منتديات التصفية و التربية السلفية

منتديات التصفية و التربية السلفية (http://www.tasfiatarbia.org/vb/index.php)
-   مــــنـــتــدى الـــلـــغـــة الــعــربـــيـــة (http://www.tasfiatarbia.org/vb/forumdisplay.php?f=16)
-   -   جامع الشواهد اللغوية من تفسير القرطبي (http://www.tasfiatarbia.org/vb/showthread.php?t=11014)

يوسف بن عومر 13 Apr 2014 06:08 PM

قوله تعالى: "فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)"
1- قوله تعالى: "فتاب عليه" فذكر آدم - عليها السلام - ولم يذكر حوَّاء – عليها السلام – فقيل: إنَّه مثلُ قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضُّوا إليها" أي: التجارة، لأنها كانت مقصودَ القوم، فأعاد الضَّمير عليها، ولم يقلْ: إليهما، وقال عمرو بن أحمر الباهلي:
رمَاني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي *** بريئًـا ومن فوقِ الطَّوِيِّ رماني
ويروى: ومن أجل الطوي، ويروى: ومن جُول الطوي، والجُول: جدار البئر، والطوي: هي البئر المطوية بالحجارة.
وفي التنزيل: "واللهُ ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوه" فحُذِف إيجازا واختصارا.
2- وأدغم أبو عمرو في رواية السُّوسِي الهاءَ في الهاءِ من قوله: "إنَّه هُّوَ" وأجاز سيبويه حذف الواو الواقعة لفظا بين الهاءين، وأنشد للشَّمَّاخ بن ضرار الذُّبياني:
له زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْت حادٍ *** إذا طلب الوَسيقَةَ أو زَميرُ
الزَّجل: صوت فيه حنين وترنُّم، والوسيقة: أنثى الحمار، الزمير: المزمار.

فائدة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "اعلمْ أنَّه ليس لأحد قُدرة على خلق التَّوبة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال، خلافًا للمعتزلة ومَن قال بقولهم، وكذلك ليس لأحدٍ أن يقبَل توبةَ مَن أسرف على نفسه، ولا أن يعفُوَ عنه، قال علماؤنا: وقد كفرت اليهود والنَّصارى بهذا الأصل العظيم من الدِّين، اتَّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون الله جلَّ وعزَّ، وجعلوا امن أذنب أن يأتي الحَبْرَ أو الرَّاهب، فيُعْطيه شيئًا، ويحطَّ عنه ذنوبه، افتراءً على الله، قد ضلُّوا وما كانوا مهتدين" اهـ.

يوسف بن عومر 15 Apr 2014 10:19 PM

قوله تعالى: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)"

1- لغة هُذَيْل في: هُدايَ، وعَصايَ، ومَحْيايَ، يقولون: هُدَيَّ، وعَصَيَّ، ومَحْيَيَّ، أنشد النَّحويُّون لأبي ذَؤَيب يرثي بنيه:

سَبَقوا هَوَيَّ وأعنَقُوا لهَواهُمُ *** فتُخُرِّموا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ


قال النَّحّاس: عِلَّة هذه اللُّغة عند الخليل وسيبويه: أنَّ سبيل ياء الإضافة أن يُكسَر ما قبلها، فلمَّا لم يجُزْ أن تتحرَّك الألف أُبدلت ياءً وأُدغمت.

يوسف بن عومر 21 Apr 2014 09:56 PM

قوله تعالى: " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)"
1- قد يُطلق اسم الثَّمن على ما لم يكن ثمنا، قال عمر بن أبي ربيعة:
إن كنتَ حاولتَ ذنبا أو ظَفِرتَ به *** فما أصبتَ بترك الحجِّ من ثمنِ
ويروى: حاولت دنيا، ويروى: فما أخذت.
فائدة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله – في قوله تعالى: " وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)" قال: "وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فَعَل فِعْلَهم، فمن أخذ رِشْوةً على تغير حقٍّ أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداءِ ما علِمه، وقد تعيَّن عليه حتَّى يأخذ عليه أجرًا فقد دخل في مقْتَضى الآية، والله أعلم ، وقد روى أبو داود عن أبى هريرة قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تعلَّم علما ممَّا يُبْتغى به وجهُ الله - عزَّ وجلَّ - لا يتعلَّمه إلَّا ليُصيب به عرضًا من الدُّنيا لم يجدْ عَرف الجنَّة يوم القيامة" يعني: ريحها" اهـ.

يوسف بن عومر 21 Apr 2014 09:59 PM

قوله تعالى: " وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)"
1- الَّبْس: الخلط، لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسه: إذا مزجتَ بيِّنَه بِمُشْكِلِه، وحقَّه بباطِلِه، قال الله تعالى: "وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ"، وفي الأمر لُبْسة، أي: ليس بواضح، ومن هذا المعنى: قولُ عليِّ رضي الله عنه للحارث بن حوط: "يا حارثُ إنَّه مَلبوسٌ عليك، إنَّ الحقَّ لا يُعرفُ بالرِّجال، اِعرف الحقَّ تعرفْ أهلَه".
وقالت الخنساء أم العباس تماضر بنت عمرو بن الشَّريد رضي الله عنها:
ترى الجليسَ يقولُ الحقَّ تَحْسَبُهُ *** رُشدا وهيهاتَ ما به التبسَ
صدِّقْ مقالته واحْذرْ عداوتَه *** والبِسْ عليه أمورا مثل ما لَبَسا
وقال العجَّاج:
لمَّا لبَسْنَ الحقَّ بالتَّجنِّي *** غَنينَ واستبْدلن زيدًا منِّي

وقال الشاعر:
وكتيبةٍ لبَّستُها بكتيبةٍ *** حتَّى إذا التبستْ نفضتُ لها يدي

ولِباس الرَّجل: زوجه، وزوجها لباسها،قال النابغة الجعديّ:
إذا ما الضَّجيع ثنى جِيدها *** تَثَنَّتْ عليه فكانت لِباسا
وقال الأخطل:
وقد لبست لهذا الأمر أعصُرَه *** حتى تجلَّل رأسي الشّيبُ فاشتعلا
واللَّبُوس: كلُّ ما يُلبَس من ثياب ودِرع، قال الله تعالى: "وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ"، ولابستُ فلانا حتى عرفتُ باطنه، وفي فلانٍ مَلبَس، أي: مستمتَعٌ، قال امرؤ القيس:
ألا إنَّ بعد العُدْم للمرء قِنْوة *** وبعد المَشيبِ طولَ عُمرٍ ومَلبسا
القنوة: ما اقتنيتَ من شيء فاتَّخذتَه أصلَ مال.
ولِبْسُ الكعبة والهودج: ما عليها من لِباس، بكسر اللام.
2- الباطل في كلام العرب: خلاف الحقِّ، ومعناه: الزَّائل، قال لبيد:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ *** وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
قلت: وهي أصدق كلمة قالها شاعر.
وبطَل الشيءُ يبطُل بُطْلا وبُطولا وبُطلانا، وأبطلَه غيره، ويقال: ذهب دمُه بُطْلا، أي: هَدْرا، والباطل: الشيطان، والبَطَل: الشُّجاع، سُمِّي بذلك، لأنه يُبطِل شجاعة صاحبه، قال النابغة:
لهم لِواءٌ بأيدي ماجدٍ بطَلٍ *** لا يقطع الخَرْقَ إلا طرفُه سامي
ويروى: بكفِّي ماجد.
والمرأة بطلة: وقد بَطُل الرَّجل – بالضَّمِّ – يبْطُل بُطولَةً وبَطالةً، أي: صار شجاعا، وبَطَل الأجيرُ – بالفتح – بِطالةً، أي: تعطَّل، فهو بطَّالٌ.

فائدة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله – في قوله تعالى: " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" قال: "ودلَّ هذا على تغليظ الذَّنب على مَن واقَعَه على عِلم، وأنَّه أعصى من الجاهل".

يوسف بن عومر 29 Apr 2014 05:58 PM

قوله تعالى: " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)"
1- الزَّكاة مأخوذة من: زكا الشَّيء: إذا نما وزاد، ومنه: زكا الفرد: إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتَّى صار شفعًا، قال الشاعر:
كانوا خسًا وزكًا من دون أربعةٍ *** لم يَخْلَقوا وجُدُودُ النَّاس تَعْتَلِجُ

جدود جمع جَدٍّ وهو: الحظُّ والبَخْت، تعتلج: ترتفع، اعتلجت الأرض: طال نباتها، خسًا: الفرد، وزكًا: الزَّوج.
وقيل: الزكاة مأخوذة من التَّطْهير.
2- الرُّكوع في اللغة: الانحناء بالشَّخص، وكلُّ منحنٍ راكعٌ، قال لبيد:
أليس ورائي أن تراخَتْ منِيَّتي *** لزومُ العصا تُحنَي عليها الأصابعُ
أُخَبِّر أخبارَ القرونِ التي مضتْ *** أَدِبُّ كأنِّي كلَّما قمتُ راكعُ

ويُستعارُ في الانحطاط في المنزلة، قال الأضبط بن قُرَيْع:
ولا تعادِ الضَّعيفَ علَّكَ أنْ *** تركعَ يومًا والدَّهْرُ قدْ رفعَهْ

خالد أبو علي 30 Apr 2014 10:13 PM

بارك الله فيك على الفوائد

يوسف بن عومر 10 May 2014 10:54 PM

قوله تعالى: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)"
1- البِرُّ: الطَّاعة والعملُ الصَّالحُ، والبِرُّ: الصِّدق، والبرُّ: ولدُ الثَّعْلَب، والبِرُّ: سَوْق الغنم، ومنه قولهم: " لا يعرف هِرًّا من بِرٍّ " أي: لا يعرف دعاءَ الغنم من سَوْقها، فهو مشترك، وقال الشاعر:
لا هُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْرًا دُونَكَا *** يَبَرُّكَ النَّاس ويَفْجُرونَكَا

أراد بقوله: " يبَرُّكَ النَّاسُ ": أي يطيعونك.
ويقال: إنَّ البِرَّ الفؤاد في قول خِداش بن زهير:
أكونُ مكان البِرِّ مِنْه ودونَه *** واجعلُ ما لي دونَه وأُوامِرُه

والبُرُّ - بضم الباء- معروفٌ، و – بفتحها-: الإجلال والتَّعظيم، ومنه ولد بَرُّ وبارٌّ، أي: يُعظِّم والدَيْه ويُكرمُهُما.
2- وأنفُس: جمع نفْسٍ، جمعُ قِلَّة.والنَّفْس: الرُّوح، يُقال: خَرجَتْ نفسُه، قال أبو خِراشٍ الهُذَلي ويُنسب لحذيفة بن أنس:
نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ منه بِشِدْقِه *** ولم ينجُ إلَّا جَفْنَ سَيْفٍ ومِئْزَرَا
أي: بجفْنِ سيفٍ ومئزرٍ.
والنَّفْس – أيضا -: الدَّمُ، يقال: سالتْ نفسُه، قال السَّموأل:
تَسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نفوسُنا *** وليستْ على غيرِ الظُّباتِ تسيلُ
والنفس – أيضا -: الجسد، قال أوس بن حجر:
نُبِّئْتُ أنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أدخَلُوا *** أبْيَاتَهم تَامُورَ نَفْسِ المُنذِرِ
والتَّامور – أيضا -: الدَّمُ.
3- والعَقْلُ: المَنْع، ومنه: عِقال البعيرِ، لأنَّه يمنع عن الحركة، ومنه العَقْل للدِّيَة، لأنَّه يمنع ولِيَّ المقتول عن قتْلِ الجاني، ومنه: اعتقال البَطْن واللَّسان، ومنه يقال للحصن: مَعْقِل، والعقْلُ نقيضُ الجهْل، والعقل: ثوبٌ أحمر تتَّخذُه نساء العرب تُغَشِّي به الهوادج، قال علقمة بن عبد الفحل:
عَقْلًا ورَقْمًا تكاد الطَّير تخطَفُه *** كأنَّه مِن دَم الأجوافِ مَدْمُومُ
ويروى: تظل الطير تتبعه.
المدموم - بالدَّال المهملة -: الأحمر وهو المراد هنا.والمدموم الممتلئ شحما من البعير وغيره، ويقال: هما ضربان من البرود، قال ابن فارس: والعقل من شِيات الثياب: ما كان نقشه طولًا، وما كان نقشه مستديرا فهو الرَّقم.

