من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه / مهدي بن صالح البجائي

بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن التحلي بـ (عزة العلماء): صيانة العلم وتعظيمه، حماية جناب عزه وشرفه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب…

ولا تسع به إلى أهل الدنيا ولا تقف به على أعتابهم ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره.
ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، ترى فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا.(حلية طالب العلم)

وإن الناظر في أحوال بعض المشتغلين بالعلم يرى من الأمر عجبا، ويقف من بعض الأحوال حائرا، فإن هؤلاء تراهم بعد الدأب والاجتهاد السنين الطوال في تحصيل العلم، والسعي في توسيع دائرة معلوماتهم، لما يئن الأوان لقطف واجتناء ثمرة ذلك الكد والاجتهاد، فإما أن تكون مرة كالحنظل لا تستساغ، أو تصيبها جائحة فتعدم، أو يقل الحصاد ويضعف أداء الحق...

ومن أعظم أسباب ذلك إن لم يكن أعظمها، ترك الطالب صيانة نفسه، وهذا يزهد الناس في علم الرجل، بل لا يوثق في علمه، فيضيع ويضيّع والله المستعان، وفيما يلي نقل لثلة من الأخبار والأشعار حول ذلك، ثم أتبعها بذكر بعض مظاهر ترك الصيانة من باب قوله تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: (55)]، وعلى حد قول القائل:

عرفت الشر لا ... للشر لكن لتوقيه
فمن لا يعرف الشر ... من الناس يقع فيه

فبالله التوفيق:

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْفِقْهَ نَبُلَ مِقْدَارُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْحِسَابَ جَزَلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ علمهُ".(جامع بيان العلم وفضله)

وقال الماوردي في "أدب الدنيا والدين" تعليقا على كلام الشافعي:" وَلَعَمْرِي إنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ أَصْلُ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَهْمَلَ صِيَانَةَ نَفْسِهِ ثِقَةً بِمَا مَنَحَهُ الْعِلْمُ مِنْ فَضِيلَتِهِ، وَتَوَكُّلاً عَلَى مَا يَلْزَمُ النَّاسَ مِنْ صِيَانَتِهِ، سَلَبُوْهُ فَضِيلَةَ عِلْمِهِ وَوَسَمُوهُ بِقَبِيحِ تَبَذُّلِهِ، فَلَمْ يَفِ مَا أَعْطَاهُ الْعِلْمُ بِمَا سَلَبَهُ التَّبَذُّلُ؛ لِأَنَّ الْقَبِيحَ أَنَمُّ مِنْ الْجَمِيلِ وَالرَّذِيلَةُ أَشْهَرُ مِنْ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لِمَا فِي طَبَائِعِهِمْ مِنْ الْبِغْضَةِ وَالْحَسَدِ وَنِزَاعِ الْمُنَافَسَةِ تَنْصَرِفُ عُيُونُهُمْ عَنْ الْمَحَاسِنِ إلَى الْمَسَاوِئِ، فَلاَ يُنْصِفُونَ مُحْسِنًا وَلاَ يُحَابُونَ مُسِيئًا لاَ سِيَّمَا مَنْ كَانَ بِالْعِلْمِ مَوْسُومًا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبًا، فَإِنَّ زَلَّتَهُ لاَ تُقَالُ وَهَفْوَتَهُ لاَ تُعْذَرُ..."
ومن أمثال العرب في هذا قولهم: "مَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ ابْتَذلَهُ غَيْرُهُ".

ومن أحسن ما قيل في عزة طالب العلم وصيانته لنفسه قصيدة الجرجاني المشهورة والتي كان العلماء يلقنون طلابهم حفظها:

 

يقولون لي فيك انْقِباضٌ وإنما ... رأَوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَمَا
أرَى الناسَ مَن داناهمُ هان عندَهمْ ... ومن أكرَمتْه عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرِمَا
ولم أقْضِ حَقَّ العلمِ إن كنتُ كلما ... بَدَا طَمَعٌ صَيَّرتُه لِيَ سُلَّمَا
وما كُلُّ بَرْقٍ لاح لي يسْتفزُّنِي ... ولا كلُّ مَن في الأرضِ أرضاه مُنْعِمَا
إذا قيل هذا مَشْرَبٌ قلتُ قد أرَى ... ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا
ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهْجَتِي ... لأخدُم مَن لاقيْتُ إلاَّ لأُخْدَمَا
أأشْقَى به غَرْساً وأجْنِيه ذِلَّةً ... إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أسْلَمَا
ولو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوه صانَهُمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظِّمَا
ولكنْ أهانُوه فهَان ودَنَّسُوا ... مُحَيَّاه بالأطْماعِ حتى تجهَّمَا

 

وقال منصور الفقيه:

 

نفسك رأس الغنى فصنها ... من لم يصن نفسه يهنها
إن صعبت حالة فدعها ... فاليأس منها غناك عنها

وفي "جواهر الآداب" للهاشمي:" من لم يصن نفسه ساءت خليقته".

