين اللهِ، أي : وسطَ عينهِ؛ لأن الباء للظرفيةِ. لكن يرد عليهم : بأننَا نأخذُ بالظاهرِ، و هو منهجنَا و هو الحقُّ. لكن هل الظاهرُ الذي أرادهُ المعطلةُ صحيحٌ؟! الجوابُ : لا، و لم يُردْه العربُ أبدًا في كلامِهم. بل لو اعتقدُوا أن َّهذا الظاهرَ من القرآنِ لكفرُوا. و المرادُ الصحيحُ : أن الباءَ للمصاحبةِ، أي : عيني تصحبُكَ و تنظرُ إليكَ، فإنك محوطٌ بعنايتنا و حفظنَا. و لا يمكنُ أن تكونَ الباءُ للظرفيةِ؛ لأن النبيَ صلى الله عليه و سلمَ خوطِبَ بهذا و هوَ على الأرضِ. |
فائدةٌ في قولِه تعالى {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} ذكرَ اللهُ تعالى هنا الوصفَ –ألواحٍ و دسرٍ- دونَ الموصوفِ –السفينة-، فعبرَ عن السفينةِ بأنها ذاتُ ألواحٍ و دسرٍ، لوجوهٍ : 1 _ مراعاةً للآياتِ و فواصلِها. 2 _ تعليمًا للناسِ كيفيةَ صنعِ السفنِ، و بيانِ أنها من ألواحٍ و مساميرٍ؛ لذلك قال {وَ لَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر15]. 3 _ إشارةً إلى قوتِها؛ لذلك ذكرَ الألواحَ و الدسر منكرةً؛ لأن التنكيرَ يفيدُ التعظيمَ. و نظيرُ هذا قولُ اللهِ تعالى {أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ 11]، و لم يقلِ دروعًا، من أجلِ العنايةِ بفائدةِ الدروعِ و هي أن تكونَ سابغةً تامةً. معنَى قولِ اللهِ تعالى {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} ذكر في المفسرون معناها قولينِ : 1 _ يعني أنني أحبكَ. 2 _ أي : ألقيتُ عليكَ محبة من الناسِ، فمن رآه أحبَّه. و الحقيقةُ أن المعنيينِ متلازمان؛ لأن اللهَ إذا أحب عبدًا ألقى في قلوبِ العبادِ محبتَه، روى مسلم عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن اللهَ إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال : إني أحب فلانًا فأحبه، قال : فيحبه جبريلُ، ثم ينادي في السماءِ فيقول : إن اللهَ يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهلُُ السماءِ، قال ثم يوضعُ له القبولُ في الأرضِ"، لذلك قال ابن عباسٍ : أحبه اللهُ، و حببَه إلى خلقِه. معنى قوله تعالى { وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} الصنعُ : هو جعلُ الشيءِ على صفةٍ معينةٍ، كصنعِ الأخشابِ أبوابًا. و صنعُ الآدمي، هو تربيتُه التربيةَ البدنيةَ بالغذاءِ، و التربيةَ العقلية بالآدابِ و الأخلاقِ و غيرها. و موسى عليه السلامُ حصلَ له ذلكَ من اللهِ تعالى. الجمعُ بين ورودِ صفةِ العينينِ بالإفرادِ و التثنيةِ و الجمعِِ أما الإفراد كقوله تعالى {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} [طه 39]، فإن المفرد المضاف يعم، فيشمل كل ما ثبت لله تعالى من عين، فلا ينافي التثنية. أما الجمع كقوله تعالى {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور 48]، فالجمع من إحد الوجهين : 1 _ أن أقل الجمع اثنين، فلا تعارض. 2 _ أن أقل الجمع ثلاثة، و لكن المراد بالجمع هنا التعظيم. قول المعطلة في صفة العينين و الرد عليهم فسرَ المعطلةُ العينَ بالرؤيةِ دونَ العينِ، لأن العينَ جزءٌ من الجسمِ، و الله منزهٌ عن التجزئةِ و الجسمِ، و المرادُ تأكيدُ الرؤيةِ. لكن يردُّ عليهم من وجوهٍ : 1 _ أن هذا مخالفٌ لظاهرِ النصِّ. 2 _ أن هذا مخالفٌ لإجماعِ السلفِ. 3 _ أنه يفتقرُ إلى الدليلِ. 4 _ إذا قلنَا بأن المراد بالعينِ الرؤيةِ، و الله أثبتَ لنفسه عينًا، فلازمُه أنه يرى بتلكَ العينِ. |
صفةُ السمعِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة صفةَ السمعِ لله جل و علا إثباتًا يليق به، مستدلين بالكتابِ و السنة و اتفاق السلف. 1 _ أدلةُ الكتاب : قال الله تعالى {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة 1]. و قال تعالى {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران 181]. و قال تعالى {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف 80]. و قال تعالى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه 46]. 2 أدلة السنة : روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال : كنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ، هللنا وكبرنا ارتفعتْ أصواتُنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "يا أيها الناس اربِعُوا على أنفسِكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنه معكم إنه سميعٌ قريبٌ، تبارك اسمه وتعالى جده". و روى ابن حبان في صحيحه و الحاكم و أبو داود و ابن ماجه و الترمذي عن عثمان بن عفان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قال حين يصبحُ : بسم اللهِ الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماءِ وهو السميع العليم، ثلاثَ مرات، لم تفجأه فاجئةُ بلاءٍ حتى يمسِي، وإن قالها حين يمسي لم تفجأه فاجئةُ بلاءٍ حتى يصبحَ" صححه الإلباني رحمه الله في صحيح الجامع (6426). و روى الشيخان عن أبي هريرة قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول : سمعَ اللهُ لمن حمدَه، حين يرفعُ صلبَه من الركعةِ". 3 _ الإجماع : أجمعت الأمةُ على إثباتِ صفةِ السمعِ لله تعالى، و لم يخالفْ في ذلكَ إلا المعتزلةُ. سمعُ الله قسمانِ سمعُ الله ينقسمُ إلى قسمين : 1 _ سمعُ استجابةٍ : أي : أن اللهَ تعالى يجيبَ الدعاءَ. قال الله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم 39]. و قال تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران 38]. و روى الشيخان عن أبي هريرة قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركعُ، ثم يقول : سمعَ اللهُ لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة". 2 _ سمعُ إدراكٍ : ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أ _ تارة يكون للتهديد : قال تعالى {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران 181]. و قال تعالى {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف 80]. ب _ تارة يكون للتأكيد : قال الله تعالى {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه 46]. ج _ تارة يكون لبيان الإحاطة : قال الله تعالى {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة 1]. السمعُ من الصفاتِ الذاتيةِ باعتبارٍ و من الصفاتِ الفعليةِ باعتبارٍ آخرَ سمعُ الإدراكِ : من الصفاتِ الذاتيةِ؛ لأن اللهَ لم يزلْ و لا يزالُ متصفًا به. أما سمعُ الاستجابةِ : فهو من الصفاتِ الفعليةِ؛ لأنه مقرونٌ بسببٍ، و كل صفةٍ مقرونةٍ بسببٍ فهي صفةٌ فعليةٌ، فإنَّ اللهَ إن شاءَ استجابَ و إن شاءَ لم يستجبْ. |
معنى قولِ الله تعالى {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} السرُّ : ما يُكتمُ (القاموس المحيط). و هو على نوعينِ : 1 _ ما يُسره الإنسانُ إلى صاحبِه، أي : يكلمُه بكلامٍ ر يسمعُه غيرُه. 2 _ ما يخفيه الإنسانُ في نفسِه قال الله تعالى {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف 77]. النجوَى : ما يناجِي به صاحبَهُ و يخاطبُه، و هو أعلى من السرِّ. معنى قولِ اللهِ تعالى { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} |
صفةُ البصرِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة صفةَ البصرِ لله تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به، مستدلين بالكتابِ و السنةِ و إجماع سلف الأمة. 1 _ أدلةُ الكتابِ : قالَ الله تعالى {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ} [العلق 14]. و قال تعالى {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء]. و قال تعالى {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة 105]. 2 _ أدلةُ السنة : روى الشيخان عن أبي هريرة كما في حديث جبريل قال : " قال : يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك". 3 _ الإجماعُ : فقد اتفقَ سلفُ الأمة على إثباتِ صفةِ البصرِ لله تعالى. البصرُ من الصفاتِ الذاتيةِ البصرُ من صفاتِ الله تعالى الذاتيةِ، التي لم يزلْ و لا يزالُ متصفًا بها. معنيَا البصرِ البصرُ المضافُ إلى اللهِ له معنيانِ : 1 _ بصرُ علمٍ. قال الله تعالى {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} [المعاج]. 2 _ بصرُ رؤيةٍ. و هذا ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسام : أ _ تارةً تكون للتأييدِ : قال الله تعالى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه 46]. ب _ تارةً تكونُ للإحاطةِ و العلم : قال الله تعالى {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الشعراء 28]. و قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء 58]. ج _ تارةً تكون للتهديدِ : قال الله تعالى {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة 94]. |
شكر و إرشاد
جزاك الله خيرا أخانا يوسف ورفع منزلتك وجعل عملك هذا في موازين حسناتك، حبذا أخي لو تذكر تخريج الحديث ودرجته مثل الأحاديث التي نقلتها في صفة إثبات العلو لله تعالى.
|
جزاك الله خيرا أخي عبد القادر.
