مدرجة من مدارج الكفر / مهدي بن صالح البجائي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مدرجة من مدارج الكفر

الحمد لله نحمده ونسعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فإن الإيمان والاستقامة على الحق أعظم وأشرف ما حصلته النفوس، وإن الله سبحانه وتعالى يرزق ذلك أقواما فضلا وتنعما ويحرمه آخرين حكمة وعدلا، وذلك أن التصديق بالغيبيات والعمل بمقتضاه افترقت من أجله الخليقة إلى مؤمنين وكفار وأبرار وفجار.

وقد وصف الله أول ما وصف المهتدين بكتابه بأنهم يؤمنون بالغيب، ولهذا فإن جميع أركان الإيمان تتضمن هذا المعنى، حتى ما كان مشاهدا وملموسا كمن شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم والمصحف، فإنما يطلب الإيمان بأنه من عند الله حقا وهذا غيب.

 
في التأصيل للمغزى من المقال

 

إن لإنكار من أنكر الإيمان وجحده أسبابا ودوافعا، ذلك أنه إذا علم أن الخير كل الخير في الإقرار والعمل بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، ثم من الناس من يختار سبل الردى عن طريق الهدى، عن جهل وسوء فهم أم عن تكبر وعناد، كيف والنفوس مجبولة على حب الحق وإثاره، وبغض الشر والنفور عنه؟ كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن «كل مولود يولد على الفطرة»(أخرجه البخاري)، وكما في الحديث القدسي «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم» (رواه مسلم).

وقد بين ربنا عز وجل في كتابه وأفصح النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وذكر العلماء –رحمهم الله- في ثنايا كتبهم أحوال المكذبين للرسل وما حملهم على ذلك التكذيب، وأحببت هنا أن أعرض لأحد هذه الأسباب، لما له من أهمية في استبانة سبيل المجرمين وتثبيت اليقين، وهو في الحقيقة جامع لكثير منها، ويندرج منها تحته ثلة ، علما أنه لكل قوم وارث، وما وقع فيه الأولون هو نفسه ما وقع فيه بنو عصرنا من الكفار والعلمانيين ومن شايعهم من المندسين والمنافقين، وهذا السبب هو اتباع الشهوات على اختلافها، مع استثقال المشاق في سبيل الحق.

فإن النفوس -مع ما فيها من حب للحق- تميل إلى الشهوات، وتؤثر العاجل من الملذات، فإذا جاءها من الهدى ما يخالف أهواءها ويشق عليها، آثرت غيره عليه، ثم إن الشهوات تجلب الشبهات فإذا استحكم المرضان اسجلبا كل خسران، والله المستعان.

وقد يستشكل كثير ويحتار غير قليل من الناس لحال أقوام رزقوا عقولا راجحة ونفسيات قوية، بل منهم من سار على درب الحق حينا من الدهر، ثم يزيغ هؤلاء عن جادة الصواب بل عن دين الإسلام، ويختار أولئك الكفر على الإيمان، ألنقص في عقولهم أم لخفاء الحق على أمثالههم ! ويُرى في حال من هو دونهم في بعض ما آتاهم الله من الذكاء وقوة الفهم يستقيم على دين الحق ويعمل صالحا، وما ذلك إلا لغلبة شهوة من الشهوات علي القوم فاستحوذت على عقولهم وجشمت على قلوبهم، فصاروا لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما أشربوا من أهوائهم، فإذا بهم يستحسنون القبيح ويستقبحون الحسن.

ومن مهمات الباب التي تفك كثير من المعضلات أن يعلم أن الديانة والزكاء غير الفطنة والذكاء، ولا يستلزم هذا ذلك، ولهذا، وصف شيخ الإسلام –رحمه الله- فيما وصف به أهل الكلام بأنهم «أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء»، وقال كذلك -رحمه الله-: «وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدّهم نظرًا، ويعميه عن أظهر الأشياء! وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرًا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا بالله!، فمن اتكل على نظره واستدلاله أو عقله ومعرفته خُذِل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كثيرًا ما يقول: (يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك)»، وقال الذهبي في ترجمة أحد أذكياء الزنادقة وهو »ابن الرواندي: ««لعن الله الذكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى! ».[1]

 

فصل في ذكر الدلائل والشواهد على أن الشهوات قد تصل بصاحبها إلى الكفر

قال النبي –صلى الله عليه وسلم- «حُفَتْ الجنَّةُ بالمكارِهِ، و حُفَتْ النَّارُ بالشَّهواتِ».

وقال سبحانه وتعالى:﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غيَّا﴾ [مريم:59]

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله-«: ومعنى الآية الكريمة أن هذا الخلف السيئ الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة : أنهم أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات» ثم قال: «والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية».