وقال ابن القيّم -رحمه الله- في كتاب "الرّوح" : "وأما شرف النَّفس فَهُوَ صيانتها عَن الدنايا والرذائل والمطامع الَّتِي تقطع أَعْنَاق الرِّجَال فيربأ بِنَفسِهِ عَن أَن يلقيها فِي ذَلِك، بِخِلَاف التيه فَإِنَّهُ خلق متولد بَين أَمريْن: إعجابه بِنَفسِهِ وازدرائه بِغَيْرِهِ، فيتولد من بَين هذَيْن التيه، وَالْأول يتَوَلَّد من بَين خلقين كريمين: إعزاز النَّفس وإكرامها وتعظيم مَالِكهَا وسيدها أَن يكون عَبده دنيا وضيعا خسيسا، فيتولد من بَين هذَيْن الخلقين شرف النَّفس وصيانتها، وأصل هَذَا كُله استعدادها وتهيؤها وإمداد وَليهَا ومولاها لَهَا، فَإِذا فقد الاستعداد والإمداد فقد الْخَيْر كُله".

وقال كذلك في نفس الكتاب:" وَالْفرق بَين الصيانة والتكبر أَن الصائن لنَفسِهِ بِمَنْزِلَة رجل قد لبس ثوبا جَدِيدا نقي الْبيَاض ذَا ثمن فَهُوَ يدْخل بِهِ على الْمُلُوك فَمن دونهم فَهُوَ يصونه عَن الْوَسخ وَالْغُبَار والطبوع وأنواع الْآثَار إبْقَاء على بياضه ونقائه، فتراه صَاحب تعزز وهروب من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْشَى مِنْهَا عَلَيْهِ التلوث فَلَا يسمح بأثر وَلَا طبع وَلَا لوث يَعْلُو ثَوْبه، وَإِن أَصَابَهُ شَيْء من ذَلِك على غرَّة بَادر إِلَى قلعة وإزالته ومحو أَثَره، وَهَكَذَا الصائن لِقَلْبِهِ وَدينه ترَاهُ يجْتَنب طبوع الذُّنُوب وآثارها، فَإِن لَهَا فِي الْقلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الْفَاحِشَة فِي الثَّوْب النقي للبياض، وَلَكِن على الْعُيُون غشاوة أَن تدْرك تِلْكَ الطبوع فتراه يهرب من مظان التلوث ويحترس من الْخلق ويتباعد من تخالطهم مَخَافَة أَن يحصل لِقَلْبِهِ مَا يحصل للثوب الَّذِي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين وَنَحْوهم، خلاف صَاحب الْعُلُوّ فَإِنَّهُ وَإِن شابه هَذَا فِي تحرزه وتجنبه فَهُوَ يقْصد أَن يعلو رقابهم ويجعلهم تَحت قدمه فَهَذَا لون وَذَاكَ لون".

وهذه بعض مظاهر ترك صيانة طالب العلم لنفسه، تذكر لتحذر، وتعرف لتنكر:

أولا: ترك صيانة النفس بالانحراف عن السنة ومخالطة أهل البدع والأهواء، وتعظيمهم والثناء عليهم، وهذا ينافي شكر ما أنعم الله به على عبده من الاهتداء إلى السنة واتباعها، قال الفضيل بن عياض –رحمه الله-: "من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم ومن زوج كريمته مبتدعا فقد قطع رحمها ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع"اهـ(شرح السنة للبربهاري)، والآثار في هذا كثيرة، ومنها ما قاله الإمام الأوزاعي -رحمه الله-:"واحذروا أن تكونوا على الله مُظاهرين، ولدينه هادمين، ولعُراه ناقضين مُوهنين، بتوقير المبتدعين والـمُحدِثين، فإنه قد جاء في توقيرهم ما تعلمون، وأيُّ توقيرٍ لهم أو تعظيم (أَشَـدُّ) من أن تأخذوا عنهم الدين، وتكونوا بهم مُقتدين، ولهم مُصَدِّقين، مُوادِعين، مُؤالفين، مُعينين لهم، بما يصنعون على استهواء ما يستهوون، وتأليف من يتألَّـفُون من ضعفاء المسلمين لرأيهم الذي يرون، ودينهم الذي يدينون، وكفى بذلك مشاركة لهم فيما يعملون" انتهى كلامه رحمه الله(تاريخ دمشق).