و شكر الله لك حسن إرشادك و بارك الله فيك. |
مقدمةٌ أقسامُ التوحيدِ ينقسمُ التوحيدُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ : 1 _ توحيدُ الربوبيةِ : و هو إفرادُ اللهِ تعالى في أمور ثلاثةٍ : أ _ الخلقِ : قال تعالى {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف 54]. ب _ الملكِ : قال تعالى {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة 18]. ج _ التدبير : قال تعالى {وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس 31]. الفرقُ بين خلقِ اللهِ و خلق العبد الفرقُ بينهما أنَّ : 1 _ خلقَ الإنسانِ تحويلٌ للشيءِ منْ صورةٍ إلى أخرَى فليسَ بخلقٍ في الحقيقةِ، أما خلقُ اللهِ فهو إيجادٌ منْ عدمٍ. 2 _ خلقُ الإنسان محصورٌ، أما خلقُ اللهِ عامٌّ شاملٌ. الفرقُ بين ملكِ اللهِ و ملكِ العبد الفرقُ بينهما أنَّ : 1 _ ملكَ الإنسانِ ليسَ عامًّا شاملًا فهو محدودٌ، و ملك اللهِ أشملُ و أوسعُ، و تامٌّ. 2 _ الإنسانَ ليسَ له التصرفَ المطلقَ فيه ملكِه فهو مقيدٌ، أما الله فيتصرفُ في ملكهِ كيف يشاءُ. الفرقُ بين تدبيرِ العبدِ و تدبير الله الفرقُ بينهما أنَّ : 1 _ تدبير الإنسانِ محدودٌ، فيمَا يملكُ فقط، أما تدبيرُ اللهِ عامٌّ شاملٌ. 2 _ تدبيرُ الإنسانِ قاصرٌ، يكونُ وفقَ الشرعِ، أما تدبيرُ اللهِ مطلقٌ. 2 _ توحيدُ الألوهيةِ : و هو إفرادُ اللهِ تعالى بالعبادةِ، قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء 25]. و يسمَّى توحيدَ الألوهيةِ باعتبارِ إضافته إلى اللهِ تعالى، و يسمَّى توحيدَ العبادةِ باعتبارِ إضافته إلى العابدِ. معنى العبادةِ : تطلق العبادةُ على أمرينِ : أ _ الفعلِ : و هي التذللُ للهِ حبًّا و تعظيمًا، بفعلِ أوامرٍه و تركِ نواهيه. ب _ المفعولِ : و هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه اللهُ و يرضاهُ منَ الأفعالِ و الأقوالِ الظاهرةِ و الباطنةِ. 3 _ توحيدُ الأسماءِ و الصفاتِ : و هو إفرادُ اللهِ بما لهُ منَ الأسماءِ و الصفاتِ. معنى الاعتقادِ لغةً : افتعالٌ منَ العقدِ، وهو الشَّدُّ و الربطُ. اصطلاحًا : حكمُ الذهنِ الجازمِ، و قدْ يكونُ صحيحًا إذا وافقَ الواقعَ، كاعتقادِ أنَّ اللهَ واحدٌ، و قد يكون فاسدًا إن خالفَ الواقعَ، كاعتقادِ أنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ. أركانُ الإيمانِ أركانُ الإيمانِ ستةٌ و هي : الإيمانُ باللهِ، و ملائكتهِ، و كتبهِ، و رسلهِ، و اليومِ الآخرِ، و القدرِ خيرهِ و شرهِ. الإيمانُ باللهِ الإيمانُ باللهِ يتضمنُ أربعةَ أمورٍ : 1 ـ الإيمانُ بوجودِه سبحانه و تعالى. 2 ـ الإيمانُ بربوبيتهِ، أي الانفراد بالربوبية. 3 ـ و الإيمانُ بانفرادِه بالإلوهية. 4 ـ و الإيمانُ بأسمائِه و صفاتِه. و لا يتحققُ الإيمانُ إلا بذلك. أدلةُ وجودِ اللهِ تعالى الدليلُ على وجودِ الله تعالى : العقلُ، و الحسُّ، و الفطرةُ. 1 _ العقلُ : فوجودُ الكائناتِ، دليلٌ على وجودِ الخالقِ، فإنه منَ المستحيلِ أن توجدَ نفسها. 2 _ الحسُّ : استجابةُ اللهِ تعالى لدعاءِ عبدِه دليلٌ على وجودِه. 3 _ الفطرةُ : فكثيرٌ منَ الناسِ ممنْ لم تنحرفْ فطرهُم يعلمونَ وجودَ اللهِ بل حتى الهائمُ، كما في قصةِ سليمانَ معَ النملةِ التي رفعت قوائمها إلى السماءِ تدعُو اللهَ السقيا. الإيمانُ بالملائكةِ الإيمانُ بالملائكةِ يتضمنُ الإيمانَ : 1 _ بوجودِهم، و أنهم مخلوقونَ من نورٍ. 2 _ بمنْ علمنا اسمَه، و من لم نعلمْ اسمَه آمنَّا به إجمالًا. 3 _ بما علمنَا من صفاتِهمْ. 4 _ بما علمنَا منْ وظائِفهم. الإيمانُ بالكتبِ و يتضمنُ الإيمانُ بالكتبِ أربعةَ أمورٍ : 1 _ الإيمانَ بأن نزولَها منْ عندِ الهِ حقًّا. 2 _ الإيمانَ بما علمنَا اسمَه منها باسمِه. 3 _ تصديقُ ما صحَّ من أخبارِها. 4 _ العلمُ بأحكامِ ما لمْ ينسخْ منها، و الرضَا و التسليمُ به. لكلِّ رسُولٍ كتابٌ قالَ الله تعالى {لقدْ أرسلنَا رسُلنا بالبيناتِ و أنزلنا معهم الكتابَ و الميزانَ} [الحديد 25]، و هذَا يدلُّ أن كلَّ رسولٍ معه كتابٌ، لكنْ لا نعرفُ كلَّ الكتبِ، بلْ نعرفُ منها صحفَ إبراهيمَ و موسى، و التوراةَ، و الإنجيلَ، و الزَّبورَ، و القرآن. الإيمانُ بالرسلِ و هم الذينَ أوحَى اللهُ إليهم بشرائعَ و أمرَهم بتبليغِه، أولُهم نوحٌ عليه السلام، و آخرُهم نبينا محمدٌ صلى الله عليه و سلم. الإيمانُ بالرسلِ يتضمنُ أربعةَ أمورٍ : 1 _ الإيمانُ بأنَّ رسالَتهم حقٌّ منَ اللهِ تعالى. 2 _ الإيمانُ باسمِ منْ علمنَا اسمَه، و منْ لم نعلمْ اسمَه آمنا به إجمالًا. 3 _ تصديقُ ما صحَّ عنهم منَ الأخبارِ. 4 _ العملُ بشريعةِ منْ أرسلَ إلينا منهُم. الإيمانُ بالبعثِ بعدَ الموتِ و هو إخراجُ الناسِ منْ قبورِهم، قال الله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون 16]، قال صلى الله عليه و سلم : "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" رواه ابن حبان عن علي رضي الله عنه، و قد أجمع المسلمون على البعث يوم القيامة. الإيمانُ بالقدرِ خيرِه و شرِّه و هو تقديرُ اللهِ للكائناتِ، حسبَما سبقَ به علمُه و اقتضتْه حكمتُه. وصفُ القدرِ بالشرِّ أولًا : الشرُّ الذي وُصفَ به القدر هو الشرُّ بالنسبةِ لمقدور الله، أما تقديرُ الله، فكله خيرٌ، و الدليلُ قول النبي صلى الله عليه و سلم : "و الشرُّ ليسَ إليك ". ثانيًا : أنَّ الشرَّ الذي في المقدورِ ليسَ شرًا محضًا، بل هذا الشرُّ قد ينتجُ عنه أمورٌ هي خير، فتكونُ الشرِّيةُ بالنسبةِ إليه أمرًا إضافيا. الإيمانُ بما وصفَ اللهُ به نفسَه و بما وصفَه به رسولُه صلى الله عليهِ و سلمَ و هذا فيهِ عدةُ قواعدَ : 1 _ أنَّ منَ الإيمانِ باللهِ الإيمانُ بما وصفَ به نفسه، و بما وصفَه به رسولُه صلى الله عليه و سلم. 2 _ أن صفاتِ اللهِ تعالى منَ الأمورِ الغيبية، فيحبُ الإيمانُ بها كما جاءت في النصوصِ؛ إذ لا يمكنُ للعقلِ أن يدركَ المغيباتِ. 3 _ أن لا نصفَ اللهَ تعالى بما لم يصفْ به نفسَه أو بما لم يصفْه به نبيُّه صلى الله عليه و سلم. 4 _ وجوبُ إجراءِ النصوصِ الواردةِ في الصفاتِ على ظاهرِها. 5 _ العقلُ لا مدخلَ له في بابِ الأسماءِ و الصفات. 6 _ هذه القواعدُ تشملُ الصفاتِ الذاتيةَ : المعنويةَ و الخبرية، و الصفاتِ الفعليةَ. أقسامُ وصفِ النبي صلى اللهُ عليه و سلم َربَّه تعالى ما وصف به النبي صلى الله عليه و سلم ربه على ثلاثة أقسام : 1 _ بالقولِ : روى البخاري في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال : "قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". 2 _ بالفعلِ : كرفعِه صلى الله عليهِ و سلمَ يديْه إلى السماءِ في الدعاءِ، كذلكَ في حجةِ الوداعِ فإنه كانَ يشيرُ إلى السماءِ و يقول :" اللهمَّ اشهدْ ..." رواه مسلم عن جابر بن عبد الله. 3 _ بالإقرارِ : كإقرارِه الجاريةَ لما سألها : "أينَ اللهُ؟" قالتْ : "في السماءِ"، فأقرَّها على ذلك، رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي. |