موعظة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "اعلم - وفَّقك الله تعالى - أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البِرِّ لا بسبب الأمر بالبِرّ، ولهذا ذمَّ اللهُ تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البِرِّ ولا يعملون بها، وبَّخهم به توبيخا يتُلْى على طول الدَّهر إلى يوم القيامة، فقال: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ " الآية.
وقال منصور بن إسماعيل، أبو الحسن التميمي الشافعي فقيه مصر (ت:336هـ) فأحسن:
إنَّ قوما يأمرُونا *** بالذي لا يَفعَلونا
لَمجانينُ وإن هُم *** لم يكونوا يُصرَعونا
وقال أبو العتاهية إسماعيل بن قاسم بن سويد العنَزي (ت:213هـ):
وصفتَ التُّقى حتَّى كأنَّك ذو تُقى *** ورِيح الخطايا من ثيابِك تَسْطَعُ
وقال أبو الأسود الدُّؤَلِي في الأبيات المشهورة عنه وتنسب إلى المتوكل الكناني، والأخطل، وسابق البربري، والطِّرِمَّاح:
لا تَنْهَ عن خلُقٍ وتأتي مثلَه *** عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
وابدأْ بنفسِك فانْهَها عن غَيِّها *** فإنِ انتهَتْ عنه فأنتَ حكيمُ
فهناك يُقْبَل إن وعظتَ ويُقْتَدَى *** بالقولِ منكَ وينفعُ التَّعليمُ

وقال أبو عمرو محمد بنُ جعفر بن محمد بن مطَر النيسابوري المحدث (ت:360هـ): حضرتُ مجلسَ أبي عثمان الحِيْرِي الزَّاهدِ، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتَّذكير، فسكت حتَّى طال سكوتُه، فناداه رجلٌ كان يُعرفُ: بأبي العبَّاس: تَرى أن تقولَ في سكوتِك شيئا ؟ فأنشأ يقول:
وغيرُ تقيٍّ يأمر النَّاسَ بالتُّقى *** طبيبٌ يُداوي والطَّبيبُ مريضُ
قال: فارتفعت الأصواتُ بالبكاء والضَّجيج .
قال إبراهيم النَّخَعِيّ – رحمه الله -: "إنِّي لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ "، وقوله: " لم تقولون ما لا تفعلون " ، وقوله: " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ".
وقال سَلْمُ بن عمرو - رَاوِيَةُ بشَّار بنِ بُرد وتلميذُه -:
ما أقبحَ التَّزهيدَ مِنْ واعِظٍ *** يزهِّدُ النَّاسَ ولا يزهَدُ
لو كان في تزهيدِه صادِقًا *** أضحى وأمسى بيتُه المسجدُ
إنْ رَفَض الدُّنيا فما بالُه *** يستمنِح النَّاس ويسترفِدُ
والرِّزقُ مقسومٌ على مَنْ تَرَى *** يسعى له الأبيضُ والأسودُ
وقال الحسن لمطرِّف بن عبد الله: عِظْ أصحابك، فقال: إنِّي أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله ! وأيُّنا يفعل ما يقول ! ويودُّ الشَّيطانُ أنَّه قد ظفر بهذا، فلم يأمرْ أحدٌ بمعروفٍ ولم ينهَ عن منكرٍ.
وقال مالكُ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت سعيدَ بن جبير يقول: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتَّى لا يكون فيه شيءٌ، ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى عن مُنكر".
قال مالك"وصدَقَ، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيءٌ" اهـ.
فائدة:
وقال الزجاج: "العاقِلُ مَنْ عمِل بما أوْجب اللهُ عليه، فمَنْ لم يعملْ فهو جاهِلٌ".

يوسف بن عومر 02 Aug 2014 04:13 PM

قوله تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)"
1- الصَّبر: الحَبس في اللُّغة، وقُتِل فلانٌ صبراً، أي: أُمسِك وحُبِس حتّى أُتلِف، وصًبَرتُ نفسي على الشَّيءِ: حبسْتُها، والمَصْبورَةُ التي نُهِي عنها في الحديث: هي المحبوسة على الموت، وهي المُجثَّمة، وقال عنترة بن شدَّاد:
فصبَرْتُ عارِفةً لذلك حرَّةً *** ترسو إذا نفْسُ الجبانِ تَطلَّعُ

2- قوله تعالى: "وإنها لكبيرة" اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله: " وإنها "، فقيل: إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال: " والله ورسولُه أحقُّ أن يُرضوه " ولم يقل: يرضوهما لأنَّ رضا الرَّسول داخل في رضا الله عزَّ وجلَّ، ومنه قول حسَّان بن ثابت الأنصاري:
إنَّ شرخ الشَّباب والشَّعَر الأســ *** ــــود ما لم يُعاصَ كان جنونا
ولم يقل: يعاصيا، رد إلى الشباب لأنَّ الشَّعر داخل فيه.
وقيل: ردَّ الكناية إلى كلِّ واحد منهما لكن حذف اختصارا قال الله تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " ولم يقل: آيتين، ومنه قول ضابئ بن الحارث البرجمي:
فمَن يَكُ أمسى بالمدينة رحلُه *** فإنِّي وقَيَّار بها لغريب
وقال آخر:
لكلِّ همٍّ من الهموم سَعَهْ *** والصُّبحُ والمَسْيُ لا فلاح معَهْ
أراد: لغريبان، لا فلاح معهم.

3- قوله تعالى: "على الخاشعين" الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع. والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. وقال قتادة: الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة:
رمادٌ ككُحل العين لأْيًا أُبينُه *** ونُؤْيٌ كجِذْمِ الحوض أَثْلَمُ خاشعُ

فائدة:
قال سفيان الثوري: سألتُ الأعمشَ عن الخشوع، فقال: يا ثوريّ أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ! سألتُ إبراهيمَ النخعيَّ عن الخشوع فقال: أُعيمِشُ ! تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ! "ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس ! لكنَّ الخشوع أن تَرى الشريف والدَّنيءَ في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك".
ونظر عمر بن الخطاب إلى شابٍّ قد نكَّس رأسَه فقال: "يا هذا ! ارفع رأسك فإنَّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب".
وقال علي بن أبي طالب: "الخشوع في القلب، وأن تلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك".
قال سهل بن عبد الله: " لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى: " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ".
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نقاق".

يوسف بن عومر 04 Aug 2014 04:31 PM

قوله تعال: "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)"
1- والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى: " إني ظننت أني ملاق حسابيه "، وقوله: " فظنوا أنهم مواقعوها " ، قال دريد بن الصِّمَّة أبو قرة الجشمي من بني غزيَّة:
فقلتُ لهم: ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ *** سُرَاتُهُمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ
ويروى: علانيةً ظُنُّوا....
معنى مدجج: فارس شاكٍ، وسراتهم: رؤساؤهم وخيارهم، الفارسي المسرَّد: الدروع والسرد: تتابع الشيء، وكأنه أراد في الدروع تتابع الحلق في النسج.
وقال أبو دؤاد جارية بن الحجَّاج الحذاقي الإيادي أحد نُعَّات الخيل المجيدين:
رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتُهُ بِغَرِيمِ *** وغُيوبٍ كشَّفْتُها بظُنُونِ
ويروى: بعزيم...

فائدة: وقد يجيء اليقين بمعنى الظن.

يوسف بن عومر 07 Aug 2014 07:05 PM

قوله تعالى: "وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)"
1- وفى الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف.قال البصريون: التقدير: "يوما لا تجزى" فيه "نفس عن نفس شيئا" ثم حذف "فيه" كما قال الشَّاعر:
يومًا شَهِدناه سَليمًا وعامرًا *** قليلا سوى الطعن النِّهال نوافِلُه
أي: شهدنا فيه.
وقال الكسائي: هذا خطأ لا يجوز حذف " فيه "، ولكن التقدير: واتقوا يوما لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء، وإنما يجوز حذف "الهاء" لأنَّ الظروف عنده لا يجوز حذفها، وقال الفراء: يجوز أن تحذف "الهاء" و"فيه"، وحُكى المهدوِيُّ: أنَّ الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش والزَّجَّاج.
2- ومعنى: " لا تجزي نفس عن نفس شيئا "، أي: لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئا تقول: جزى عنِّي هذا الأمر يجزي كما تقول قضى عنِّي، واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به قال الشاعر أبو حنبل جارية بن مرَّة الطائي:
فإنَّ الغدرَ في الأقوام عارٌ *** وأنَّ الحرَّ يَجْزَأُ بالكُراع
أي: يكتفي بها.
3- وقرى " تُجزئُ " بضم التاء والهمز، ويقال: جَزَى وأَجْزَى بمعنى واحد،وقد فرَّق بينهما قوم فقالوا: جَزَى بمعنى: قضى وكافأ، وأجزى بمعنى: أغنى وكفى، أجزأني اليءُ يجزئني، أي: كفاني قال الشاعر:
وأجزأتَ أمرَ العالمين ولم يكن *** ليُجزئَ إلَّا كاملٌ وابنُ كاملِ
4- قوله تعالى: "ولا هم ينصرون" أي: يعانون، والنَّصر: العون، والأنصار: الأعوان، ومنه قوله: "من أنصاري إلى الله " أي: من يضمُّ نصرته إلى نصرتي وانتصر الرَّجل: انتقم، والنَّصر: الإتيان يقال: نصرت أرض بني فلان أتيتها قال الرَّاعي النُّمَيْري:
إذا دخل الشَّهر الحرام فودِّعي *** بلادَ تميم وانصري أرضَ عامرِ

والنَّصر: المطر، يقال: نُصِرت الأرضُ: مُطِرتْ، والنَّصر: العطاء، قال:
إنِّي وأَسطارٍ سُطرنَ سَطْرا *** لَقَائلٌ: يانَصْرُ نَصْرًا نَصْرًا

فائدة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "مذهب أهل الحقِّ أنَّ الشفاعة حق وأنكرها المعتزلة وخلَّدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنَّ مَن كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين.
وقد تمسك القاضي في الرد بشيئين:
أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى.
والثاني: الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول، ولم يبدُ من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير، فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة".

