من آثار الصَّلاة في التربية على الخلق الحميد / خالد حمودة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه.

أمَّا بعد:

فإن الصَّلاة التي هي عمادُ الدِّين وركنُه المتين، ولها في حياة المسلم أبلغ الأثر، وأثرها يتنوع أنواعًا وينقسم أقسامًا، ومن جليل أثرها: التَّربيةُ على الخُلق الحميد، وأعني بالخُلق الحميد معناه العامَّ الَّذي يشمل تعامل الإنسان مع ربه عزَّ وجل، ومع نفسه، ومع من حوله من النَّاس على اختلاف طبقاتهم وتباين أحوالهم.

وكلُّ العبادات لها أبلغ الأثر في ذلك، إلَّا أنَّه في بعضها أظهر من بعض، فهو في العبادات القلبيَّة والعبادات الماليَّة، والعبادات البدنيَّة المتعديَّة ظاهرٌ جليّ، لكنَّه أخفى ما يكون في العبادات البدنيَّة المحضة القاصرة كالصَّلاة، ولجلالة مكانها من الدِّين، وعظيم ما اشتملت عليه من ذلك أحببت أن أنبِّه على بعض منه.

ويكفي في الدَّلالة على كونها مؤثِّرة في الخلُق أنَّ الخلق الحميد ـ بمعناه العامّ الذي تقدَّم إيضاحه ـ شامل للدِّين كله، والصَّلاة عمود الدين، فكيف لا يكون لها فيه أبلغ الأثر وهي أعظم أركانه.

وقد ورد في النُّصوص الإشارة إلى هذا المعنى.
1ـ ومن أصرح المواضع في ذلك قول الله تعالى: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ فنبَّه سبحانه وتعالى إلى أنَّ الصَّلاة الَّتي هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتَّكبير مختتمة بالتَّسليم لها نطاقٌ آخر زائدٌ على مجرَّد الحركة الظَّاهرة والأشكال البدنيَّة، وهو كونها تنهى عن كلِّ ما يخالف الشَّرع من أقوال وأفعال واعتقادات فاسدة، وإذا كانت تنهى عنه، فهي تأمر بضدِّه الَّذي هو المعروف، الَّذي تعارف النَّاس على الأخذ به والعمل عليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.

2ـ وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فترتيب اتِّباع الشهوات على إضاعة الصلاة يدلُّ على أنه ناتج عنه، فكما أنَّ فعلها له أثر حسن على التَّربية كما في الآية الأولى فتركُها بضد ذلك كما في هذه الآية.

3ـ وصحَّ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «الصَّلاة نور» [أخرجه مسلم (223)]، وهي نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق، فالصَّلاة نورٌ للمسلم في قلبه تنوِّر له حياته في الدُّنيا، ونورٌ في قبره تنوِّر له حياته في البرزخ، ونور في ممشاه على الصِّراط تنور له آخرته.

وقد ضرب الله تعالى مثلًا لنوره في قلب المسلم فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ «فالمصباح هو نور الإيمان في قلبه، والشَّجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمِّن للهدى ودين الحقِّ، وهي مادَّة المصباح الَّتي يتَّقد منها، والنُّور على النُّور: نور الفطرة الصَّحيحة والإدراك الصَّحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النُّورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور» [بتصرف يسير من «اجتماع الجيوش الإسلامية»].
قال الله تعالى بعد ذلك:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار﴾ فذكَر المساجد وما فيها من ذِكر وصلاة عقب ذكر نوره في قلب المؤمن دليلٌ على الارتباط الوثيق بين نور الله في قلب المؤمن وبين المساجد والرِّجال القائمين فيها، فهم أوفر النَّاس نصيبًا من ذلك النُّور.

ولمَّا كان الوقوف على كلِّ ما في ضمن الصَّلاة من معاني التَّربية على الخلق الحميد ممَّا لا يتَّسع له هذا المقام، ويطول معه المقال، رأيت أن أقتصر على موضع واحد تمسُّ الحاجة إليه في هذه الأيَّام المظلمة بالفتن.