منْ معاني التأويلِ يطلقُ التأويلُ و يرادُ به عدةُ معاني منها : 1 _ التفسيرُ : و هذا الذي يستعملُه المفسرونَ. 2 _ عاقبةُ الشيءِ : فإن كان طلبًا، فتأويله فعلُه إن كان أمرًا و تركُه إن كان نهيًا، و مثاله قول عائشةَ رضي الله عنها : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يكثرُ أن يقولَ في ركوعِه وسجوده : "سبحانك اللهمَّ ربنا وبحمدكَ اللهم اغفرْ لي" يتأولُ القرآن، رواه الشيخان. و إن كانَ خبرًا فتأويله وقوعُه، كقولِ الله تعالى مخبرا عن يوسفَ عليه السلام {هَذَا تَاْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف 100] أي : هذا وقوعُ رُءْيايَ. 3 _ صرفُ اللفظ عن ظاهرِه : و هذا على قسمين : أ _ محمودٌ : ما دلَّ عليه الدليلُ. ب _ مذمومٌ : ما لم يدلَّ عليه الدليلُ.الإلحادُ في آياتِ اللهِ تعالى و آياتُ الله قسمان : 1 _ كونيةٌ : ما يتعلقُ بالخلقِ و التكوين، و الإلحاد فيها بنسبتها إلى غيرِ الله استقلالا، أو إعانةٍ، أو مشاركةٍ. 2 _ شرعيةٌ : ما جاء به الرسلُ من الوحيِ، و الإلحادُ فيها يكون بـ : أ _ تكذيبِها : بأن ينكرَ أنها من عندِ الله، أو ينفيَ صحتها. ب _ تحريفِها : بتغيير لفظِها، أو صرفِ معناها عمَّا أراده الشرعُ. ج _ مخالفتِها : بتركِ الأوامرِ و فعلِ النواهِي. التعبيرُ بالآياتِ أولى من التعبيرِ بالمعجزاتِ التعبيرُ بالآياتِ أولى من التعبيرِ بالمعجزاتِ من وجوهٍ : 1 _ أنه اللفظُ الذي عُبر به في الكتابِ و السنةِ. 2 _ أن المعجزةَ قد تقعُ من ساحرٍ أو مشعوذٍ أو غير ذلك. 3 _ أنها أدلُّ على المعنى المقصودِ من كلمة معجزات، فآياتُ الله هي العلاماتُ الدالةُ عليه، فتكونُ خاصةً به؛ و لولا أنها خاصةٌ به لما كانتْ آيةً له.طرقُ إثباتِ الصفاتِ لإثباتِ الصفةِ ثلاثَةُ طرقٍ : 1 _ أن يدلَّ الاسمُ عليها. 2 _ أن يُنَصَّ عليها. 3 _ أن تؤخذَ من الفعلِ.لماذَا سميتْ سورةَ الإخلاصِ؟ ذكر قولان في تسمية سورة الإخلاص : 1 _ لأنها مُخْلِصَةٌ لقارئها، فمن قرأَها مؤمنًا بها فقد أخلصَ لله تعالى. 2 _ لأنها مُخْلَصَةٌ، فإِنَّ الله تعالى أخلصَها لنفسِه بذكره فيها الأخبارَ الخاصةَ به. الكرسيُّ موضعُ قدميْ اللهِ تعالى، كما فسرهُ ابن عباسٍ رضي اللهُ عنهُ، و ليسَ هو العرش، فقد دل على هذا قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه البيهقيُ في الأسماءِ و الصفات من حديثِ أبي ذر قال : "ما السماواتُ السبع في الكرسيِّ إلا كحلقةٍ ملقاة في أرض فلاة، وفضلُ العرشِ على الكرسي كفضلِ الفلاة على تلك الحلقةِ" صححه الألباني رحمه الله في الصحيحة (109).معنَى الكُرسيِّ |
صفةُ المكرِ وَ الكيدِ و المِحالِ يثبتُ أهلُ السنةِ صفةَ المكرِ وَ الكيدِ وَ المحالِ، للهِ تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به عز و جل، و هذه الصفاتُ دلتْ عليها النصوصُ الشرعيةُ و الإجماعُ. 1 _ صفةُ الِمحالِ : دليلها : قال الله تعالى {وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد 13]. معنى المِحالِ : معناه المكرُ، و هو مأخوذٌ من الحيلةِ، أي : أن يَتَحَيَّلَ بخصمِه حتى يوقعَ بهِ. 2 _ صفةُ المكرِ : دليلُها : قال اللهُ تعالى {وَ مَكَرُوْا مَكِرًا وَ مَكَرْنَا مَكْرًا وَ هُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل 50]. و قال {وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30]. و قال {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف 99]. و قال {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} [يونس 21]. 3 صفةُ الكيدِ : دليلُها : قال الله تعالى {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَ أَكِيدُ كَيْدًا (16)} [الطارق]. و قال {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف 76]. و قال {وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف 183]. معنى المكرِ وَ الكيدِ : هو التوصلُ بالأسبابِ الخفيةِ إلى الإيقاعِ بالخصمِ. لا يوصفُ اللهُ بهذهِ الصفاتِ على الإطلاقِ هذه الصفاتُ الثلاثةُ، تارةً تكون صفةَ مدحٍ و تارة تكون صفة ذمٍّ : 1 _ فإن كانتْ في مقابلة المكرِ فهذا مدحٌ. 2 _ و إن كانت في غيرِ مقابلة فهو ذمٌّ. و الله تعالى لم يصفْ نفسَه إلا على سبيلِ المقابلةِ، فلا يوصفُ اللهُ بها على الإطلاقِ لا تسميةً و لا حتى خبرًا؛ لأنها صفاتُ كمالٍ مقيدٍ لا مطلقٍ. و من هذا القبيلِ الخداعُ : كما في قولِه تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء 142]. و منهُ الاستهزاءُ : كما في قولِه تعالى {وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (15) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة]. قولُ أهلِ التحريفِ في هذه الصفاتِ و الردُّ عليهِ يقولُ أهلُ التحريفِ أنه لا يوصفُ اللهُ تعالى بهذه الصفاتِ أبدا؛ و ذِكرُ الله لها من بابِ المشاكلةِ اللفظيةِ، و المعنى مختلفٌ. الردُّ عليه : يردُّ عليهِم منْ وجهين : 1 _ أنهُ خلافُ ظاهرِ اللفظِ. 2 _ أنهُ مخالفٌ لإجماعِ السلفِ. |
صفةُ العفوِ يثبت أهل السنة و الجماعة صفة العفو لله تعالى على الوجه الذي يليق به، كما دل عليه النصوص الشرعية. 1 _ أدلة الكتاب : _ قال الله تعالى {إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء 149]. _ و قال تعالى {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة 52]. _ و قال تعالى {فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء 99]. 2 _ أدلة السنة : _ روى ابن حبان و غيره عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة، وعفا عن المؤذنين" صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2787). _ روى الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال : قولي : "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (4423). معنَى العفوِ العفوُ : هو التجاوزُ عن العقوبةِ. الحكمةُ من الجمعِ بينَ صفتَي العفوِ و القدرةِ جمعَ اللهُ تعالى بينَ صفتي العفوِ و القدرةِ في الآيةِ لبيانِ أنه عفوٌّ مع قدرتِه على الانتقامِ من المذنبِ، و هذا من كمالِ العفوِ : أن يكون عن قدرةٍ. أما العفوُ الذي يكون عن عجزٍ فهذا لا يمدحُ فاعله؛ لأن صاحبَه عاجزٌ عن الأخذِ بالثأر. و أما العفوُ الذي لا يكون مع قدرةٍ فقد يمدحُ، لمكنه ليس عفوًا كاملًا. الفرقُ بينَ العفوِ و المغفرةِ الغالبُ أن يكونَ العفُو عن تركِ الواجباتِ، و المغفرةُُ عن تركِ المحرماتِ. و منهم من قال : العفوُ عدمُ المؤاخذةِ بالدنب، و المغفرةُ سترُ الذنبِ أو أثرِ الذنب. و منهم من قال [ابنُ حبانَ في صحيحه] : العفوُ قد يكونُ من الرب لمن استوجبَ النارَ، قبل تعذيبِه إياهم، وقد يكونُ ذلك بعد تعذيبه إياهم الشيءَ اليسيرَ، ثم يتفضل عليهم بالعفوِ، إما من حيثُ يريد أن يتفضلَ، وإما بشفاعةِ شافعٍ. والغفرانُ هو الرضا نفسُه، ولا يكون الغفرانُ منه جل وعلا لمن استوجبَ النيرانَ بفضلِه، إلا وهو يتفضلُ عليهم بأن لا يدخلََهم إياها بحيله". صفةُ المغفرةِ يثبُ أهلُ السنةِ و الجماعةِ صفةَ المغفرة لله تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به، و دليلُُ هذه الصفة الكتابُ و السنةُ. 1 _ أدلةُ الكتابِ : _ قال الله تعالى {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور 22]. _ و قال {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ} [طه 82]. _ و قال {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53]. 2 _ أدلةُُ السنةِ : _ روى مسلم عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم". _ روى البخاري في صحيحه و غيره عن شداد بن أوس رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم : "سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". معنَى المغفرةِ المغفرةُ : هي سترُ الذنبِ، فلا يفضحُ اللهُ عبدهُ بذنوبِه، بل يسترُه و يغفرُ له. الحكمةُ من جمعِ اللهِ بينَ صفتَي المفغرةِ وَ الرحمةِ قرنَ اللهُ بينَ صفتَي المغفرةِ و الرحمةِ؛ لأن معناهمَا متشابهٌ، ففي المغفرةِ زوالُ الكروبِ و آثار الذنبِ، و في الرحمةِ حصولُ المطلوبِ. |
صفةُ العزةِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعةِ صفةَ العزةِ للهِ تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به، و الدليلُ في ذلكَ الكتابُ و السنةُ. 1 _ أدلة الكتاب : _ قال الله تعالى {وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون 8]. _ و قال تعالى عن إبليس {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص 82]. _ و قال تعالى {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس 65]. _ وقال تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر 10]. 2 _ أدلة السنة : _ روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول : "أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون". _ روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه جل وعلا، قال : "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة" قال الألباني رحمه الله في صحيح التنرغيب و الترهيب (3376) : حسن صحيح. _ روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يجيء المقتول آخذا قاتله، وأوداجه تشخب دما عند ذي العزة، فيقول : يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول : فيم قتلته؟ قال : قتلته لتكون العزة لفلان. قيل : هي لله" قال الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب و الترهيب (2448) : صحيح لغيره. أقسامُ العزةِ تنقسم العزةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ : 1 _ عزةُ القدرِ : فالله ذو قدرٍ عزيزٌ، لا نظيرَ له. 2 _ عزةُ القهرِ [الغلبةِ] : أي : أن اللهَ غالبٌ على كل شيءٍ، قاهرٌ كل شيءٍ، و منه قولُ الله تعالى {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص 23] أي : غلبني في الخطابِ. 3 _ عزةُ الامتناعِ : أي : أن الله يمتنعُ أن يناله نقصٌ، و هذا مأخوذٌ من القوةِ و الصلابة، و منه قولُ العربِ : أرضٌ عَزَاز، أي : قويةٌ شديدة. فعزةُ الله تدل على كمالِ قهرِه و سلطانِه، و كمالِِ صفاتِه، و تمامِ تنزهِه عن النقصِ. الفرقُ بينَ عزةِ الخالقِ و عزةِ المخلوقِ أثبتَ الله تعالى لنفسِه العزةَ، و أثبتها لرسولِه و للمؤمنينَ، لكن ثمتَ فرقٌ بين عزةِ الله و عزة غيره من المخلوقينَ، و من ذلك : أن عزةَ المخلوقِ قد تفقدُ و تشوبها ذلةٌ، قال الله تعالى {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ للَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران 123]، أما عزةُ اللهِ فلا يمكنُ أن تفقدَ أبدًا. كما أنه لا يلزمُ من اتفاقِ الاسمِِ اتفاقُ المسمَى، و لا من اتفاقِ الصفةِ اتفاقُ الموصوفِ. |
إثباتُ الاسمِ للهِ يثبتُ أهلًُ السنةِ الاسمَ للهِ تعالَى، بدليلِ الكتابِ وَ السنةِ. 1 _ أدلةُ الكتابِ : قالَ اللهُ تعالى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَ الْإِكْرَامِ} [الرحمن 78]. و قالَ تعالى {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام 118]. و قالََ تعالى {وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل 8]. و قال {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1]. 2 _ أدلةُ السنةِ : روى الحاكمُ في المستدركِ عن عائشةَ قالتْ : كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا استفتحَ الصلاةَ قالَ : "سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ، وتبارك اسمكَ وتعالى جدُّك ولا إله غيركَ" صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (4667). معنَى قولِه تعالى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن 78] معناهَا : أنَّ البركةَ تكونُ باسمِ اللهِ، فإذا صاحبَ اسمُ اللهِ شيئًا؛ صارتْ فيه البركةُ. الصفاتُ المنفيةُ في تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ صفاتُ اللهِ ثبوتيةٌ و منفيةٌ و هي صفاتُ كمالٍ، و الكمالُ لا يثبتُ إلا بإثباتِ الكمالاتِ و نفيِ النقائصِ. و الصفاتُ المنفيةُ : هي التي نفاها اللهُ تعالى عنْ نفسِه، و هذا النفيُ ليسَ نفيًا مجردًا، لأنَّ النفيَ المجردَ عدمٌ، بلْ هو نفيٌ متضمنٌ لثبوتِ كمالِ ضدِّه. تنزيهُ اللهِ عنِ السَّمِيِّ قالَ اللهُ تعالى {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم 65]. دلالةُ الآيةِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ أنه ليسَ للهِ شبيهٌ و لا نظيرٌ يستحقُ مثلَ اسمِه، فليسَ له سميٌّ لكمالِه المطلقِ الذي لا يسامِيه فيه أحدٌ. تنزيهُ اللهِ عنِِ الكفءِ قالَ اللهُ تعالى {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص 4]. دلالةُ الآيةِ على تنزيهِ اللهِ وَ نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ أنه ليسَ يكافئُه أحدٌ، لا في علمِه و لا في سمعِه، و لا بصره، و لا في غيرهَا من الصفاتِ لكمالِ اللهِ المطلقِ. تنزيهُ اللهِ عنِ النِّدِّ قالَ اللهُ تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة 22]. قال اللهُ تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة 165]. دلالةُ الآيتينِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : ينهَى اللهُ عن جعلِ ندٍّ لهُ يشابهُه أو يكافئُه؛ و ذمَّ من اتخذَ له الندَّ؛ لأنه لا ندَّ له لكمالِ صفاتِه و الناسُ يعلمونَ ذلك. تنزيهُ اللهِ عن اتخاذِ الولدِ وَ الشريكِ و الوليِ منَ الذلِ و الإلهِ قال اللهُ تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء 111]. و قالَ تعالى {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)} [المؤمنون]. دلالةُ الآيتينِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ على استحقاقِ اللهِ تعالى للحمدِ؛ حيث لم يتخذ الولدَ، و لم يكن له شريكٌ في ملكِه، و لا في خلقِه و لا في تدبيرِه، و لم يتخذْ وليًّا منْ خلقِه ليتعززَ به منْ ذلٍّ، و ذلك لكمالْ غنَى اللهِ تعالى، و انفرادِه بالملكِ، و تمامِ عزتِّه و سلطانِه. و لم يكنْ معَ اللهِ إلهٌ حقٌّ، بل كلُّ الآلهةِ الموجودةِ باطلةٌ فكانت كالعدمِ، فتنزهَ اللهُ عن الشريكِ في الألوهيةِ؛ لكمال غناهُ و لكمالِ ربوبيتِه و ألوهيتِه. تنزيهُ اللهِ عن النقائصِ و المعايبِ قال اللهُ تعالى {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن 1]. و قالَ تعالى { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)} [الفرقان]. دلالةُ الآيةِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ على تنزيهِ اللهِ تعالى عن العيبِ و النقصِ و هو مستحقٌ له، و تنزهَ عن اتخاذِ الولدِ و الشريكِ، و قد خلقَ كلَّ شيءٍ و سواهُ و هوَ غنيٌّ عن المعينِ، يسبحُ له كلُّ شيءٍ في السمواتِ و الأرضِ، فحالُ كل شيءٍ يدلُّ على تنزيهِ اللهِ تعالى و كمالهِ. أنواعُ التسبيحِ تسبيحُ المخلوقاتِ للهِ تعالى نوعانِ : 1 _ تسبيحٌ بلسانِ الحالِ : و هذا عامٌّ لكل مخلوقٍ، قال اللهُ تعالى {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء 44]. 2 _ تسبيحٌ بلسانِ المقالِ : و هذا عامٌّ لكل مخلوقٍ، و يستثنَى منه الكافرُ حيثُ إنه لا يسبحُ اللهَ بلسانِه. تنزيهُ اللهِ عن المثلِ قالَ تعالى {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 74]. دلالةُ الآيةِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ دلالةً صريحةً عن نفيِ المثلِ عن اللهِ تعالى، و هذه الآيةُ تتضمنُ كمالَ صفاتِ اللهِ تعالى حيثُ إنهُ لا مثيلَ لهُ. تنزيهُ اللهِ عنِ الإشراكِ بهِ و القولِ عنهُ بغيرِ علمٍ قال اللهُ تعالى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف 33]. دلالةُ الآيةِ على تنزيهِ اللهِ و نفيِ المثلِ عنهُ : دلت الآيةُ على تنزيهِ اللهِ تعالى عن الشريكِ، و عن القولِ عنهُ بغيرِ علمٍ، سواءٌ فِي ذاتِه أو صفاتِه أو أحكامِه، لكمالِ ألوهيتِه وَ ربوبيتِه، و لتمامِ سلطانِه فلا يقولُ عليه أحدٌ مَا لا يعلمُ. |
استواءُ اللهِ تعالى على عرشِه يؤمنُ أهلُ السنة و الجماعة باستواءِ الله تعالى على عرشِه، استواءًا يليق بجلاله و عظمته، و دليلهم في ذلك الكتابُ و السنة و إجماع سلفِ الأمة. 1 _ أدلةُ الكتابِ : ورد ذكر استواءِ الله على عرشه في القرآنِ في سبعةِ مواضع و هي : 1 _ قال الله تعالى {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف 54]. 2 _ و قال تعالى {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍِ ثُمَّ اسِْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس 3]. 3 _ و قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد 2]. 4 _ و قال تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه 5]. 5 _ و قال تعالى {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أََيَّامٍِ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان 59]. 6 _ و قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍِ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة 4]. 7 _ و قال تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد 4]. 2 _ أدلةُ السنةِ : _ روى الشيخانِ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما قضَى اللهُ الخلقَ كتب في كتابه فهو عنده فوقَ العرشِ إن رحمتي غلبتْ غضبي". _ روى ابن خزيمة في كتابِ التوحيد و اللالكائيُ في أصول اعتقاد أهل السنة و غيرهما عن عبد الله بن مسعود قال : "ما بينَ السماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماءِ خمسمائة سنة، والعرشُ فوق الماء، واللهُ فوق العرشِ لا يخفى عليه شيء من أعمالِ بني آدم" صححه الألباني رحمه الله في مختصر العلو (48). 