يوسف بن عومر 27 Aug 2014 11:45 AM

قوله تعالى: "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)"

1- واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أو لا ؟
فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا: اللهم صل على محمد وآل محمد ولا يقال وآله والصواب أن يقال: أهله.وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم ابن السَّيد وهو الصواب لان السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد المطلب:
لا هُمَّ إن العبد يمنــ *** ــع رحلَه فامنع حِلالك
وانصر على آل الصليــ *** ــب وعابديه اليوم آلَك
حِلالك: القوم المقيمون المتجاورون، يريد سكان الحرم.
وقال خفاف بن ندبة:
أنا الفارسُ الحامي حقيقةَ والدي *** وآلي كما تحمي حقيقة آلكا
وهكذا أورده ابن القيم في "جلاء الأفهام" لكن من غير نسبة.
والذي في الديوان:
أنا الفارسُ الحامي حقيقةَ والذي *** به أُدرك الأبطالَ قِدما كذلك
وفي "الخزانة":
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي *** به تُدرَك الأوتار قِدما كذلك

وعليه فلا شاهد فيه.
الحقيقة: ما يحق على الإنسان أن يحميه، أي: تجب عليه حمايته.
1- قوله تعالى: "يسومونكم" قيل: معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه، وقال أبو عبيدة: يولونكم يقال: سامه خطة خسف: إذا أولاه إياها، ومنه قول عمرو ابن كلثوم:
إذا ما المَلْك سام الناسَ خَسفا *** أبَيْنا أن نُقرَّ الخسف فينا
2- قوله تعالى: "يذبحون أبناءكم ": " يذبحون " بغير واو: على البدل من قوله: "يسومونكم " كما قال عبيد الله بن الحُرّ - وأنشده سيبويه -:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *** تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

ويحتمل أن يقال: إن الواو زائدة بدليل سورة " البقرة "، والواو قد تزاد كما قال امرؤ القيس:
فلمَّا أجَزْنا ساحة الحيِّ وانتحَى *** بنا بطن حِقفٍ رُكام عَقَنقَل
أي: قد انتحى.
وقال آخر:
إلى الملك القَرْم وابن الهُمام *** وليثِ الكتيبة في المُزْدَحم
أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير.

3- قال ابن كيسان: ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه، وأنشد لزهير:

جزى اللهُ بالإحسانِ ما فعلا بكمْ *** وأبلاهُما خير البَلاء الذي يَبْلُو

فجمع بين اللغتين والأكثر في الخير: أبليته، وفي الشَّر: بلوْته، وفى الاختبار: ابتليته وبَلوْته، قاله النحاس.

يوسف بن عومر 25 Oct 2014 12:49 PM

قوله تعالى:"وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)"

1- "البَحْرُ": البحر معروف سُمِّيَ بذلك لاتِّساعه.ويقال: فرَسٌ بَحْرٌ: إذا كان واسعَ الجَرْيِ، أي: كثيرَه.ومن ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مندوب فرس أبى طلحة: "وإنْ وجدْناه لبَحْرًا" رواه أحمد والبخاري ومسلم، والبَحْرُ: الماء المِلْحُ.ويقال: أبحر الماء: مَلُحَ، قال نصيب بن رباح المُكاتِب:

وقدْ عادَ ماءُ الأرض بحْراً فزادني *** إلى مرضى أن أبحَرَ المَشْرَبُ العذْبُ

ويروى: إلى ظمأي...

والبحر: البلدة، يقال: هذه بَحْرَتُنا أي: بلدتنا.قاله الأموي عبد الله بن سعيد أبو محمد اللغوي الكوفي.
والبحر: السُّلال المرض يصيب رئة الإنسان، فيُهزِله ويُضنيه ويقتله مثل: قرحة أو زكام ونوازل أو سعال طويل وتلزمها حُمَّى هادئة .ويقولون: لَقِيتُهُ صَحْرَةً بَحْرَةً، أي: بارِزًا مَكْشُوفًا.

قلت: ومنه قولهم في العامية: "خَلِّيتَهْ صَحْرَهْ"، يعني: مكشوفًا لا شيء عنده، والله أعلم.


2- قوله تعالى: "وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ"، يقال: غَرِق في الماء غَرَقا، فهو غَرِقٌ وغَارِقٌ – أيضا - ومنه قول أبي النَّجم:

فأَصْبَحوا في الماءِ والخنادِقِ * ** مِنْ بَيْنِ مَقْتُولٍ وطافٍ غارِقِ

وأَغْرَقَهُ غيرُه وغَرَّقَهُ، فهو مُغَرَّقٌ وغَريقٌ. ولِجَامٌ مُغَرَّقٌ بالفضَّة، أي: مُحَلَّى. والتَّغْرِيقُ: القَتْلُ، قال الأعشى ميمون بن قيس أبو بصير:

أَطورَيْن في عامٍ: غزاةٌ ورحلةٌ *** ألا ليت قيْسًا غَرَّقَتْهُ القَوابِلُ

المراد به: قيس بن مسعود الشَّيْبَاني.
وذلك: أنَّ القابلةَ كانت تُغَرِّق المَوْلودَ في ماء السَّلَى – وهو غشاء رقيق يحيط بالجنين، ويخرج معه من بطن أمِّه - عام القحط، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى حتى يموت، ثم جُعِل كُلُّ قَتْلٍ تغريقًا، ومنه قول ذي الرُّمَّة:

إذا غَرَّقَتْ أرباضُها ثِنْىَ بكَرْةَ ٍ*** بتَيْهاءَ لم تُصْبِح رَؤُومًا سَلُوبُهَا

الأَرْبَاُض: الحِبال. والبَكْرة: النَّاقةُ الفَتِيَّةُ، وثِنْيُهَا: بطنها الثاني، ورؤوم: عطوف، وسَلوب: مات ولدها أو ألقته لغير وقته، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التَّعب.

يوسف بن عومر 15 Nov 2014 11:03 AM

قوله تعالى: "وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) "

1- وأصل "اتَّخَذْتُمُ": اِئتَّْخذتم من الأخذ ووزنه: افتعلتم، سُهِّلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فجاء ايتَخَذتُم، فاضطربت الياء في التصريف: جاءت ألفا في ياتَخِذُ، وواوًا في مُوتَخِذ، فبُدِّلت بحرف جَلْد ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، وأدغمت، ثمَّ اُجْلُبَِتْ ألفُ الوصل للنطق، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى: " قلْ أَتَّخذتم عند الله عهدا "، فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال ذو الرُّمَّة غيلان بن عقبة (ت: 117هـ): من البسيط
أَستحدَثَ الرَّكبُ عن أشياعهم خَبَرَا *** أم راجعَ القلبَ من أطرابه طَرَبُ
ونحوه في القرآن:" أطَّلع الغيب "، " أَصْطفى البنات "، " أَسْتكبرت أم كنت ".
ومذهب أبي علي الفارسيِّ أنَّ "اتَّخَذْتُمُ": من "تَخِذَ"، لا من "أَخَذَ".
فائدة:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله – (ج2 / 105): "روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يشكرُ اللهَ مَنْ لا يشكرُ النَّاسَ".
قال الخطَّابيُّ ( قلت: في "معالم السنن" 4 / 113): هذا الكلام يتأول على معنيين:
أحدهما: أنَّ مَنْ كان من طبعه كُفران نعمةِ النَّاس وتركِ الشُّكر لمَعْروفِهم، كان مِن عادتِه كُفران نعمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتركِ الشُّكرِ لَهُ.
والوجه الآخر: أنَّ الله سبحانه لا يقبل شكرَ العبدِ على إحسانه إليه إذا كان العبدُ لا يشكرُ إحسانَ النَّاس إليه، ويكفُرُ معروفَهم لاتِّصال أحدِ الأمْرَيْن بالآخر" اهـ.

يوسف بن عومر 15 Nov 2014 11:12 AM

قوله تعالى: "وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)"

1- قيل أنَّ "الْفُرْقَانَ": هو الكتاب، أُعيدَ ذِكرُه بِاسْمَيْنِ تأكيدًا.
ومنه قول عدي بن زيد العبادي: من الوافر
وقدَّمتِ الأديمَ لِراهِشَيهِ *** وأَلْفَى قَوْلَهَا كذِبًا ومَيْنَا
والمَيْن: الكذب، عطفه تأكيدا، ولكن قال ابن قتيبة الدَّيْنُورِي – رحمه الله – في عدي بن زيد، في كتابه "الشعر والشعراء": "وعلماؤنا لا يرون شعره حجة" اهـ.
وقال الحطيئة جَرْوَل بن أوس (ت: 45هـ): من الطويل
ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ *** وهندُ أتى مِن دونهِا النَّأْيُ والبُعْدُ
من قصيدة وفيها:
أَقِلّـوا عَلَيهِم لا أَبا لِأَبيكُمُ *** مِنَ اللَومِ أَو سُدّوا المَكانَ الَّذي سَدّوا

فعطف البُعد على النَّأي تأكيدا.
ومنه قول عنترة بن شدَّاد بن عمرو العَبسي (ت: 22 ق.هـ) في معلَّقته: من الكامل، ومطلعها:
هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ *** أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ
وفيها:
حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهدُهُ *** أَقوى وَأَقفَرَ بَعدَ أُمِّ الهَيثَمِ

فعطف الإقفار على القَواء تأكيدا، والقَيّ والقَوَى والقَواءُ: القفر.
قال النَّحاس: وهذا إنَّما يجيء في الشعر.

قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: "فرقا بين الحق والباطل"، أي: الذي علَّمه إيَّاه" اهـ.
وقيل: الواو صلة في قوله: "الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ"، والمعنى: آتينا موسى الكتابَ الفرقانَ، والواو قد تُزادُ في النُّعوت، كقولهم: فلانٌ حسَن وطويلٌ، قال الشاعر: من المتقارب
إلى الملِك القَرْمِ وابنِ الهُمام *** وليثِ الكَتِيبَةِ في المُزدَحَمْ
قال البغدادي في "الخزانة" (1 / 451): " يجوز عطف أحد الخبرين على الآخر، كما يجوز عطف بعض الأوصاف على بعضها كما هنا، فابن الهمام وليث الكتيبة وصفان للملك، وقد عطفا على الصفة الأولى، وهي القرم.
واستشهد به الفراء في "معاني القرآن" وصاحب "الكشاف" – أيضاً – لهذا الأمر" اهـ.