وذلك أنَّ النَّاس يأتون ليصلُّوا جميعًا في مساجهم فيتقدَّمهم أحدهم، فيه صفات تميِّزه عنهم، من كونه أكثرهم قرآنا، او أعلمهم بالسنَّة أو أقدمهم سلمًا أو غير ذلك من الأوصاف الَّتي اعتبرها الشَّرع في هذا الموضع، فيصفُّون وراءه يكبِّرون بتكبيره، ويركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، وهذا فيه تربيةٌ للمسلمين: أنَّ شؤونهم العامَّة لا يتصرَّف فيها كلَّ أحدٍ على ما يهوى، ويعمل فيها على ما يشتهي، وإنَّما يجعلون من يقوم عليها، ويكونون تبعًا له في ذلك، وهذا المعنى ـ الَّذي هو الاقتداء والاتِّباع ـ كما هو موجود في الصَّلاة موجودٌ في عبادات أخرى كالحجِّ والجهاد.
فأفعال النَّاس الدينيَّة والدنيويَّة منها شخصي يتعلَّق بكلِّ أحد في خاصة نفسه، فهذه كلُّ أحدٍ مختار فيها وفي فعلها زمانًا ومكانًا وهيئةً، فليس هو مأمورًا بمتابعة غيره فيها.
ومنها نوع آخر من أعمالهم يتعلَّق بعموم أهل الإسلام، إمَّا في أمور الدِّين أو شؤون الدُّنيا، فهذا يُكلَّف به أُناس يقومون به، ويكون غيرهم تبعًا لهم فيه.
فالصَّلاة تربِّي المسلم على هذا، كونه يقف خلف إمامه فلا يتقدَّمه ولا يساويه، ثمَّ ينتظر تكبيره فيكبِّر بتكبيرة ويتابعه في حركاته و سكناته.
وقد أمر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك وتوعَّد على ضدِّه:
فالأمر في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع، وإذا رفع فارفعوا»، متَّفق عليه.
والنَّهي والوعيد ففيما صحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم في «الصَّحيحين» أيضًا أنه قال: «أمَّا يخشى الَّذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسَه رأسَ حمار»، قال العلماء: خصَّ التَّحويل برأس الحمار لأنَّه مشهورٌ بالبلادة، والمسلم الَّذي يقوم وراء إمامه ـ وهو مأمور بمتابعته فيسابقه ـ يكون قد فعل ما يدلُّ على بلادته، إذ كيف يقوم خلفه ليقتدي ثمَّ يسابقه؟ ثم هو لو سابقه في بعض الأركان فسينتهي الحال إلى أنَّه لن ينصرف مت صلاته حتى يسلِّم إمامه، فمسابقته له على هذا دليلٌ على بلادته، لأنَّه لم يفقه أنَّ المراد من الإمامة المتابعة والاقتداء.

ومقتضى العقل الرَّاجح أن لا يجعل المأموم منزلته بمنزلة الإمام فيسابقَه، بل يقتدي به ويتابعه، ولو كان أشرف منه وأعلى مقامًا، لأنَّه في هذا المقام مأمورٌ بالاقتداء به وهو إمامه، فلا يليق به في ذلك الموضع إلَّا ذلك، وفي هذا تربية للمصلي على أن يلزم مكانه اللَّائق به ويتصرَّف بحسبه، إن إمامٌ مقتدًى به فإمام، وإن مأموم مقتدٍ بغيره فمأموم، وهكذا.