3 _ الإجماعُ : فقد أجمعَ أهل السنة و الجماعة على أن اللهَ تعالى مستوٍ فوقَ عرشه استواء يليقُ بجلاله. معنَى الاستواءِ ورد عن السلفِ أربعةُ معاني في تفسير الاستواء و هي : 1 _ علا. 2 _ ارتفعَ. 3 _ صعدَ. 4 _ استقَرَّ. و قد جمعها ابن القيم رحمه الله في النونية فقال : فلهـم عبـارات عليها أربـع --- قد حصلت للفارسي الطعان و هـي استقر و قد علا و كذا ار --- تفع الذي ما فيه من نكران و كذاك الذي صعد الذي هو رابع --- و أبو عبية صاحب الشيباني أقسامُ علوِّ اللهِ تعالى هو على قسمين : 1 _ علوٌّ عامٌّ : و هو علوه سبحانه على كل شيء منَ السمواتِ و الأرضِ و الجبال و الآدميين و غيرهم. 2 _ علوٌّ خاصٌّ : و هو استواؤُه على عرشِه عز و جل؛ فلهذا لا يصحُّ أن نقولَ أن الله استوى على المخلوقاتِ أو غيرها، بل على العرشِِ خاصة. فرقٌ بينَ القسمينِ العلو العامُّ صفة ذاتيةٌ لم يزلِ و لا يزالُ متصفًا جل و علا، أما استواؤه على عرشِه فهو من صفاتِ الله الفعليةِ المتعلقة بالمشيئة. أوجهُ ورودِ لفظةِ "استوى" في اللغةِ أصلُ مادةِ (س و ي) تدل على الكمالِ، كقوله تعالى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى 2] أي : أكملَ خلقَه، و إن كلمة استوى وردت في اللغة على أربعة أوجه : 1 _ مطلقةٌ : و معناها الكمالُ، كقوله تعالى {وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوَى} [القصص 14] أي كمل خلقه و عقله. 2 _ مقيدةٌ بـ "على" : و تكون بمعنى العلوِّ، كقوله تعالى {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس 3] أي : استقر و علا و ارتفع و صعد. 3 _ مقيدةٌ بـ "إلى" : و معناه القصدُ الكامل، كقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ دُخَانٌ} [فصلت 11]، هذا على قولٍ، و القول الآخر أنه ارتفع إليها. 4 _ مقرونةٌ بـ "الواو" : و تكونٌ بمعنى التساوي، كقولهم : استوى الماء و الخشبة؛ أي تساوى الماء مع الخشبة التي تكون على البئر. معنَى العرشِ العرشُ في اللغة : السريرُ الذي يختص بالملكِ، و معلوم أن هذا السريرَ يكون عظيمًا فخما قال تعالى {وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة 129]. تفسيرُ أهلِ التعطيلِ للاستواءِ و شبهُهم في ذلكَ فسر أهلُ التعطيل الاستواءً بالاستيلاء؛ فقالوا {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف 54] أي : استولى عليه. أدلتُهم على تحريفِهم : استدل أهل التعطيل على تحريفهم بدليلين أحدهما موجبٌ و الآخر سالب وهما : 1 _ الدليلُ الموجبُ : استدلالهم بكلام الشاعر الأخطلِ النصراني -و هو من شعراء بني أمية- حيث قال منشدا : استوى بشرٌ على العراقِ --- من غير سيفٍ أو دم مهراقِ أي : استولى على العراق، و لا يمكن القولُ بأنه علا عليها. 2 _ الدليلُ السالبُ : قالوا : لو قلنا أن الاستواءََ هو العلوُّ و الاستقرار لزم من ذلك أمور : 1 _ أن يكون اللهُ محتاجا إلى عرشِه، و هذا مستحيلٌ و استحالة اللازم تعني استحالةَ الملزوم. 2 _ أن يكون الله جسمًا. 3 _ أن يكون محدودًا؛ لأن الشيء المستويَ عليه محدود فيكونُ المستويِ محدودا أيضا. الردُّ على شبهِ القومِ 1 _ أن هذا القولَ مخالفٌ لظاهرِ اللفظ، و ما كان ظاهرَ اللفظ فلا يجوز العدولُ عنه إلا بدليل، خاصةً في الأمور الغيبية. 2 _ أن هذا القولَ مخالف لإجماعِ السلفِ فلم يقل أحدٌ منهم به. 3 _ أنه يلزم عليه لوازمُ باطلة : 1 _ أن يكونَ العرشُ ملكا لغير الله قبلَ أن يستوليَ عليه. 2 _ أن الاستيلاءَ لا يكون إلا بعد مغالبةٍ، و لا أحد يغالبُ الله. 3 _ أنه يجوز لنا على هذا القولِ أن نقول : أن اللهَ استوى على الأرضِ؛ لأنه مستولٍ عليها. 4 _ أن هذا اللفظ مخالفٌ للغة العربيةِ مثلما أنه مخالف لظاهر اللفظ؛ فلم يأتِ استوى بمعنى استولى أبدًا. 5 _ أما الاستدلالُ بالبيتِ فنقول : 1 _ أثبتُوا سندَ هذا البيتِ إلى قائله. 2 _ قائلُ البيت مجهولٌ، فقد يكون قاله بعد تغير اللسانِ. 3 _ أن الاستواءَ في البيتِ بمعنى العلوِّ؛ لأن العلو حسيٌّ و معنوي، فالمعنوي بمعنى السيطرةِ و الغلبةِ و القهر و هذا بمعنى الاستيلاءِ. قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميةَ في مجموعِ الفتاوى (5/146) : "و قد عُلم أنه لو احْتُجَّ بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم لاحْتَاجَ إلى صحته، فكيفَ ببيتٍ من الشعرِ لا يُعرف إسنادُه؟ و قد طعنَ فيه أئمةُ اللغة، وذُكر عن الخليلِ كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال : "سُئل الخليلُ هل وجدتَ في اللغةِ استوى بمعنى استولى؟ فقال : هذا ما لا تعرفُه العربُ، و لا هو جائزٌ في لغتها"، و هو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل". 6 _ أما اللوازمُ التي استلزموها، فنقول : كل شيء يلزمُ من كتابِ الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و ثبتَ لزومه فهو حقٌّ يجب الالتزام به. 1 _ أما استلزامهم من العلوِّ أم يكون الله جسمًا، فنقول ما المرادُ بالجسم؟ إن أردوا به الذاتَ التي تتصف بالصفاتِ اللائقة بها، فهذا باطلٌ؛ لأن لله ذاتا حقيقيةً تتصف بصفاتِ الكمال. و إن أرادوا به جسمًا مركبا من عظام ٍو دم و لحم، فهذا ممتنعٌ على الله تعالى، و ليس هذا بلازم من إثباتِ الاستواء. 2 _ أما استلزامهم منه أن يكون محدودًا : فإن ارادوا به الانفصالِ و التباين عن الخلقِ فهذا حقًّ لا نقص فيه. أما إن أرادوا به أن العرشَ محيطٌ به فهذا باطلٌ، و ليس بلازم. 3 _ أما قولهم أن يلزمَ منه احتياجُ الله إلى عرشِه، فنقول لا يلزمُ منه ذلك، فليس معنى أنه مستوٍ عليه أنه يُقِلُّهُ، و هذا الذي ادعوه ممتنعٌ؛ لأنه نقص في حق اللهِ تعالى، و ليس لازما من استوائه. معنى قوله تعالى {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} مدةُ هذه الأيام كالأيامِ التي نعرفها نحنُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرها منكرةً، أولها الأحد و آخرها الجمعة، وهذه الأيام المعروفةُ، و هذه الأيامُ بالتقدير، أي : بمقدارِ ستةِ أيام. معنى قولِه تعالى {رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على قولين : 1 _ أن جملةَ {تَرَوْنَهَا} صفةٌ لـ {عَمَدٍ} أي : بغيرِ عمد مرئيةٍ، و لها عمدٌ غير مرئية. 2 _ أن {تَرَوْنَهَا} جملةٌ مستأنفة، معناها و ترونها كذلك بغيرِ عمد، أي : أنها ليسَ لها عمدٌ مرئيةٌ و لا غير مرئية، و هذا أقربُ. |
إثباتُ العلوِّ للهِ تعَالى علَى مخلوقاتِه أقسامُ علو اللهِ تعالى علوُّ الله تعالى على قسمينِ : 1 _ علوٌّ معنويٌّ : أي علو غلبةٍ و قهر و قدر، و هذا يثبته أهلُ القبلة كلهم. 2 _ علوٌّ ذاتي : و هذا يثبه أهلُ السنةِ فقط. فمذهبُ أهلِ السنةِ و الجماعَةِ أنَّ اللهَ سبحانه و تعالى عالٍ بذاتِه، و أنَ علوَّه منَ الصفاتِ الذاتيةِ الأزليةِ الأبديةٍ، و أدلتُهم في ذلكَ : 1 ـ الكتابُ : تنوعت أدلةُ العلوِّ في كتابِ اللهِ منها : 1 ـ التصريحُ بالعلو : قالَ تعالى {وَ هُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة 255]، و قال {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1]. 2 _ التصريح بالفوقيةِ :قالَ {يخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل 50]، وقال {وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام 18]. 3 ـ صعودُ الأشياءِ و رفعها إليه : قالَ تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر 10]، وقال {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج 4]، وقال {بَل رَّفَعَهُ إِلَيْهِ} [النساء 158] و قال {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران 55]. 4 ـ نزولُها منْه : قالَ تعالى {تَنْزِيلٌ مِنْ رَّبِّ العَالَمِينَ} [الواقعة 80]، وقال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 9]. 5 _ بكونِه في السماءِ : {أَأَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَّخْسِفَ بِكُمُ الْأرْضَ} [الملك 16]. 