يوسف بن عومر 17 Nov 2014 10:17 PM

قوله تعالى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)"
1- القوم: الجماعة الرِّجَالُ دون النِّساء، قال الله تعالى: " لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ"، ثم قال: " وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ "، وقال زهير بن أبي سُلمَى (ت: 13 ق.هـ): من الوافر
وما أدري وسوفَ إخالُ أدْري *** أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ
وقال تعالى: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ": أراد الرِّجالَ دونَ النِّساءِ.
وقد يقع القوم على الرِّجال والنِّساء، قال الله تعالى: " إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ" وفيهم الرِّجال والنِّساء.
2 قوله تعالى: " بَارِئِكُمْ ": البارئ: الخالق، وبينهما فرق، وذلك أنَّ البارئ هو:المبدع المحدث، والخالق هو المُقدِّر النَّاقل مِنْ حالٍ إلى حالٍ، والبريَّة: الخلقُ، وهي "فَعِيلة" بمعنى: مفعولة، غير أنَّها لا تُهمز.
وقرأ أبو عمرو " بَارِئْكُمْ " بسكون الهمزة.
قال النحاس وغيره: وقد أجاز ذلك النَّحويون القدماءُ الأئمَّةُ، وأنشدوا وينسب لأبي نُخيْلة بن حَزَن التَّميمي (ت: 145 هـ): من الرَّجز
إِذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ *** بالدَّوِّ أمثالَ السَّفينِ العُوَّمِ
وقال امرؤ القيس: من السَّريع
فاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ *** إِثْماً منَ اللهِ ولا واغِلِ

وقال آخر وينسب للعذافر الكندي:
* قالتْ سُليْمى اشْتَرْ لنَا سَوِيقَا *
وقال الأُقَيْشِر - المغيرة بن عبد الله - الأَسَدي (ت: 80 هـ): من السَّريع
رُحتِ وفي رجليْكِ ما فيهما *** وَقَد بَدا هَنكِ مِنَ المِئزَرِ
ويُروى للفرزدق هكذا:
رُحتِ وَفي رِجلَيكِ عُقّالَةٌ *** وَقَد بَدا هَنكِ مِنَ المِئزَرِ

وصوَّب البغدادي في "الخزانة" (4 / 484): أن البيت للأُقَيْشر، فالله أعلم.
فمَن أنكر التَّسكينَ في حرف الإعراب فحجته أنَّ ذلك لا يجوزُ من حيث كان عَلَمًا للإعراب.
قال أبو عليّ: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات.


استدراك:
قال المظفّر العلويّ (ت: 656 هـ) في "نُضرة الإغريض في نُصرة القريض" ( 1 / 134): "فأما حذفُ الإعراب فلا يجوز للعربيّ فضْلاً عن المولّد، قال الرَّاجز:
إذا اعوجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ *** بالدّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ
وأنشد سيبويه:
فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ *** إثْماً من الله ولا واغِلِ
يريدُ: أشربُ، فحذفَ الضمَّة وهو لحْن، والروايةُ الصَّحيحة فيه:
فاليوم فاشْرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ ***............
" اهـ.
ويروى:
فاليوم أُسقَى ......، وعليه فلا شاهد فيه.

وأما البغدادي فقال: "ولم يكن سيبويه ليروي إلَّا ما سمع" وقال قبلُ: "وروى غير سيبويه هذه الأبيات على الاستقامة" وقال بعدُ: "وهو الثابت في اللغة" ثمَّ قال: "وقد ذكر سيبويه أنَّ القياس غير الذي رُوي" والله أعلم.

يوسف بن عومر 22 Nov 2014 01:07 PM

قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)"

1- أصلُ البعثِ الإرْسالُ، وقيل: بلْ أصله إثارَةُ الشَّيءِ من مَحَلِّه، يقال: بعثتُ النَّاقةَ: أَثَرْتُها، أيْ: حرَّكتُها، قال امرؤ القيس من قصيدة مطلعها: من الطويل

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَعِرفانِ *** وَرَسمٍ عَفَت آياتُهُ مُنذُ أَزمانِ

وفيها:

وفتيانِ صدقٍ قد بعثتُ بسُحرةٍ *** فقاموا جميعًا بين عاثٍ ونَشْوان


وقال عنترة من قصيدة مطلعها: من الكامل

يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي *** إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها

وفيها:

وَصَحابَةٍ شُمَّ الأُنوفِ بَعَثتُهُم *** لَيلاً وَقَد مالَ الكَرى بِطُلاها

قلت: وإنما يصحُّ هذا المعنى إذا كان معنى الموت هو: همود يعتبر به الغير، وقيل: معنى قوله: "ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ": علَّمناكم بعد جهلكم.
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: "والأول أصحُّ، لأنَّ الأصل الحقيقة، وكان موتَ عقوبةٍ" اهـ يعني: الموتَ على الحقيقة والله أعلم.

تعقيب:
قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: " وقدُ اختُلِف في جواز رؤيةِ الله تعالى، فأكثرُ المبتدعةِ على إنكارها في الدُّنيا والآخرة.
وأهلُ السُّنَّة والسَّلف على جوازها فيهِما ووقوعها في الآخرة، فعلى هذا لم يطلبوا من الرُّؤية مُحَالًا، وقد سألها موسى عليه السَّلام"
اهـ.

قلتُ – وبالله التَّوفيقُ -:

هناك مسْألتان تتعلَّقان بالرُّؤيةِ نذكرها باختصارٍ شديدٍ ومَن أراد التفصيلَ فعليه بكتب العقائد السَّلفيَّة:

المسألة الأولى: رؤيتُه تعالى في الدُّنيا، وفيها فروع:

الأول: رؤية الملائكة لربِّهم، وفيها خلاف، وليس هناك دليل صريح أو صحيح يثبت ذلك، فوجب التَّوقف، بلْ جاء ما يدلُّ على أنَّ الملائكة يعبدون الله تعالى في الدُّنيا، حتَّى إذا كان يوم القيامة، كشف لهم عن الحجاب، فيقولون: "سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك" والله أعلم.

الثاني:
رؤية الأنبياء لربِّهم، فاختُلف في آدم عليه السلام هل رأى ربَّه؟ وإنما المُثبَت الكلام دون الرُّؤية، وقد يُستدلُّ على الرُّؤية أنَّ المؤمنين يدخلون الجنَّة على صورة آدم، وآدم إنما خلق في الجنّة، جنَّة عدن، على الصّحيح، والرُّؤية ثابتة للمؤمنين في الجنَّة بالاتِّفاق، والله أعلم.

وأمّا موسى عليه السَّلام، فقد طلبها لمَّا كلّمه ربه وهو على الجبل، فحدث ما حدث، فاندكَّ الجبل، وخرَّ موسى صعقًا، ولم يسطِع ذلك مع أنَّه من أولى العزم من الرُّسل، والخبر في التَّنزيل من سورة الأعراف.

وأمَّا نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، فقد اختُلف في ذلك أيضا والصحيح الذي عليه المحقِّقون من أهل العلم: أنّه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه، وقال عليه الصلاة والسَّلام: "نور أنَّى أراه"، وبهذا يجمع بين رأي عائشة رضي الله عنها، ورأي أبي ذرٍّ وابن عبَّاس وغيرهما رضي الله عنهم.

وأمَّا غيرهم من الأنبياء فلم يثبت ما يدل على الاختلاف في رؤيتهم لربِّهم، فنتوقَّف.

الثَّالث: رؤية غير الأنبياء لربِّهم، أمَّا حواء عليها السلام أمُّنا فيقال فيها ما قيل في آدم والله أعلم.

وأمَّا أصحاب موس عليه السلام فقد قال الله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ".

وأمَّا أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم وأمَّته من بعده، أعني صالحيهم ومن اتَّبع بإحسان، ففيه خلاف، فمنهم من أثبتها وهي رواية عن أحمد، والجمهور على خلاف ذلك، وهو الصَّحيح لعدَّة وجوه، يضيق المقام بذكرها، ولعلَّ من أقوى الوجوه الخلاف المذكور عن الأنبياء ونبيِّنا عليهم الصلاة والسلام.

المسألة الثانية: رؤية الله تعالى في الآخرة، أما في الجنة، فالمؤمنون يرون حقًّا ربَّهم، بل هو أعظم نعيمٍ يعطوه، وهذا بالاتِّفاق، فنسأل الله تعالى أنْ لا يُحرمناهُ، والأدلَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر، وهي مما تواتر به النَّقل من القرآن والسُّنَّة، خلافا للمعتزلة والخوارج المارقين.

وأما في الموقف، فيراه أهل الموقف كلُّهم، كافرهم ومؤمنهم، ولكن الرؤية بالنسبة للكفار هي رؤية تعذيب وعقاب لا رؤية تنعيم، لقوله تعالى: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ" والحجب لا يكون إلا بعد الكشف، وهو أبلغ في التقريع والتعذيب، والله أعلم، وبهذا قال عبد الرّزاق عفيفي رحمه الله في فتاويه (ج1 / 157).

يوسف بن عومر 03 Jan 2015 10:02 PM

قوله تعالى: "وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)"
1- معنى "السلوى": طير، وقيل :العسل بلغة كنانة سُمِّي به لأنَّه يُسلَّى به، قاله الخليل في "العين" والجوهري في "الصحاح"، ومنه قول خالد بن زهير - ابن أخت أبي ذؤيب - الهذلي: من الطويل

وَقاسَمَها بِاللَهِ جَهداً لَأَنتُم *** أَلَذُّ مِنَ السَلوى إِذا ما نَشورُها
وقال الزَّجَّاج: أخطأ خالد الهذلي، إنما السَّلوى طائر، وتبعه ابن عطية وقال: "بإجماع المفسِّرين" وقال أبو عبد الله القرطبي: "وما ادَّعاه من الإجماع لا يصحُّ" اهـ، والله أعلم.
ومعنى "ما نَشُورُها": نأخذُها من خليَّتِها كما في "لسان العرب" ( سلا ).
ومنه عين السُّلوان، وقال العجاج: من الرَّجز

لَو أَشرَبُ السُلوانَ ما سَليتُ *** ما بي غِنىً عَنكَ وَإِن غَنيتُ


2- والسُّلوانة - بالضم -: خرزة كانوا يقولون إذا صُبَّ عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا، قال:من الطويل

شَربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزنَة *** فلا وجديدِ العيش - يا مَيُّ - ما أسْلُو

واسم ذلك الماء السُّلوان.
وقال بعضهم: السُّلوان دواء يُسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المُفرِّح، قلت: فأشبه "التَّلبينة" التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنها مُجِمَّة لفؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن" رواه أحمد وغيره.
يقال: سَلَيْت وسَلَوْت لغتان.
وهو في سُلْوَة من العيش، أي: في رغد.
3- واختلف في السَّلوى هل هو جمع أو مفرد؟ فقال الأخفش: جمع لا واحد له من لفظه، وقال الخليل: واحده سَلْوَاة وأنشد: من الطويل

وإنِّي لتعروني لذكرك هزَّةٌ *** كما انتفَضَ السَّلْوَاةُ من بلل القطر

وقال الكسائي: السَّلْوَى واحدة، وجمعه سَلَاوِى.