ثانيا: ترك صيانة النفس بعدم الالتزام بالآداب الشرعية لطالب العلم، والتخلق بأخلاق العلماء وحملة العلم بحق، وهذا -والله- من أعظم الآفات، فمن المشتغلين بالعلم من صار أضحوكة بين الناس لسوء أدبه، ومنهم من ينأى ويربأ العوام بأنفسهم عنه فضلا عن أهل العلم والفضل، وفضلا عن الدراسة وأخذ العلم عنه، وكما قيل: "فنحن إلى قليل من الأدب، أحوج منا إلى كثير من العلم"، والأدب وعاء العلم.

ثالثا: كثرة الخلطة وابتذال النفس لكل أحد، وعدم تخير الصحبة الصالحة التي تعين على الخير والعلم، بل حال بعض الطلبة حال الذائب بين الناس لا شخصية تميزه، ولا اختيار لألفاظ لائقة بمحله، يجلس في أي مكان ويهرف بكل كلام، بل من الكلام ما يتنزه عنه كل عاقل فضلا عن المشتغل بالعلم، والصاحب ساحب، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ »(أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني)، وبالأخص في هذا الزمان الذي انتشر فيه الوفاق الظاهر لكل أحد (أصحاب نعم، نعم)، وكما قال أحدهم:" أصحاب السبعين وجه"، أو كما قال الشيخ حمود التويجري –رحمه الله-:" أصحاب العقل المعيشي"، مع المتدين متدين، ومع العلماني علماني، ومع دعاة الحرية من الأحرار...

رابعا: من مظاهر ترك الصيانة: الطمع فيما بين أيدي الناس، وأشد منه التواضع والتذلل للأغنياء لما لهم من المتاع، وهذا لعمري تواضع مذموم، وكذلك الرغبة في ثناء الناس والخوف من مذمتهم، وما أقبح أثر الطمع في طالب العلم، وأقبح منه شراء الدنيا بالدين، وتأمل هذا الحديث عَنِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَنَّهُ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فَقَالَ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"(أخرجه أحمد والترمذي ، وصححه الألباني).

خامسا:من مظاهر ترك الصيانة: التعالم والولوج في مسائل كبار، والتصدر قبل التأهل، فهذا الصنف من الناس –كما ذكر أهل العلم- سرعان ما تخبو نارهم ويخمد ذكرهم، فإن من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذا من الاستخفاف بعقول الناس، وكثير منهم اليوم يتفطنون لمن يتكلم بعلم، ولمن يتظاهر بالعلم، فليس كل من تكلم يؤخذ منه، ولا كل من كتب قرئ له، فحري بالطالب أن يحدث بما تيقن منه ويدع ما رابه، فإن من قال: الله أعلم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومن أخطأته: "لا أدري" أصيبت مقاتله.

سادسا: من مظاهر ترك صيانة النفس: الإقدام على المعاصي والتخلف عن الطاعات، فمن كان شعاره ترك المبادرة إلى الأعمال الصالحة، ودثاره الجرأة على المخالفات، حري أن يزهد في علمه، ولا يستجاب لدعوته، قال ابن القيم -رحمه الله-:" علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم الى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا: قالت أفعالهم:لا تسمعوا منهم. فلو كان ما دعوا اليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطّاع طرق" اهـ (الفوائد) ، وهذا في حقيقته من خذلان الحق والصد عنه.

سابعا: من مظاهر ترك الصيانة نشر العلم عند غير أهله وفي غير حينه، والتكلم به في مجالس اللهو، وربما كان بعض العامة يستهزئ بهذا المتكلم ويسأله ساخرا فيتكلم بالعلم في مقام لا يليق به، وهذا إذلال للعلم الذي يحمله، بل هو تنفير عنه وصد عن قبوله، قال الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-:"حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع، فليسكت... "(الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)، وقال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: "حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة، فانزع" (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "حَدِّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تُمِلَ الناس هذا القرآن، ولا أُلْفِينَّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقُص عليهم فتقطعُ عليهم حديثَهم فتُمِلَّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه"(المدخل إلى السنن الكبرى)، وكما قال بعض الأدباء: "البخل بالعلم على غير أهله قضاء لحقه ومعرفة بفضله"(تقييد العلم).

والله أعلم وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.