2 ـ السُّنةُ : تنوعتْ دلالتُها، و اتفقت السنةُ بأصنافِها الثلاثةِ على علوِّه : أ ـ القوليةُ : _ روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". _ و كقوله صلى الله عليه و سلمَ :"و العرشُ فوقَ ذلكَ، و اللهُ فوقَ العرشِ" الذي روى ابن خزيمة في كتابِ التوحيد و اللالكائيُّ في أصول اعتقاد أهل السنة و غيرهما عن عبد الله بن مسعود و صححه الألباني رحمه الله في مختصر العلو (48). ب ـ الفعليةُ : كرفعِه صلى الله عليهِ و سلمَ يديْه إلى السماءِ في الدعاءِ، كذلكَ في حجةِ الوداعِ فإنه كانَ يشيرُ إلى السماءِ و يقول :" اللهمَّ اشهدْ ..." رواه مسلم عن جابر بن عبد الله. جـ ـ التقريريةُ : كإقرارِه الجاريةَ لما سألها : "أينَ اللهُ؟" قالتْ : " في السماءِ"، فأقرَّها على ذلك، رواه مسلم عن معاويةَ بنِ الحكم السلمي. 3 ـ الإجماعُ : فقدْ أجمعَ المسلمونَ قبلَ ظهورِ هذه الطوائفِ المبتدعةِ على أنَّ اللهَ تعالى مستوٍ على عرشِه و فوقَ خلقِه. 4 ـ العقلُ : فصفةُ العلوِّ صفةُ كمالِ، و إذا كانتْ صفةَ كمالِ، فإنَّه يجبُ إثباتُها للهِ عزَّ و جل، لأنَّ اللهَ متصفٌ بصفاتِ الكمالِ. 5 ـ الفطرةُ : ما منْ إنسانٍ يقولُ : يا ربِّ، إلا وجدَ في قلبِه ضرورةً بطلبِ العلوِّ. 6 _ أنه عقيدةُ الأنبياءِ من قبلُ : قال الله تعالى {يَا هَامَانُ ابْنِي لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (37)} [غافر]. فلما أخبرَ موسى عليه السلام فرعونَ أن ربه في السماءِ موه فرعونُ على قومه هذا التمويهَ ليرقى ثم يقولَ : لم أجد أحدًا، و إلا فإنه يعلمُ أن موسى صادقٌ. معنَى قولِه تعالَى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} للعلماءِ في تفسيرها ثلاثةُ أقوال : 1 _ أي : قابضُك، و منه قولهم : توفى حقَّه أي : قبضَه. 2 _ منيمك؛ لأن النومَ وفاةٌ قال تعالى {هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام 60]. و هذان القولان يمكنُ الجمعُ بينهما فيكونُ الله قبضه حالَ نومه. 3 _ مميتك، و منه قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر 42]، و هذا بعيدٌ؛ لأن عيسَى عليه السلامُ لم يمتْ و سينزل في آخرِ الزمان. |
قولُ أهلِ التعطيلِ فِي العلوِّ و شبهُهم أنكر أهلُ التعطيل علو اللهِ تعالى بذاته، مستدلين بشبهٍ منها : 1 _ أنه لو كانَ عالٍ بذاته كانَ في جهة. 2 _ و إذا كان في جهةٍ كان محدودًا. 3 _ و إذا كان في جهةٍ كان جسمًا. الردُّ علَى هذهِ الشبهِ 1 _ إذا كان اللهُ تعالى أثبتَ العلو لنفسِه، فلا يجوزُ إبطال دلالةِ النصوص بمثل هذه التعليلات، ولو جازَ هذا لأمكنَ أي شخص أن يبطلَ نصا لا يرتضيه بمثلها. 2 _ أن نصوصَ العلو لو كانت تستلزمُ هذه المعاني الفاسدةَ لجاء بيانها في شرعنا؛ و لكنها لا تستلزمُها؛ لذلك لم يأتِ البيانُ. 3 _ إذا كان المرادُ بالحد أن اللهَ يحيط به شيءٌ من مخلوقاته فهو باطلٌ، و ليس لازما من إثباتِ العلو، أما إذا كان المرادُ به أن الله بائنٌ من خلقه منفصلٌ عنهم فهو حقٌّ من حيثُ المعنى، لكن لا نثبتُ اللفظَ لعدم الدليلِ. 4 _ إذا كان المرادُ بالجسم أنه مركبٌ من عظمٍ و لحم و شحم فهذا باطلٌ، و لا يلزم من إثباتِ العلو، أما إذا كان المرادُ الذاتُ الإلهية المتصفةُ بصفاتِ الجلال و الكمال، فهذا نثبته لله تعالى، و هو حقٌّ. 5 _ إذا كان المرادُ بالجهةِ أنها تحيطُ به فهذا باطلٌ، و غير لازمٍ من العلو، أما إذا أُرِيدَ به جهةَ علوٍّ لا تحيط به فهو حقٌّ. معنى قولِه تعالى {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء 159] اختلف المفسرون في معناها على قولين : 1 _ أن ذلك إذا نزل عيسى في آخر الزمان يؤمنون به قبل موته. 2 _ أن كل من حضرته الوفاة من أهل الكتاب فإنه يؤمن به، و هذا ضعيف. معنَى قولِه تعالى {أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك 16] يشكلُ من الآية قوله تعالى {مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك 16]، بحيث أن "في" تفيد الظرفية، و الظرف يحيط بالمظروف، فظاهره أن السماء محيطة بالله تعالى، و هذا ظاهر باطل غير مراد، و الجواب عن هذا من وجهين : 1 _ أن السماءَ بمعنى العلوِّ، كما قالَ تعالى {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد 17]، و الماءُ ينزل من السحابِ، و السحابُ في العلوِّ قال تعالى {وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ} [البقرة 164]، فالمرادُ مِنْ {مَنْ فِي السَّمَاءِ} أي : العلو. 2 _ أن السماءَ هي السقفُ المحفوظ، و "في" بمعنى "على" كما قالَ تعالى {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه 71]، فالمعنى : من على السماءِ. إشكالٌ واردٌ على هذا الجوابِ و الردُّ عليه : قد يقولُ قائلٌ فما قولكُم في قولِه تعالى {وَ هُوَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف 83]، وقوله تعالى {وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ} [الأنعام 3]؟ الجواب ُعن الإشكالِ : أن الظرفَ فيها للألوهيةِ، أي : أن ألوهيتُه ثابتة في السماءِ كما في الأرض، كما تقولُ فلان أميرٌ في المدينة و مكةَ، و هو في مكانٍ واحد. أما أن نقولَ : تقرأُ {وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} و تقف، ثم تقرأ {وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ} أي : هو نفسُه في السماءِ، و في الأرضِ يعلمُ سرَّكم و جهركم مع علوِّه، فهذا التوجيهُ فيه شيءٌ من الضعفِ لما فيه من تفكيكِ الآية و عدم ارتباطها ببعضٍ. |
معيةُ اللهِ تعالى لخلقِه أقسامُ المعيةِ تنقسم معية الله لخلقه إلى قسمين : 1 _ معيةٌ عامة مطلقة : هي التي تشملُ كل أحد مؤمنًا كان أو كافرا، برا أو فاجرا، و دليها قولُه تعالى {وَ هُوَ مَعَكُمْ أََيْنَمَا كُنْتُمْ} [الحديد 4]. و هي تستلزمُ الإحاطةَ بالخلقِ، علمًا و قدرة و سمعا و بصرا و سلطانا، و غيرَ ذلك من معني ربوبيةِ الله تعالى. و تكونُ في سياقِ التخويفِ و المحاسبة، و الحثِ على المراقبة. 2 _ معيةٌ خاصة : و هي تستلزمُ النصرَ و التأييد، و الحفظ، و التوفيق، و الحماية مع ما تستلزمُه المعيةُ العامة. و هي على نوعين : 1 _ مقيدةٌ بوصفٍ : كقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ و الَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل 128]، و قال {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة 153] و كذلك في [الأنفال 46]. 2 _ مقيدةٌ بشخصٍ [و هذه أخص] : كقولِه تعالى عن نبيه صلى الله عليه و سلم {إِذْ يَقُولُ لِصًاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة 40]،و قالَ اللهُ عن موسى عليه السلام {كَلَّا إِنًّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِنِ} [الشعراء 62] و قال لنبيَّيْه موسى و هارون {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَ أَرَى} [طه 46]. هل المعيةُ حقيقيةٌ أم كنايةٌ عن معاني الربوبيةِ؟ اختلفَ السلفُ في هذه المسألةِ على قولين : 1 _ أكثرُ السلفِ يفسرونها بلازمِها، فيقولون : أنها كنايةٌ عن العلمِ و السمع. 2 _ أما شيخُ الإسلام يقول أنها على الحقيقةِ، فكونه معنا حقيقةٌ، لكن ليس معنا في أمكنتنا، فهو معنا في علوِّه، فإن العربَ تقول : لا نزالُ نسيرُ و القمرُ معنا. و بكلامه هذا يسدُّ البابَ في وجه من احتج على أهلِ السنة بتأويلِ المعية، فنقول : أن المعيةَ على حقيقتِها مع إثباتِ علو الله تعالى. هل المعيةُ من الصفاتِ الذاتية أو من الصفاتِ الفعليةِ؟ على تفصيل : 1 _ المعيةُ العامةُ : ذاتية؛ فإن الله لم يزلْ و لا يزالُ محيطا بالخلق، علمًا و قدرة و سمعا و بصرا. 2 _ المعيةُ الخاصةُ : فعلية؛ لأنها متعلقةٌ بالمشيئة، و هي مترتبةٌ على الاتصافِ بالأوصاف الجميلة، و الأخلاق الحميدة، فإن وجدَ سببُها وجدت و إن لا فلا. الجمعُ بين العلوِّ و المعيةِ لا تعارضَ بين علو اللهِ و معيته لخلقِه، و يظهرُ ذلك من وجوه ثلاثة : 1 _ أن اللهَ تعالى وصفَ نفسه بهما؛ بأنه عالٍ و أنه معنا، و لا يمكن أن يجمعَ الله لنفسه شيئين متناقضين أبدا؛ فالجمعُ بينهما يدل على إمكان اجتماعهما. 