******

يوسف صفصاف 04 Jan 2015 10:54 AM

حفظك الله أخي يوسف من كل سوء.
جزاك الله خيرا على هذا العمل الطيب، أسأل الله لك التوفيق و السداد.

يوسف بن عومر 06 Jan 2015 02:22 PM

قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)"
1- قوله تعالى: "هَذِهِ الْقَرْيَةَ"، أي: المدينة سُمِّيَت بذلك لأنَّها تقََرَّت أي: اجتمعت، ومنه قَرَيْت الماء في الحوض، أي: جمعته، واسم ذلك الماء قِرى - بكسر القاف – مقصور، وكذلك ما قُرِيَ به الضَّيْفُ قاله الجوهري.
والمِقْرَاة للحوض، والقَرِيُّ لمسيل الماء، والقَرَا للظَّهر ومنه قول حميد الأرقط: من مخلَّع البسيط

لا خَطِل الرَّجْع ولا قَرونِ *** لاحِقِ بَطْنٍ بِقَرَا سَمِينِ


والمَقَارِي: الجِفَانُ الكِبَارُ قال : من الطويل

* عِظَامُ المَقَارِي ضَيْفُهُمْ لا يُفَزَّعُ *


ويروى: جارُهم بدل: ضيفُهم.
وواحد المَقَاري: مِقْرَاة، وكلُّه بمعنى الجمع غير مهموز. والقِرْيَة - بكسر القاف - لغة اليَمَنِ.

2- الباب يجمع أبوابًا وقد قالوا: أبْوِبَة، للِازدِوَاج، لمكان: أخبية، ليشبهه في السجع والوزن، قال تميم بن أُبَيّ بن مُقبل (ت: 37هـ) -وقيل: القُلاخ بن حُباب-: من البسيط

هَتَّاكِ أَخْبِيَةٍ وَلاّجِ أَبْوِبَةٍ *** يَخْلِطُ بِالبِرِّ مِنْهُ الجِدَّ واللِّينَا

قال ابن قتيبة الدّينوري في "أدب الكاتب": "فجمعَ البابَ: أبوبةً، إذْ كان مُتبَعًا لأخبِيَةٍ، ولو أفرده لم يجز" اهـ.

3- "حِطَّةٌ" بالرفع قراءة الجمهور، وهو أولى من النَّصب في اللغة، لما حُكِيَ عن العرب في معنى: "بدَّل" التي بعدها، قال أحمد بن يحيى: يقال بدَّلتُه، أي: غيَّرتُه، ولم أُزِلْ عينَه.
و"أبدَلْتُه": أزلت عيْنَه وشخْصَه، كما قال أبو النَّجم العِجلي: من الرَّجز

نَحَّى السَديسَ فَاِنتَحى لِلمُعَدَّلِ *** عَزلُ الأَميرِ لِلأَميرِ المُبْدَلِ


4- ومن معاني "الحِطَّةٌ": التَّوبة، قاله أبان بن تغلِب الكوفي الشِّيعي (ت:141هـ) روى له الجماعة إلا البخاري، قال الشَّاعر: من الخفيف

فازَ بالحِطَّة التي جَعَل اللـَّــ *** ـــهُ بها ذَنْبَ عبدِه مَغْفورَا


******

يوسف بن عومر 06 Jan 2015 02:23 PM

آمين أخي "يوسف" ولك بالمثل.

يوسف بن عومر 14 Jan 2015 05:32 PM

قال تعالى: " فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)"
1- كرَّرَ لفظ: " ظَلَمُوا " ولم يُضمِره تعظيمًا للأمر، والتَّكرير يكون على ضربين:
أحدهما: استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية، وقوله: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ" ، ثم قال بعد: "فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ"، ولم يقل: مِمَّا كتبوا، وكرَّر الويلَ تغليظًا لفعلهم، ومنه قول الخنساء: من المتقارب

تَعَرَّقَني الدَهرُ نَهساً وَحَزّاً *** وَأَوجَعَني الدَهرُ قَرعاً وَغَمزا

أرادت: أنَّ الدَّهر أوجعها بكُبْرَيات نوائبه وصُغْرَيَاتها.

والضرب الثاني: مجيء تكرير الظَّاهر في موضع المُضمَر قبل أن يتمَّ الكلام، كقوله تعالى: "الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)" و "الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)" ، كان القياس لولا ما أريد به من التَّعظيم والتفخيم: الحاقَّة ما هي؟ والقارعة ما هي؟ ومن هذا الضَّرْب قول الشَّاعر وهو جرير: من الكامل

لَيتَ الغُرابَ غَداةَ يَنعَبُ بِالنَوى *** كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأَوداجِ

ويُروى: ينعب دائبا، ويُروى: دائما.

وقد جمع عدِيُّ بن زيد المعنَيَيْن ويُنسب لابنه: سَواد، وقيل لأميَّة بن أبي الصّلت، فقال: من الخفيف

لا أَرى المَوتَ يَسبِقُ المَوتَ شَيءٌ *** نَغَّصَ المَوتُ ذا الغِنَى وَالفَقيرا

فكرَّر لفظ: الموت ثلاثا، وهو من الضَّرْب الأوَّل، ومنه قول الحطيئة: من الطويل

أَلا حَبَّذا هِندٌ وَأَرضٌ بِها هِندُ *** وَهِندٌ أَتى مِن دونِها النَأيُ وَالبُعدُ

فكرَّر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها، والنَّأي: البُعْدُ، كرَّره التَّأكيد وتقدَّم الكلام فيه.

فائدة:

قال أبو عبد الله القرطبي - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: " فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" قال: "أنَّ الزِّيادة في الدِّين والابتداعَ في الشَّريعة عظيمةُ الخَطَر، شديدةُ الضَّرَر، هذا في تغيير كلِمةٍ هي عبارةٌ عن التَّوبة، أوجبت كلَّ ذلك من العذاب، فما ظنُّك بتغيير ما هو من صفات المعبود؟! هذا والقولُ أنقصُ من العمل، فكيف بالتَّبديل والتَّغيير في الفعل؟!".

وقال - رحمه الله - عندما تكلَّم عن قوله تعالى: "رِجْزًا" - قال: "والرَّجَزُ - بفتح الرَّاء والجيم -: نوعٌ من الشِّعْر، وأنكر الخليلُ أن يكون شِعرًا، وهو مشتَقٌّ مِن: الرَّجَز، وهو داءٌ يصيب الإِبل في أعجازها، فإذا ثارَتْ، ارتعشَتْ أفخاذُها" اهـ.

قلتُ: ويقال لمَن مهَر به رجَّاز، ولا يُقال له شاعِرٌ، ويُستَعمَل تامًّا، كقول الشَّاعر وهو الحطيئة جَروَل بن أوس (ت:45هـ):

قَالَتْ -وَفِيهَا حَيْدَةٌ وَذُعْرُ-:*** عَــــوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُمُ وَحُجـْـــرُ

ويُستَعمل مجزوءا، كقول عمرَ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميّ (ت: 93هـ):

قَدَ هَاجَ قَلْبِي مَحْضَرُ *** أَقْوَى وَرَبْعٌ مُقْفِرُ

وبَيْتُهُ العَرُوضِي:

في أَبْحُر الأرجازِ بحرٌ يسهُل *** مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

******

يوسف بن عومر 20 Jan 2015 12:09 PM

قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}

1- العرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى ، قال لبيد بن ربيعة : من الوافر

أَقولُ وَصَوبُهُ مِنّي بَعيدٌ *** يَحُطُّ الشَثَّ مِن قُلَلِ الجِبالِ
سَقى قَومي بَني مَجدٍ وَأَسقى *** نُمَيراً وَالقَبائِلَ مِن هِلالِ

2- العصا : معروف، وهو اسم مقصور مؤنث، وألفه منقلبة عن واو، قال ذو الرُّمَّة : من الطويل

فَأَدلى غُلامي دَلوَهُ يَبتَغي بِها *** شِفاءَ الصَدى وَاللَيلُ أَدهَمُ أَبلَقُ
فَجاءَت بِنَسجِ العَنكَبوتِ كَأَنَّهُ *** عَلى عَصَوَيها سابِرِيُّ مُشَبرَقُ

والجمع: عُصِيّ وعِصِيّ، وهو فُعول، وإنَّما كُسِرت العين لما بعدها من الكسرة، وأعْصٍ -أيضا- مثله، مثل: زَمَن وأزْمُن، وفي المثل : "العصا من العَصِيّة" أي: بعض الأمر من بعض، وقولهم: "ألقى عصاه" أي: أقام وترك الأسفار وهو مَثَل، قال الشَّاعر ويُنسَب لمُضرِّس الأسدي وللأحمر المزني ولعبد ربه السلمي ولمُعقِّر البارقي ولسليم الحنفي: من الطويل

وخَبَّرها الوُرَّادُ أَنْ ليس بينَها *** وبَيْنَ قُرَى قَسْر ونجرانَ كافِرُ
فأَلْقَتْ عَصاها واستقَرَّ بها النَوى *** كما قَرَّ عَيْناً بالإِيابِ المسافِرُ
وفي التنزيل: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}، قال الفراء : "أوَّل لحن سُمع بالعراق: هذه عَصاتِي".

وقد يعبَّر بالعصا: عن الاجتماع والافتراق، ومنه يقال في الخوارج: قد شَقُّوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم وائتلافهم، وانشَقَّت العصا، أي: وقع الخلاف، قال الشَّاعر ويُنسَب لجرير : من الطويل

إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العصا *** فحسبُك والضَّحَّاكَ سيفٌ مهنَّد

أي: يكفيك ويكفي الضحاك.
وقولهم : "لا ترفع عصاك عن أهلك": يُراد به الأدب، والله أعلم.