فإقامة الصلاة -التي هي من أعظم دعائم الإيمان -والمحافظة عليها لا يتم بترك اتباع الشهوات المحرمة والملهية عن الحق، كما أن إضاعتها وتركها ملازم ومقرون باتباع الشهوات، وقد سمى الله جل وعلا الصلاة في كتابه إيمانا.

وقال الشاطبي –رحمه الله- في معرض كلامه عن سبب حجز التوبة عن المبتدع: «...أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس; لأنه أمر مخالف للهوى ، وصاد عن سبيل الشهوات ، فيثقل عليها جدا، لأن الحق ثقيل ، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه»

وشهوات الدنيا متنوعة ومتعددة من مال وجاه ورئاسة ونساء وغيرها، قال ربنا سبحانه:﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب﴾

ولقد ذكر الله جل وعلا عن المشركين أنهم جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم جحودا، وذلك أن اتباعه كان يعارض جاههم ووجاهتهم، روى ابن جرير ، من طريق أسباط ، عن السدي ، في قوله :﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : ٍ« يا بني زهرة ، إن محمدا ابن أختكم ، فأنتم أحق من كف عنه، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا»، فيومئذ سمي الأخنس : وكان اسمه (أبي) فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : « يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا ». فقال أبو جهل:« ويحك! والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجاب والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش ؟» فذلك قوله:﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ ؛ فآيات الله؛ محمد- صلى الله عليه وسلم-.

ويظهر –كذلك- هذا جليا عند أرباب الطرق الصوفية، وأسلافهم من الرهبان، فهم يتركون الحق ويوقعون أتباعهم وأنفسهم فيما يناقض الإيمان من الشرك الأكبر والكفر –والعياذ بالله- طلبا للدنيا ورئاستها، قال الشاطبي –رحمه الله-: «فالمبتدع يزيد في الاجتهاد; لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ذلك من أصناف الشهوات ، بل التعظيم على (كذا ولعل الصواب؛ أعلى) شهوات الدنيا ، ألا ترى إلى انقطاع الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات ، ومقاساتهم في أصناف العبادات والكف عن الشهوات ، وهم مع ذلك خالدون في جهنم؟! ».

وقريب منها من مهلكات القوم شهوة الكبر وطلب العلو والترفع، وقد بلي بها فئام من الخلق في سالف الدهر وحاضره، وما حال فرعون بخاف عليك، بل إن أول ذنب به عصي ربنا عز وجل استكبار إبليس اللعين واختياره -لذلك- الكفر عن طاعة رب العالمين، وكذا اليهود الذين أوتوا أوفر حظ ونصيب من هذا الخلق الذي استوجبوا به غضب ربهم ومقته، قال الله تعالى في شأن اليهود:﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون﴾[البقرة:87]، وقال أيضًا ـ جلَّ في عُلاه ـ: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِين﴾ [الأعراف:144] إلى أنْ قال ـ عز وجل ـ:﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِين﴾ [الأعراف:146] [2].

أما فتنة المال فما أعظمها وأشد لهيبها ! فلا تزال تطلع على أناس لطالما ظن بهم أحسن المذاهب –ومنهم دون ذلك- حتى أردتهم في مهاوي الكفر والشقاء، وقد قص لنا ربنا في سورة الكهف من حال صاحب الجنتين ما فيه عبرة لمن يعتبر، قال تعالى:﴿وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً - كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً وَفَجّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً - وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً - وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هَـَذِهِ أَبَداً - وَمَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىَ رَبّي لأجِدَنّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً - لّكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً - وَلَوْلآ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً - فعسَىَ رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مّن جَنّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مّنَ السّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً - أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً - وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً - وَلَمْ تَكُن لّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً - هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ ([32 – 44] الكهف)

أما فتنة النساء فيكفي أنها كانت أول فتنة بني إسرائل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء» (أخرجه البخاري ومسلم).

وكذا فتنة الولد التي هي من أعظم شهوات الدنيا، قد يحمل حبه والتعلق به إلى تنكب طريق الهداية والوقوع في الكفر، ولهذا قال ربنا تعالى: ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً﴾ ، قال ابن كثير –رحمه الله-: أي : «يحملهما حبه على متابعته على الكفر».

 

تتمة للفصل

 

ثم إن الإيمان بالمحسوس والتصديق بعالم الشهادة سهل ميسور على النفوس، ولا مشقة لها في تحصيل ذلك، بل تضطر إليه اضطرارا، أما عالم الغيب فإن الإقرار به يحتاج تجردا وإنصافا، وبعدها ثباتا ومجاهدة في دفع الخواطر ووساوس الجن والإنس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقولُ : مَن خلَق كذا ، مَن خلَق كذا ، حتى يقولَ : مَن خلَق ربَّك ؟ فإذا بلَغه فلْيَستَعِذْ باللهِ ولْيَنتَهِ»

بل إن شأن التوحيد الذي هو أعظم حق الله جل وعلا على العبيد يحتاج من صاحبه مجاهدة وحملا للقلب على التعلق بالله وحده محبة وتعظيما وخضوعا، أما الشرك فإنه مستساغ عند كثير من ذوي العزائم الضعيفة والإرادات الهزيلة، فلا تعب فيه ولا نصب.