2 _ أن العلوَّ لا ينافي المعيةَ؛ فمن أساليبِ العرب قولهم : لا زلنا نسيرُ و القمر معنا، و لا يعدون مقالتهم من التناقضِ، فإذا كان هذا جائزًا في حق المخلوقِ، ففي حق الخالقِ من باب أولى. 3 _ و على فرضِ أنه لا يجوزُ في حق المخلوق فإنه جائزٌ في حق الخالق؛ لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْئٌ} [الشورى 11]، و النبي صلى الله عليه و سلم يقول : "اللهم أنت الرفيقُ في السفرِ و الخليفةُ في الأهلِ" رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما. قولُ أهلِ الحلولِ و شبهِهم معَ الرد عليهَا يقولُ أهلُ الحلولِ أن الله تعالى مع خلقِه في الأرض بذاتِه، و ذلك لشبهٍ منها : 1 _ أنه ظاهرُ اللفظ من قوله تعالى {وَ هُوَ مَعَكُمْ} [الحديد 4]. الرد عليه : أن ظاهرَ النصِّ ليس كما ذكروا، إذ لو كان الظاهرُ كما ذكروا لكان في الآيةِ تناقضٌ، أن يكون مستويًا على عرشه و مع كل إنسانٍ في كل مكان، و التناقضُ في كلام الله مستحيلٌ. 2 _ أن المعيةَ لا تعقلُ إلا مع المخالطةِ، أو المصاحبة في المكان. الرد عليه : المعيةُ في اللغة اسم لمطلقِ المصاحبة، و قد تقتضي الاختلاطَ، أو المصاحبةَ في المكان، و قد لا تقتضي الاختلاطَ، و لا المشاركة في المكان، و هذا يفهمُ من السياقِ و القرائن. 1 _ مثالُ المعية التي تقتضي المخالطةَ : قول : اسقني لبنا مع ماءٍ، أي : مخلوطًا بالماء. 2 _ مثالُ المعية التي تقتضي المصاحبةَ في المكان : قول : وجدت فلانا مع فلانٍ يمشيان. 3 _ مثالُ المعية التي لا تقتضي الاختلاطَ أو المشاركةَ في المكان : مثل قول : القائدُ مع جنوده، و إن كان في غرفةِ القيادة. 3 _ وصفُهُم اللهَ بذلك من أبطلِ الباطل، و أشد التنقصِ لله؛ لأن الله ذكر هذا عن نفسِه متمدحًا، أنه مع علوه على عرشِه فهو مع خلقه و إن كانوا أسفلَ منه، فإذا جعلوا اللهَ في الأرضِ كان نقصا. 4 _ يلزمُ من كلامهم هذا أمرين ِلا ثالث لهما و كلاهما ممتنع ٌ: 1 _ إما أن يكونَ الله متجزئًا، كل جزءٍ منه في مكانٍ. 2 _ أن يكونَ متعددا، كل إلهٍ في مكان لتعددِ الأمكنةِ. 5 _ هذا القولُ يستلزمُ كون الله حالا في الخلقِ، و صارَ هذا سلما لقول أهلِ وحدةِ الوجودِ. حكمُ القائلينَ بالحلولِ من قالَ أن اللهَ معنا في الأرضِ، فهو كافرٌ، يستتابُ، و يبين له الحقُّ، فإن رجعَ، و إلا وجبَ قتلُه. |
معيةُ اللهِ تعالى لخلقِه ثبت أهل السنة و الجماعة معية الله تعالى لخلقه على الوجه اللائق به جل و علا، و هو الذي دل عليه الكتاب و السنة و إجماع سلف الأمة. 1 _ أدلة الكتاب : قال الله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد 4]. و قال تعالى {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة 7]. و قال تعالى {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة 40]. و قال تعالى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه 46]. و قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل 128]. و قال تعالى {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 46]. 2 _ أدلة السنة : روى الشيخان عن أبي بكر، أنه لما لحقهما سراقة بن مالك قال للنبي صلى الله عليه و سلم : "يا رسول الله أتينا ، فقال : "لا تحزن إن الله معنا" فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارتطمت فرسه إلى بطنها". روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : "دخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت : يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام، إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ}". 3 _ الإجماع : فقد أجمع سلف هذه الأمة على معية الله تعالى لخلقه اللائقة به. |
صفةُ الكلامِ يثبتُ أهلُ السنةِ و الجماعة صفةَ الكلام لله تعالى على الوجهِ الذي يليقُ به، و أدلة ذلك الكتابُ و السنة و الإجماع و العقل. 1 _ أدلةُ الكتابِ : و قال تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء 122]. و قال {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة 116]. و قال {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام 115]. و قال {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} [النساء 164]. و قال تعالى {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم 52]. 2 _ أدلة السنة : روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أنيس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك، أنا الديان". و روى الشيخان عن عدي بن حاتم، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان". 3 _ الإجماع : اتفق أهل السنة و الجماعة على أن الله يتكلم، و أن كلامه صفة حقيقة ثابتة على الوجه اللائق به. 4 _ العقل : قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرح لمعة الاعتقاد (ص79/77) : "أما دليل العقل على هذه الصفة : فهو أنه جل و علا ذكر الآلهة التي ادعيت، و جعل عدم كلامها دليلا على عجزها، و أنها لا تصلح آلهة، قال جل و علا {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه 89]، و كذلك في قوله جل و علا {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء 63]، و ذلك أن الفارق بين الحي و من ليست فيه حياة هو الكلام، مفمن كان متكلما كان هذا أكمل، بل كان هذا من صفات الكمال، فالكلام من صفات الكمال، و عدم الكلام من صفات النقص؛ و لهذا كان مما يصلح دليلا عقليا". |
عقيدةُ أهلِ السنةِ في كلامِ اللهِ تعالى يعتقدُ أهل السنة : أن اللهَ يتلكم بكلامٍ حقيقي متى شاءَ، بمَا شاءَ، كيفَ شاء، بحرفٍ و صوتٍ، لا يماثلُ أصواتَ المخلوقين. "بكلامٍ حقيقي" قال الله تعالى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} [النساء 164] ففيه تأكيد و التأكيد ينفي المجاز. "متى شاءَ" باعتبار الزمان. "بمَا شاءَ" باعتبار موضوع الكلام. "كيفَ شاءَ" باعتبار الكيفية و الصفة. "بحرفٍ" قال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة 116]، فهذا حروف. و روى الترمذي عبد الله بن مسعود، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" صححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (2910). "و صوتٍ" فالحديثُ المتقدم دليلٌ عليه حيث قال : "فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعدَ كما يسمعه من قربَ" رواه البخاري عن عبد الله بن أنيس. "لا يماثلُ أصواتَ المخلوقين" قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى 11]. أنواعُ كلامِ اللهِ تعالى باعتبارِ الكيفيةِ 1 _ المناجاةُ : و هي التي تكونُ للقريبِ. 2 _ المناداةُ : و هي تكونُ للبعيدِ، قال الله تعالى {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم 52]. أنواعُ الكلامِ باعتبارِ صفةِ الفعلِ و الذاتِ كلامُ اللهِ تعالى صفةٌ ذاتيةٌ فعلية : 1 _ ذاتيةٌ : باعتبارِ أنه لا بدايةَ له، فهو قديمُ النوعِ. 2 _ فعليةٌ : باعتبارِ أنه يتعلق بمشيئةِ اللهِ تعالى، فهو حادثُ الآحادِ. |
إثباتُ أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ تعالَى يثبتُ أهلُ السنة أن القرآنَ كلامُ الله تعالى، و هذا الذي دلت عليه الأدلةُ الشرعية. 1 _ أدلةُ الكتابِ : قال تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة 6]. و قال تعالى {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة 75]. و قال تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} [الفتح 15]. و قال تعالى {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف 27]. و قال تعالى {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل 76]. 2 _ أدلة السنة : روى أبو داود ة ابن ماجه و الترمذي و غيرهم عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال : "ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" صححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (4734). 