فائدة:

قال أبو عبد الله القرطبي - رحمه الله تعالى -: "وقد استسقى نبيُّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فخرج إلى المصلَّى متواضعا متذلِّلًا متخشِّعًا متوسِّلًا متضرِّعًا، وحسبك به! فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العنادَ ومخالفةَ ربِّ العباد؟ فأنَّى نُسقى! لكنْ قد قال - صلى الله عليه وسلم -في حديث ابن عمر: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا" الحديث" اهـ.
******

يوسف بن عومر 28 Jan 2015 10:22 PM

قوله تعالى: " {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)}

1- الطعم - بالفتح - : هو ما يؤدِّيه الذَوْق، يقال : طَعمه مُرٌّ، والطَّعم - أيضًا - : ما يُشتهى منه يُقال : ليس له طُعم، وما فلان بذي طَعم : إذا كان غثًّا.
والطُّعم - بالضَّم - : الطَّعام، قال أبو خراش الهذلي: من الطويل

وَأَغتَبِق الماءَ القَراحَ فَأَنتَهي *** إِذا الزادَ أَمسى لِلمُزَلَّجِ ذا طَعمِ
أَرُدُّ شُجاعَ البَطنِ قَد تَعلَمينَهُ *** وَأوثِرُ غَيري مِن عِيالِكِ بِالطُعمِ


أراد بالأوَّل: ما يُشتهى ، وبالثَّاني: الطعام.
وفلان ما يَطْعْم النَّومَ إلا قائمًا، قال بشر بن أبي خازم : من المتقارب

فَأَمّا تَميمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ *** فَأَلفاهُمُ القَومُ رَوبى نِياما
وَأَمّا بَنو عامِرٍ بِالنَسارِ *** غَداةَ لَقونا فَكانوا نَعاما
نَعاماً بِخَطمَةَ صُعرَ الخُدو *** دِ لا تَطعَمُ الماءَ إِلّا صِياما


في "الصِّحاح" : رَوْبى، أي: خُثَراءُ الأنفسِ مختلطون، وهم الذين أثخنهم السيرُ فاستَثْقَلوا نوماً، ويقال: شَرِبوا من الرَّائب فَسَكِروا.
ويروى الشَّاهد هكذا:

نعاما بوجْرة صُفر الخدو *** د ما تطعم النَّوم إلا صياما


2- فثأت القدر سكنت غليانها بالماء قال النَّابغة الجعدي : من الطويل

فَنَحنُ غِضابٌ مِن مَكانِ نِسائِنا *** ويَسفَعُنا حَرُّ مِنَ النارِ يُصطَلى
تَفُورُ عَلَينا قِدرُهُم فَنُديِمُها *** وَنَفثَؤُها عَنّا إِذ حَميُها غَلا

وفثأتُ الرَّجُلَ: إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكَّنْتَ غضبَه، وفي المثَل: "إنَّ الرَّثيئَةَ تفثَأُ الغضَبَ"، وفي "الصِّحاح": وأصله: أنَّ رجلاً كان غضب على قوم، وكان مع غضبه جائِعاً، فسقَوْهُ رثيئةً فسَكَنَ غَضبُهُ وكفَّ عنهم، والرثيئة: لبن محلوب على لبن حامض ليَخثُر اهـ.

3- الفوم قيل: هو الثُّوم، والثاء تُبدَل من الفاء، قال أمية بن أبي الصلت :من البسيط

كانَت لَهُم جَنَّةٌ إِذ ذاكَ ظاهِرَةٌ *** فيها الفَراديسُ وَالفومانُ وَالبَصَلُ

ويُروى:

كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة *** فيها الفراديس والفومان والبصل

وقال حسَّان : من المتقارب

وأنتم أُناسٌ لئام الأصول *** طعامُكُمُ الفُوم والحَوْقَل

يعني: الثوم والبصل، وهو قول ابن مسعود وابن عبَّاس في رواية، والضَّحَّاك والكِسائي والنَّضر بن شُميْل.

4- وقيل الفوم: هو الحِنطة، وهو قول ابن عباس في رواية، والزجاج والجوهري، قال أحَيْحة بن الجَلَّاح : من الكامل

قَد كُنتُ أَغنى الناسِ شَخصاً واحِداً *** سَكَنَ المَدينَةَ عَن زِراعَةِ فُومِ

وقال الشاعر: من الكامل

قَد كُنتُ أحسبُني كأغنى واجدٍ *** نزل المدينة عن زراعة فوم

ويُروى عن أبي محجن الثقفي: من الكامل

قَد كُنتُ أحسبُني كأغنى واحدٍ *** وَرَدَ المدينة عن زراعة فول

قال ابن دريد : "الفُومَة: السُّنبُلة"، وأنشد: من الوافر

وقال رَبيئُهم لمَّا أتانا *** بكفِّه فُومَة أو فومَتان

وقيل الفوم: الحِمَّص، وهي لغة شاميَّة، وقال عطاء وقتادة: الفوم كلُّ حبٍّ يُخْتَبَز، وقال محمد البخاري رحمه الله: " وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ" اهـ.

5- عَدَسْ : زَجْر للبِغال، قال يزيد بن مفرِّغ الحميري (ت: 69هـ) في هجاء عبَّاد: من الطويل

عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيكِ إِمارَةٌ *** نَجَوتِ وَهَذا تَحمِلينَ طَليقُ

وعَدَسَتْ إليه المَنِيَّة، أي: سارَتْ، قال الكُمَيْت بن زيد الأسدي (ت: 126هـ) : من الطويل

أكلِّفها هول الظَّلام ولم أزلْ *** أخا اللَّيل معْدوسًا عليَّ وعادِسا

أي: يُسار إليَّ بالليل، وعَدَس: لغة في حَدَس، قاله الجوهري في "الصّحاح" (عدس).

6- {مِصْراً} بالتنوين مُنَكَّرًا قراءة الجمهور، قال ابن عباس: "مِصرًا من هذه الأمْصار". وقالت طائفة ممن صرفها - أيضا - : أراد مصر فرعون بعينها، وأجازوا صرفها، قال الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهِنْدٍ ودَعْدٍ ،قال جرير: من المنسرح

لَم تَتَلَفَّع بِفَضلِ مِئزَرَها *** دَعدٌ وَلَم تُغذَ دَعدُ بِالعُلَبِ

ويروى لعبيد الله الرقيات: من المنسرح

لَم تَتَلَفَّع بِفَضلِ مِئزَرِها *** دَعدٌ وَلَم تُسقَ دَعدُ في العُلَبِ


فجمع بين اللغتين.
وسيبويه والخليل والفرَّاء لا يجيزون هذا، لأنك لو سمَّيْت امرأةً: بزيد لم تصرف.
وقال غير الأخفش: أراد المكان فصَرَف، وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة: {مِصْرَ} بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقراءة ابن مسعود، وقالوا: هي مصر فرعون، وهو قول مالك في رواية أشهب.

7- والمِصْر أصله في اللُّغة: الحَدُّ، ومِصْر الدَّار: حُدُودُها، قال عَدِيّ بن زيد ويُنسَب لأميّة بن أبي الصلت: من البسيط

وَجاعِلُ الشَمسِ مِصراً لا خَفاءَ بِهِ *** بَينَ النَهارِ وَبَينَ اللَيلِ قَد فَصَلا


8- {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} أي: أُلزِموهما وقُضِي عليهم بهما، مأخوذ من ضَرْب القِبَاب ، قال الفرزدق في جرير : من الكامل

ضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِها *** وَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ

9- البَوَاء : الرجوع بالقَوَد. وهم في هذا الأمر بَوَاء، أي: سَوَاء، قال الشاعر ويُنسَب لجابر التّغلبيّ : من الطويل

ألا تنتهي عنَّا ملوكٌ وتتَّقي *** مَحَارِمَنا لا يَبُؤِ الدَّمُ بالدَّمِ


أي: لا يرجع الدَّمُ بالدَّمِ في القود.
وقال عمرو بن كلثوم : من الوافر

فَآبوا بِالنِهابِ وَبِالسَبايا *** وَأُبنا بِالمُلوكِ مُصَفَّدينا


أي: رَجَعُوا ورَجَعْنَا.

10- وقد جاء في جمع نَبِيّ: نُبآء، قال العبَّاس بن مِرْدَاس السُّلمي يمدح النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم : من الكامل

يا خاتَمِ النُبَآءِ إِنَّكَ مُرسَلٌ *** بِالحَقِّ كُلُّ هُدى السَبيلِ هُدَاكَا

هذا في قراءة الهمز.
واختلف القائلون بترك الهمز ، فمنهم من قال: النَّبيّ بترك الهمز - أيضا -: الطريق ، فسُمِّي الرَّسول نبِيًّا لاهتداء الخلق به كالطريق ، قال الشاعر أوس بن حجر: من المتقارب

لَأَصبَحَ رَتماً دُقاقَ الحَصى *** كَمَتنِ النَبِيِّ مِنَ الكاثِبِ

رَتْمًا: مَكْسُورًا، والكاثب اسم جبل، فالأنبياء لنا كالسبل في الأرض.

فائدة:

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: " والحِنْطة من جملة الحبوب، وهي الفُوم على الصَّحيح ، والشَّعير قريب منها، وكان طعامَ أهل المدينة ، كما كان العدسُ من طعام قرية إبراهيم عليه السلام ، فصار لكلِّ واحد من الحبَّتيْن بأحد النَّبِيَّيْن عليهما السلام فضيلةٌ ، وقد رُوي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع هو وأهلُه من خُبز بُرٍّ ثلاثة أيام متتابعةً منذ قدم المدينة إلى أن توفَّاه الله عزَّ وجلَّ" اهـ.

******

يوسف بن عومر 04 Feb 2015 08:37 PM

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

1- هادَ: تاب، والهائِد: التَّائِبُ، قال الشَّاعر : من الرجز

*** إنِّي امرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدٌ ***

أي: تائب.