وهذا كما هو في شؤون الدِّين فكذلك في شؤون الدُّنيا، فالله تعالى جعل للنَّاس ولاةً يلون أمورهم، يحرسون الحدود، ويحصِّنون الثغور، ويأمِّنون السُّبل، ويقيمون للنَّاس من يحكم بينهم.
فعلى هذا فالمسلم الَّذي يرى الفساد والخلل في تسيير شؤون المسلمين إن عمل على مقتضى ما مرَّ في أدب الإمامة للمصلي، فإنَّه يأخذ بما أمر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب في قوله: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الَّذي عليه» [أخرجه أحمد في المسند، وصحَّحه الإمام الألباني بمجموع طرقه]، لكن إن غفل المسلم عن هذا المعنى تعدَّى طوره وقفز منزلته فتجدُه يزاول أو يحاول الإصلاح بما لا يناسب مكانه ومقامه، فالسَّداد أن يصلح كلُّ أحدٍ على حسب المكان الَّذي هو فيه، فمن كان له قدرة على أن ينصح ويُسمع منه فلينصح، ومن كان من عموم الرعيَّة ولم يقدر على النُّصح فليس له أن يشهِّر أو يخرج بالسِّلاح، وليس هو مسئولًا عمَّا وراء ذلك من فساد أو إخلال، وإنَّما يُسأل عمَّا وجب عليه وكُلِّفه من أعماله اللَّائقة بمكانه، فالزم مكانك عبد الله! وأدِّ ما أمرك الله به، وكلٌّ سيسأل عن وظيفته.

ولو ألزم النَّاس أنفسهم هذا الجَدَد لاستقامت أمور الدِّين والدُّنيا، وذهب أكثر التَّخليط الواقع فيهما، لأنَّ الحال سيستقرُّ حينذاك على أن يتكلَّم العالم، ويسكت الجاهل، ولكن ما دام أن كلَّ أحد يتكلَّم بما هو من مقامٍ غير مقامه فالاضطراب والخلل حاصل، وقد قيل: «لو سكت الجهَّال لاستقامة أحوال النَّاس»، وليس المقصود بالجهال أصحاب الجهل المطبق من عميان العامَّة، فإنَّ هؤلاء لا يتكلَّمون غالبًا، وإن تكلَّموا لم يُستمع إليهم، وإنَّما أنصاف المتعلِّمين، من يكون معه من العلم شَوْلٌ يجرِّؤه على الكلام، وليس عنده من تمامه وكماله ما يُفضي به إلى سداد القول المورث لاستقامة الحال وصلاح العمل، فالفساد إنَّما منبعه نصف المتعلِّم، ولو لزم كلُّ أحد مكانه في الأمور العلميَّة والعمليَّة الدِّينيَّة والدُّنيويَّة لاستقام أمر النَّاس كلُّه.
ولمَّا لم يفهم الخوارج هذا الموطن، ولم يعقلوا هذه المعاني، ولم يلزموا منازلهم التي أنزلهم الله إيَّاها، كان ما يفسدون أكثر ممَّا يصلحون، فالتوجيه النَّبوي للعامَّة ومن ليس من أهل العقد والحلِّ من الخاصَّة «اسمع وأطع»[البخاري: 696]، ولكن لمَّا تغلَّفت قلوب الخوارج عن عقل هذه المعاني قفزوا إلى السَّيف فسلُّوه على أهل الإسلام فأثخنوا في الأمَّة وعاثوا فيها بما لم يكد يحصل على المسلمين أضرُّ منه ولا أشد، ولهذا صحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنَّه وصفهم بعدم الفهم عن الله تعالى والعقل لكتابه، نظير ما تقدَّم من بلادة المُسابِق لإمامه، وذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم»، أي أنَّهم يقرؤون حروفه ولا تلج معانيه إلى قلوبهم فيفقهونها، فلذلك يتصرفون بجهل وحميَّة غير مضبوطة بشرع، ولو لم فقهوا من الدِّين إلَّا معنى الاقتداء بالإمام في الصَّلاة لحجزهم عن حمأة الرَّدى الَّتي يرتعون فيها.
فأسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يعرِّفنا أقدارنا، ويعصمنا من أن نتولَّج في مضايق ليست لنا، ولا نحن لها بأهل، والحمد لله ربِّ العالمين.