3 _ الإجماع : أجمع أهل السنة و الجماعة على أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. روى اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة عن عمرو بن دينار قال : "أدركت مشايخنا و الناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ، و إليه يعود". معتقدُ أهلِ السنةِ في القرآنِ يعتقدُ أهلُ السنة أن : القرآنَ كلامُ الله، منزلٌ، غيرُ مخلوق، منه بدأَ، و إليه يعودُ. "كلامُ اللهِ" دليله قوله تعالى {فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة 6]. "منزلٌ" دليله قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [185]، و قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر 1]، و روى الشيخان عن عن البراء بن عازب، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت...". "غيرُ مخلوقٍ" الدليل عليه من وجهين : 1 _ سمعي : قال تعالى {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف 54]، فقد فرق بينهما و الفرق يقتضي المغايرة فَـ"الخلق" المخلوقات، "و الأمر" القرآن، و الدليل قوله تعالى {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52]، و لما كان القرآن أمر، فهو قسيم للخلق، و صار القرآن غير مخلوق. 2 _ عقلي : و فيه وجهان : أ _ القرآن كلام الله، و هو عين غير قائمة بنفسها حتى يكون بائنا من الله، فلو كان كذلك لكان مخلوقا، لكنه صفة قائمة بالله تعالى، و صفات الله غير مخلوقة. ب _ لو كان مخلوقا لبطل مدلول الأمر، و النهي، و الخبر، و الاستخبار؛ لأن هذه الصيغ لو كانت مخلوقة لكانت مجرد أشكال خلقت على هذه الصورة لا دلالة لها على معناها. "منهُ بدأَ" أي أن الله تكلم به ابتداء. "وَ إليهِ يعودُ" فيه معنيان : 1 _ أي أنه يرفع آخر الزمن فلا يبقى منه شيء في الصدور و لا في السطور. 2 _ أنه يعود إليه وصفا، فلا يوصف به أحد سوى الله تعالى. قولُ المعتزلةِ في القرآنِ و الردُّ عليهم يقولُ المعتزلةُ أن القرآَن مخلوقٌ، و ليس كلامَا للهِ تعالى، مستدلين بِـ : 1 _ قولُ اللهِ تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر 62]، و القرآنُ يدخل في عمومِ الشيء. 2 _ و أنه ليسَ ثم إلا خالقٌ و مخلوقٌ، و الله خالقٌ و ما سواه مخلوقٌ. الرد عليها : 1 _ القرآنُ كلامُ الله، و هو من صفاتِه، و صفاتُ الله غيرُ مخلوقة. 2 _ أن التعبيرَ {كُلِّ شَيْءٍ} قد يرادُ به الخصوص، مثلُ قوله تعالى {وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍِ} [النمل 23]، و لم يدخلْ في ملكِها شيءٌ كثير. 3 _ القولُ بخلقِ القرآنِ يلزمُ منه أمورٌ باطلة، تقضِي ببطلانِ الملزوم، منها : أ _ أنه تكذيبٌ للقرآن حيثُ يقول {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52]، فالقرآنُ موحى، و لو كان مخلوقًا لم يصح أن يكون موحى. ب _ أنه يلزمُ إبطالُ مدلولِ الأمرِ و النهي و الخبر و الاستخبار. ج _ إذا قلنَا أنه مخلوقٌ و قد أضافه اللهُ إلى نفسِه إضافةَ خلقٍ، صح أن نطلقَ على كل كلامِ البشرِ و غيرهم أنه كلامُ الله؛ لآن كل كلامِ الخلقِ مخلوقٌ، و بهذا التزم أهلُ الحلولِ و الاتحاد. د _ أنه يلزم منه أن تكونَ كل الصفاتِ مخلوقةٌ، إذ لا فرقَ بينها و بين الكلامِ. |
إثباتُ أنَّ القرآنَ منزلٌ من اللهِ تعالى يثبتُ أهلُ السنةِ أن القرآنَ منزلٌ من عند اللهِ تعالى، لأدلةٍ كثيرة منها : 1 _ من الكتاب : قالَ اللهُ تعالى {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام 92]. و قالَ تعالى {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر 21]. و قالَ {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} [النحل]. 2 _ من السنة : ما تقدم ذكره من حديث البراء الذي رواه الشيخان قال في آخره : "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت...". بركةُ القرآنِ القرآنُ كتابٌ مباركٌ، حاصلةٌ به كلُّ أنواعِ البركة، منها : 1 _ أنه شفاءٌ لما في الصدورِ. 2 _ أنه مباركٌ في اتباعِه، إذ به صلاحُ الأعمالِ الظاهرةِ و الباطنة. 3 _ أنه مباركٌ في آثارِه، إذ به حصلَ جهادُ المسلمين للكفارِ، و حصلت به الفتوحاتُ. 4 _ مباركٌ في ثوابِه، فله بكل حرفٍ عشرُ حسناتٍ. |
إثباتُ رؤيةِ المؤمنينَ لربِهم يومَ القيامةِ من عقيدةِ أهلِ السنةِ و الجماعة، أنَّ المؤمنين يرونَ ربهم يومَ اللقاء، يرونهم بأبصارِهم، و هذا الذي دلَّ عليه الكتابُ و السنة و إجماع السلف. 1 _ أدلةُ الكتابِ : قال الله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة]. و قال تعالى {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين 23]. و قال تعالى قبل عن الفجار {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15]، فلما حجب هؤلاء في حال السخط، رآه الآخرون في حال الرضى. و قال تعالى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس 26]. و قال تعالى {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق 35]. 2 _ أدلةُ السنةِ : روى الشيخان عن جرير بن عبد الله، قال : كنا جلوسا ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته". روى مسلم عن صهيب الرومي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال : فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل". "ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس 26]". روى الطبري في جامع البيان عن أبي أبا موسى الأشعري، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم : إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن" صححه الإمام الألباني رحمه الله في شرح العقيدة الطحاوية (161). 3 _ الإجماعُ : فقد أجمعَ أهلُ السنةِ و الجماعة على إثباتِ رؤيةِ المؤمنين لربِهم يومَ القيامة. معنَى المزيدِ روى عبد بن أحمد بن حنبل في السنة عن أنس، {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} قال : "يتجلى لهم في كل جمعة". قولُ المعطلةِ في رؤيةِ اللهِ تعالى وَ الردُّ عليهِم خالفَ أهلُ التعطيلِ أهلَ السنةِ، فنفَوا رؤيةَ اللهِ تعالى، مستدلينَ على باطلِهم بأدلةٍ من النقلِ، و أخرى من العقلِ. 1 _ أدلتهم النقليةُ : أ _ قوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِينَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف 143]. فقوله {لَنْ تَرَانِي} للنفي المؤبد، و هو خبر صدق لا يدخله النسخ. الرد عليهم من وجوه : 1 _ أن "لن" لا تفيد التأبيد، قال ابن مالك : و من رأى النفي بلن مؤبدا *** فقوله اردد و سواه فاعضدا 2 _ أم موسى عليه السلام لم يطلب الرؤية في الآخرة، بل طلبها في الدنيا، فبين الله تعالى أنه لن يستطيع رؤيته في الدنيا. و نحن نعلم أن رؤية الله في الدنيا مستحيلة لقول النبي صلى الله عليه و سلم : "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري. 3 _ قولهم أن القول برؤية الله يتضمن نقصا في حق الله، فحينئذ يكون سؤال موسى عليه السلام ربه النظر إليه دائرا بين الجهل بما يجب لله، و الاعتداء في الدعاء، حيث طلب منه ما لا يليق بالله، و هذا مستحيل. ب _ قوله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام 103]. الرد عليهم : أن رؤية الله لا تستلزم الإدراك، فإن البشر يرون الشمس و لكن لا يدركونها. كما أن الإدراك أخص من الرؤية، و إذا نفي الإدراك و هو الأخص؛ فإنه يبقى الأعم و هو الرؤية. 2 _ أدلتهم العقلية : يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسما. الرد عليهم : فليكن ذلك، فإننا نعلم أنه لا يماثل أجسام المخلوقين لقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْئٌ} [الشورى 11] –مع أن هذا القول بإثبات الجسم أو نفيه مما أحدثه المتكلمون-. |
فصلٌ في مَا جاءَ في السنةِ منْ إثباتِ الصفاتِ للهِ عزَّ و جلَّ تعريفُ السنةِ : لغةً : الطريقةُ، و منه قولُ النبي صلى اللهُ عليهِ و سلمَ : "لتتبعنَّ سننَ منْ كانَ قبلَكم" متفق عليه من حديثِ أبي سعيدٍ الخدري. اصطلاحًا : قولُ النبي صلى اللهُ عليه و سلمَ و فعلُه و إقراره. علاقةُ السنةِ بالقرآنِ 1 _ السنةُ تفسرُ القرآنَ، أي توضحُه. 2 _ السنةُ تبينُ القرآنَ، أي تبينُ مجلمَه. 3 _ السنةُ تدل على القرآنِ، و هذا أعم منَ التفسيرِ. 4 _ السنةُ تعبرُ عن القرآنِ، أي تأتي بمعاني جديدةٍ أو بأحكامٍ جديدة ليستْ فيه. قاعدةً فيمَا وصفَ و سمَّى النبي صلى اللهُ عليهِ و سلمَ به ربَّه تعالى ما وصفَ و سمى بهِ النبي صلى اللهُ عليه و سلمَ به ربَّه عز وجل فيمَا صحَّ منَ الأحاديثِ و تلقتها الأمةُ بالقبولِ، فإنه يجبُ الإيمانُ به. بخلافِ أهلِ الأهواءِ، فإنهم اتجاهَ هذه الأحاديثِ إما محرفونُ أو مكذبونَ. |
| الساعة الآن 12:11 AM. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013