2- {وَالنَّصَارَى} جمعٌ، واحده: نَصْرَانِيٌّ.
وقيل: نَصْرَانُ بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه.
والأنثى: نَصْرَانَةٌ ، كنَدْمَان ونَدْمَانَة، وهو نكرة يُعَرَّف بالألف واللام، قال نمر بن تولب يعدّ في الصَّحابة رضي الله عنه (ت 14هـ) : من البسيط

صَدَّت كَما صَدَّ عَمّا لا يَحِلُّ لَهُ *** ساقي نَصارى قَبيلِ الفَصحِ قَوامِ

فوصفه بالنَّكرة.
وقال الخليل: واحد النَّصارى: نَصْرِيٌّ، كمَهْرِي ومَهَارِى. قال الشَّاعر: من الطويل

تراه إذا دار العِشَا مُتحنِّفًا *** ويُضْحِي لديه وهو نَصْرَانُ شَامِسُ

وقال أبو الأخزَر الحِمَّاني: من الطويل

فكِلتاهُما خرَّت وأسجَدَ رأسُها *** كما أسجَدَتْ نَصْرانة لم تَحَنَّفِ

ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب ، لأنهم قالوا : يقال رجل نصرانيّ وامرأة نصرانيَّة.
ونصَّره: جعله نصرانيًّا، وقد جاءتْ جموعٌ على غير ما يُستعمَل واحدُها، وقياسه: النَّصرانِيُّون. ثمَّ قيل : سُمُّوا بذلك لنصرة بعضهم بعضا، قال الشاعر: من الرجز

لمَّا رأيتُ نَبَطًا أنصارَا *** شَمَّرتُ عن رُكبَتِي الإزَارَا
كنتُ لهم مِنَ النَّصَارَى جارَا

3- جَمَعَ الضَّميرَ في قوله تعالى : {لهُمْ أَجْرُهُمْ}، و"آمن" لفظٌ مفردٌ ليس بجَمْعٍ، لأنَّ: "مَنْ" يقع على الواحد والتَّثنية والجمع، فجائزٌ أنْ يرجع الضَّمير مفردًا ومثنَّى ومجموعًا، قال امرؤ القيس : من الطويل

أَلِمَّا بِسَلْمَى لَمَّةً إذْ وَقَفْتُمَا *** وَقُولاَ لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفوا

وقال الفرزدق : من الطويل

تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَنِي لا تخُونُنِي *** نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ

فحملا على المعنى، ولو حملا على اللفظ لقالا : يصطحب وتخلَّف.
قال تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} فحمل على اللفظ، ثم قال : {خَالِدِينَ} فحمل على المعنى، ولو راعى اللَّفظ لقال : خالدا فيها.

تنبيه:

وإذا جَرَى ما بعد "مَنْ" على اللَّفظ فجائزٌ أن يخالفَ به بعدُ على المعنى، وإذا جَرَى ما بعدها على المعنى لم يجزْ أن يخالف به بعدُ على اللَّفظ، لأنَّ الإلباس يدخلُ في الكلام.

فائدة:

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله : " رُوِيَ عن ابن عباس أنَّ قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا}، مَنسوخٌ بقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، وقال غيره : ليست بمنسوخة، وهيَ فيمَن ثَبَتَ على إيمانه مِنَ المؤمنين بالنَّبِيِّ عليه السَّلام" اهـ.

قلتُ: وأكثر العلماء على أنَّها مُحكَمَة، وتوجيهُها كما ذكر القرطبي في القول الثَّاني، والله أعلم.

******

يوسف بن عومر 14 Feb 2015 01:02 PM

قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)}.

1- النَّكال: العقوبة، وقال ابن دُرَيْد: والمَنْكَلُ الشيء الذي يُنَكِّل بالإنسان، قال رياح الهُذَلي: من الرَّجز

وارْمِ على أقفائهم بمَنْكَلِ *** بصخرة أو عُرْضِ جيشٍ جَحْفَلِ
ويُروى: فارم ...

وقال في "اللسان" (نكل): "والنَّكال والنُّكْلة والمَنْكَل: ما نَكَلْت به غيرك كائناً ما كان...
ونَكِل الرَّجل: قَبِلَ النَّكَالَ، عن ابن الأَعرابي، وأَنشد: من الرجز

فاتَّقُوا اللهَ وخَلُّوا بَيْنَنَا *** نَبْلُغِ الثَّأْرَ، ويَنْكَلْ مَنْ نَكِلْ

وإِنه لَنِكْلُ شَرٍّ، أَي: يُنَكَّل به أَعداؤه" اهـ.

فائدة:

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في قوله: { قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}: " وقرأ الجَحْدُرِيّ: "أَيَتَّخِذُنَا" بالياء، أي: قال ذلك بعضهم لبعض، فأجابهم موسى عليه السلام بقوله : {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: لأنَّ الخروج عن جواب السَّائل المُسترشِد إلى الهُزْء، جَهْلٌ، فاستعاذ منه عليه السلام، لأنَّها صفة تنتفي عن الأنبياء، والجَهْلُ نقيض العِلم، فاستعاذ من الجهل، كما جهلوا في قولهم :{أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } لمَنْ يخبرهم عن الله تعالى، وظاهر هذا القول يدلُّ على فساد اعتقاد مَنْ قاله، ولا يصِحُّ إيمان من قال لنبيٍّ قد ظهرت معجزته، وقال: إنَّ الله يأمرك بكذا: أتتخذنا هزؤا ؟ ولو قال ذلك اليومَ أحدٌ عن بعض أقوال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لوَجَبَ تكفيره" اهـ.

******

يوسف بن عومر 17 Feb 2015 09:23 PM

قوله تعالى: { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)}.

1- الفارِض: المُسِنَّة. وقد فَرَضَت تَفْرض فُرُوضًا، أيْ: أسَنَّت، ويقال للشَّيء القديم: فَارِضٌ ، قال الرَّاجز :

شَيَّبَ أَصْدَاغِي فَرَأْسِي أَبْيَضُ *** مُحَاِمل فيها رِجَالٌ فُرَّضُ

يعني: هَرْمَي.
وقال خُفافة بن نُدبة السُّلمي: من الطويل

لَعَمري لَقَد أَعطَيتَ ضَيفَكَ فارِضاً *** تُساقُ إِلَيهِ ما تَقومُ عَلى رِجلِ

أي: قديمًا، ويُروى: لَعُمْرُك ... وَ: ضَيْفَكَ ...

وقال آخر: من الرجز

يا رُبَّ مَوْلىً حاسِدٍ مُباغِضِ *** عليَّ ذِي ضِغْنِ وضَبٍّ فارِضِ


له قُروء كقُروء الحائِضِ
أي: قديم.

2- البِكْرُ: الأول من الأولاد، قال الكُمَيت بن زيد الأسدي: من الرجز

يا بِكر بِكْرين ويا خِلْبَ الكبِد *** أصبحت مني كذراع في عَضُدْ


والبِكر – أيضا - في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يَفْتَحِلْه الفحل، وهي مكسورة الباء، وبفتحها: الفتي من الإبل.

3- العَوَانُ : النَّصَف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه ، بخلاف الخيل، قال أمية بن أبي الصّلت يصف فرسًا: من الطويل

كُمَيتٍ بَهيمِ اللَونِ لَيسَ بِفارضٍ *** ولا بِخَصيفٍ ذات لَونٍ مُرَّقَمِ


ويُروى: ... مُخصّف، فَرَس أَخْصَف: إذا ارتفع البَلَقُ (وهو السواد والبياض) من بطنه إلى جنبه.
وقال مجاهد: العَوَان من البقرة: هي التي قد ولدت مرة بعد مرة، وحكاه أهل اللغة.
وحَرْب عَوَان: إذا كان قبلها حرب بكر، قال زهير بن أبي سلمى: من الطويل

إِذا لَقِحَت حَربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ *** ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أَنيابُها عُصلُ

أي: لا هي صغيرة ولا هي مُسِنَّة، أي: هي عوان، وجمعها "عُون" بضمِّ العَيْن وسكون الواو، وسُمِع: "عُوُن" بضمِّ الواو كرُسُل. وحكى الفراء: من العَوَان عَوَنْتُ تَعْوِينَا.

فائدتان:

1- قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: " قوله تعالى : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} في هذا دليل على جواز النَّسخ قبل وقت الفعل، لأنهَّ لمَّا أمر ببقرة اقتضى أيَّ بقرةٍ كانت، فلمَّا زاد في الصِّفة نَسخَ الحكم الأوَّلَ بغيره" اهـ.
2- قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى : {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التَّعنُّت فما تركوه، وهذا يدلُّ على أنَّ مُقتَضَى الأمرِ الوُجُوبُ كما تقول الفقهاء، وهو الصَّحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أنَّ الأمر على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء - أيضا -" اهـ.

******

يوسف بن عومر 22 Mar 2015 05:47 PM

قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) }

1- اللَّون واحد الألوان: وهو هيئةٌ كالسَّواد والبياض والحمرة. واللَّون: النَّوع – وَزْنًا ومَعْنَى -. وفلان مُتلوِّن: إذا كان لا يثبت على خِلاق واحد وحال واحدة، قال الشّاعر: من مجزوء الرَّمَل

كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنْ *** غَيْرَ هَذَا بِكَ أَجْمَلْ

ولوَّن البُسْر تلوينا : إذا بدا فيه أثر النُّضج. واللَّون: الدَّقْل، وهو ضرب مِن النَّخل. قال الأخفش: هو جماعة، واحدها لِينة.

2- قوله: {صَفْرَاءُ} جمهور المفسِّرين: أنَّها صفراءُ اللَّون، من الصُّفرة المعروفة.
وعن الحَسَن: {صَفْرَاءُ} معناه: سوداء، قال أبو عبد الله القرطبي - رحمه الله -: والأوَّل أصحُّ لأنَّه الظَّاهر، وقال الأعشى الكبير ميمون بن قيس، أبو بصير، صنَّاجة العرب، أدرك الإسلام ولم يُسلمْ ( ت: 7هـ ): من الخفيف

مُستَخِفٍّ إِذا تَوَجَّهَ في الخَيـ *** ـلِ لِشَدِّ التَفنينِ وَالتَقريبِ
تِلكَ خَيلي مِنهُ وَتِلكَ رِكابي *** هُنَّ صُفرٌ أَولادُها كَالزَبيبِ

التَفنينِ: التَّخليط، وهو البُقعة السَّخيفة السَّمجة في الثَّوب الصَّفيق، وهو عيب، والفنَّان: الحمار في شعر الأعشى كما في "اللِّسان" (فنن).

وهذا شاذٌّ لا يستعمل إلَّا في الإبل، قال الله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [المرسلات : 33]، وذلك أنَّ السُّود من الإبل سوادها صُفرة، ولو أراد السَّواد لما أكَّده بالفُقُوع، وذلك نعت مُختَصٌّ بالصُّفرة، وليس يوصف السَّواد بذلك تقول العرب: أسودُ حالِك وحَلَكوك وحُلْكوك، ودَجوجي وغِربيب، وأحمرُ قانئ، وأبيضُ ناصع ولَهِق ولِهاق ويَقَق، وأخضرُ ناضر، وأصفر فاقع، هكذا نصَّ نقلة اللغة عن العرب. قال الكِسائي: يقال فَقَع لونها يفْقُع فُقُوعًا: إذا خَلَصت صُفرته.
******

يوسف بن عومر 04 Apr 2015 12:21 PM

قال الله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}
1- قوله تعالى: {تُثِيرُ} في موضع رفعٍ على الصِّفة للبقرة، أي: هي بقرة لا ذلول مثيرة.
وقال قوم: {تُثِيرُ} فعل مُستأنَف، والمعنى: إيجاب الحرث لها وأنَّها كانت تحرث ولا تسقي. والقولُ الأوَّلُ أصحُّ لوجهين:
أحدهما: لأنَّ بعده: {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}، فلو كان مُستأنَفًا لَمَا جَمَعَ بين "الوَاوِ" و"لا".
الثاني: أنَّها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذَلَّلَتْها، والله تعالى قد نفى عنها الذُّلَّ بقوله: {لا ذَلُولٌ}.
قال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله - : "ويَحتمِل أن تكون {تُثِيرُ الأَرْضَ}- في غيرِ العملِ -: مَرَحًا ونشاطًا، كما قال امرؤ القيس : من الطويل
يُهيلُ وَيُذري تُربَها وَيُثيرُهُ *** إِثارَةَ نَبّاثِ الهَواجِرِ مُخمِسِ
[ ويُروَى: َيُثيرُ وَيُذري تُربَها وَيُهيلُهُ ...]
فعلى هذا يكون {تُثِيرُ}: مستأنفا، {وَلَا تَسْقِي}: معطوف عليه، فتأمَّله.
وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها" اهـ.
قال الأزهري - أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي ( ت: 370 هـ) - في "تهذيب اللُّغة" (ثار): "قال الأصمعيُّ: أراد بقوله: " نَبّاثِ الهَواجِرِ " يعني: الرَّجلَ الذي إذا اشتدَّ عليه الحَرُّ يثير التُّراب ليصل إلى بَرده، وكذلك يفعل الثَّور الوحشيُّ في شدَّة الحَرِّ" اهـ.
و" مُخمِسِ": هو صاحبُ الإبِل التي تَرِد خَمْسًا.

فوائد:
1- وقال - رحمه الله -: "وهذه الأوصافُ في البقرة سبَبُها أنَّهم شدَّدوا فشدَّد الله عليهم، ودين الله يُسْرٌ، والتَّعمُّقُ في سؤال الأنبياءِ وغيرِهم من العلماء مَذمومٌ، نسأل الله العافيةَ" اهـ.
2- وقال - رحمه الله -: "يقال: فَرَسٌ أَبْلَقُ، وكَبْشٌ أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وغُرَابٌ أَبْقَعُ، وثَوْرٌ أَشْيَهُ، كلُّ ذلك بمَعْنى البُلْقَة، هكذا نصَّ أهلُ اللُّغةِ" اهـ، يعني: ما خُلِط من لَوْنَيْن.
3- وقال - رحمه الله -: "في قصَّة البقرة هذه: دليلٌ على أنَّ شَرْعَ مَنْ قبلَنا شَرْعٌ لنا، وقال به طوائفُ من المتكلِّمين وقومٌ مِن الفقهاء، واختارَهُ الكَرْخِيّ، ونصَّ عليه ابنُ بُكَيْر القاضي مِن علمائنا، وقال القاضي أبو محمد عبدُالوهَّاب: هو الذي تقتضيه أصولُ مَالِكٍ ومَنازِعُه في كُتبِه، وإليه مَالَ الشَّافعيّ، وقد قال اللهُ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}" اهـ.

******

يوسف بن عومر 06 Apr 2015 08:55 PM

قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}
1- قوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} "أو" قيل هي بمعنى الواو كما قال : {آثِماً أَوْ كَفُوراً}، {عُذْراً أَوْ نُذْراً} وقال أبو حرزة جرير بن عطية التميمي (ت:110هـ) لم يثبت أمام شعره غير الفرزدق والأخطل: من البسيط
نالَ الخِلافَةَ أَوْ كانَت لَهُ قَدَراً *** كَما أَتى رَبَّهُ موسى عَلى قَدَرِ
أي: وكانت.
ويُروَى: ... إِذ كانَت لَهُ قَدَراً ...، وعليه فلا شاهد فيه.
2- وقيل: هي بمعنى: بَلْ، كقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} المعنى: بَلْ يزيدون، وقال الشاعر ويُنسب لذي الرُّمَّة: من الطويل
بَدَت مِثلَ قَرنِ الشَمسِ في رَونَقِ الضُحى *** وَصورَتِها أَو أَنتِ في العَينِ أَملَحُ

أي: بَلْ أنتِ.
3- وقيل : معناها الإبهامُ على المُخَاطَبِ، ومنه قول أبي الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَندل الدُّؤَليّ الكنانيّ تابعيّ، وهو أوَّل من نقط المصحف في أكثر الأقوال (ت:69هـ): من الوافر
أُحِبُّ مُحَمَّداً حُبّاً شَديداً *** وَعَبّاساً وَحَمزَةَ أَوْ عَلِيَّا
فَإِن يَكُ حُبُّهُم رُشداً أُصِبهُ *** وَفيهِم أُسوَةٌ إِن كانَ غَيّا
ويُروَى: وَالوصِيّا ، بَدَل: عَلِيًّا، وعليه فلا شاهد فيه.
ولم يشكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رشدٌ ظاهر، وإنَّما قصد الإبهام.
وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شَكَكْتَ؟ قال: كلَّا، ثمَّ استشهد بقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، وقال: أَوَ كان شاكًّا مَنْ أخبر بهذا!
3- قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، قال مجاهد بن جَبر: "ما تردَّى حجَرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تفجَّرَ نهْرٌ من حجَرٍ، ولا خرج منه ماءٌ، إلَّا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم" اهـ.
وحكى أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ - رحمه الله - عن فرقة: أنَّ الخشية للحجارة مستعارةٌ، كما استُعيرت الإرادةُ للجدار في قوله: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}، وكما قال زيد بن مهلهل المُلَقَّب بـ: "زيد الخيل" لكثرة خيله أو لطراده الخيل، الطَّائي (ت:9هـ)، ويُنسَبُ لجرير: من الكامل
لَمّا أَتى خَبرُ الزُبَيرِ تَواضَعَت *** سورُ المَدينَةِ وَالجِبالُ الخُشَّعُ

وقيل: الضَّميرُ في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة، أي: من القلوب لما يخضَع من خشيه الله.
قال أبو عبد الله القرطبيّ - رحمه الله -: "كلُّ ما قيل يحتمله اللَّفظ، والأوَّل صحيح، فإنَّه لا يمتنع أن يُعطى بعضُ الجمادات المعرفةَ فيَعقِلُ، كالذي رُوي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا خطب، فلما تحوَّل عنه حنَّ ..."اهـ.
******

يوسف صفصاف 06 Apr 2015 10:04 PM

جزاك الله خيرا.
واصل وفقك الله لإتمام عملك.
لا أزال متابعا.

يوسف بن عومر 12 Apr 2015 06:30 PM

جزاك الله خيرا أخي "يوسف" على الدَّعوات الطيبة، وبارك فيك.

يوسف بن عومر 23 May 2015 02:53 PM

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) }
1 - قوله تعالى : {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} "إلا" هنا بمعنى: "لَكِنَّ"، فهو استثناء منقطع، وقال النَّابغة الذّبياني: [من الطويل]
حَلَفتُ يَميناً غَيرَ ذي مَثنَوِيَّةٍ *** وَلا عِلمَ إِلّا حُسنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ
ومعنى مَثنَوِيَّةٍ: "يقال: حلف فلان يمينا ليس فيها ثُنايا، ولا ثَنْوَى، ولا ثنيَّة، ولا مثنويّة، ولا استثناء، كلُّه واحد. وأصل هذا كلِّه من: "الثَّني" والكفِّ والرَّدِّ، لأنَّ الحالف إذا قال: واللهِ! لا أفعل كذا وكذا إلَّا أن شاء اللهُ غَيْره، فقد رَدّ ما قاله، بمشيئة الله غيرَه" اهـ من "تهذيب اللغة" (ثنى).
2 – وقُرِئَ: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} خفيفة الياء، وهي قراءة أبي جعفرٍ يزيدَ بنِ القعقاعِ من العشرة كما في "النَّشر" لابن الجزري، وكلُّ ما جاء من هذا النَّحو واحده مشدَّدٌ، فَلَكَ فيه التَّشديد والتخفيف، مثل: أثافي وأغاني وأماني، ونحوه.
وقال الأخفش: هذا كما يقال في جمع مِفتاح: مفاتيح ومفاتِح، وهي ياء الجمع.
قال النَّحاس: الحذف في المعتل أكثر، كما قال ذو الرُّمَّة: [من الطويل]
وَهَل يَرجِعُ التَسليمَ أَو يَكشِفُ العَمى *** ثَلاثُ الأَثافي وَالرُسومُ البَلاقِعُ
والعمى: الجهل، وثلاث الأثافي: هي الحجارة التي تُنصَب عليها القدر واحدتها: أَثْفِيَّة، و الرُّسوم: واحدها رَسْم وهو الأثَر، ورَسْم الدَّار: ما كان من آثارها لاصقًا بالأرضِ، والبلاقع: لا شيء فيها.
3 - والأماني جمع: أُمْنِيَة وهي التِّلاوة، وأصلها أُمْنُويَة على وزن أُفعُولة، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية، وقال كعب بن مالك الأنصاري: [من الطويل]

تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّلَ ليلهِ *** وآخِرَهُ لاقَى حِمامَ المقادِرِ
وقال آخر: [من الطويل]
تمنَّى كتابَ اللهِ آخرَ ليْلِهِ *** تمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ
وصدر البيت في "سيرة ابن هشام" وغيرها:
تمنَّى كتابَ اللهِ باللَّيلِ خاليًا *** ..........
والأماني - أيضا -: الأكاذيب، ومنه قول عثمان - رضي الله عنه -: "ما تَمَنَّيْتُ منذ أسلمتُ"، أي: مَا كذبتُ، وبه فسَّر ابن عبَّاس ومجاهد الآيةَ.
والأماني - أيضا -: ما يتمنَّاه الإنسان ويشتهيه.
قال قتادة: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} يعني: أنَّهم يتمنَّوْنَ على الله ما ليس لهم.
4 - وقيل الأماني: التقدير، يقال: مُنِىَ له، أي: قُدِّر، قاله الجوهري، وحكاه ابنُ بحر، وأنشد قول سُوَيْدِ بنِ عامر المُصطَلِقي: [من البسيط]
لا تأمننّ وإن أمسيت في حرمٍ *** إنّ المنايا بكفّي كلّ إنسان
واسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ *** حتّى يبيّن ما يُمْنِي لك المَانِي
أي: يُقَدَّر لك المُقَدِّر.
وجاء في "خزانة الأدب" للبغدادي البيتان وزيادة:
فكلّ ذي صاحبٍ يوماً يفارقه *** وكلّ زادٍ وإن أبقيته فان
والخير والشّرّ مقرونان في قرنٍ *** بكلّ ذلك يأتيك الجديدان
وأنَّها أُنشدت على النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: "لو أدركَني هذا لأَسْلَمَ"، وهو حديث ضعيف، أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، والدُّولابي في "الكنى والأسماء" عن مسلم الخزاعي، وقال في "مجمع الزوائد": رواه الطبراني والبزار عن يعقوب بن محمد الزهري عن شيخ مجهول وهو مردود بلا خلاف اهـ.

قلتُ: والأبيات حسنة مليحة المعنى لمن أراد حفظها.


الساعة الآن 06:50 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Salafi Tasfia & Tarbia Forums 2007-2013