وكون شرائع الإيمان تدعوا إلى كثير من الأعمال والأخلاق التي قد تكون شاقة، والالتزام بها والانقياد لها يلزم منه التخلي عن كثير من العادات التي ألفتها النفوس، والشهوات التي استحكمت فيها، يدع أصحابها يكفرون بالإيمان تخلصا من قيوده التي هي في حقيقتها رحمة، ولكن البصائر الكليلة عن رؤية فضلها عاجزة.

حتى أن أبا طالب عم النبي –صلى الله عليه وسلم- ما منعه من الإيمان به إلا مشقة مفارقة دين آبائه، وما في ذلك من الملامة من قومه، وفي أبيات تنسب له قال:

ولقد عـلمــت بأن ديـن محمد ... مـن خير أديــان البرية دينا
لـولا المـلامة أوحـذار مسبة ... لـوجدتني سمـحا بذاك مبــينا

 
فصل في العواصم من داء الشهوات

 

هذا، وليعلم أن معظم النار من مستصغر الشرر، وللشيطان خطوات بها يستدرج، ومدارج بها يستهوي، فليحذر المسلم أن يستخفه بريق الفتن فينساق وراءها، وإن الانغماس فيها قد يقود صاحبها للكفر والعياذ بالله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « بادروا بالأعمالِ فتنًا كقطعِ الليلِ المظلمِ، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعرضٍ من الدنيا» (رواه مسلم).

وفي سورة العنكبوت التي سماها بعضهم أو قال بعضهم إنها تدور حول الفتنة، الفتنة ظاهرة في أول السورة قال جل وعلا ﴿الـم(1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت:1-3]، فالفتنة ذُكرت نصا في أول السورة، الفتنة تكون بأي شيء؟ المرء يفتن بعقله، يفتن بالدنيا، يفتن بوالديه، يفتن بأهله، يفتن بطول المكث وطول العمر، يفتن بعدم وجود العذاب، يفتن إذن عن إدراك الحقيقة بأنواع من الفتن كلها موجودة في هذه السورة، ومن أشدها فتنة الشهوات.
ولهذا كانت خاتمتها مناسبة تمام المناسبة لمطلعها قال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].، فالنجاة من فتن الشهوات والشبهات إنما تكون بالمجاهدة وحمل النفس على الحق والانقياد له[3] .

ثم إنه كما أن للشهوات لذة وحلاوة، فإن طعم الإيمان أعظم وأحلى، قال القاري في شرح حديث « ثلاثٌ مَن كُنَّ فيهِ وجَد حلاوَةَ الإيمانِ : أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سِواهما، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا للهِ، وأن يَكرهَ أن يَعودَ في الكُفرِ كما يَكرهُ أن يُقْذَفَ في النارِ» (رواه البخاري ومسلم): «وقيل : معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وإيثارها على جميع الشهوات والمستلذات وتحمل المشاق في مرضاة الله ورسوله، وتجرع المرارات في المصيبات، والرضا بالقضاء في جميع الحالات ، وفيه تلميح إلى الصحيح الذي يدرك الطعوم على ما هي عليه والمريض الصفراوي الذي بضده إذ يجد طعم العسل من نقص ذوقه بقدر نقص صحته ، فالقلب السليم من أمراض الغفلة ، والهوى يذوق طعمه ويتلذذ منه ويتنعم به كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من لذيذ الأطعمة ويتنعم بها ، بل تلك اللذة الإيمانية أعلى، فإن في جنبها يترك لذات الدنيا بل جميع نعيم الأخرى».

ولما سئل ابن القيم –رحمه الله- عن رجل بلي ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما يزداد إلا توقدا وشدة فما الحيلة في دفعها وما الطريق إلى كشفها فرحم الله من أعان مبتلى «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى.

أجابه ابن القيم –رحمه الله- في كتاب يقع في مجلد كامل، وقد بنى كتابه على أمر ذكره في آخره –وهو المقصود-، فقال -رحمه الله- بعد أن ذكر الحديث السابق في حلاوة الإيمان وتكلم عن المحبة الشرعية، وأنقله هنا لأهميته ودقة تشخيصه مع وصف الدواء، قال: «قد تقدم إن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلاّ لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة كما أنه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوي عنده من كراهة ما يفعله أو لخلاصه من مكروه
وتقدم إن خاصية العقل إيثار علي المحبوبين علي أدناهما وأيسر المكروهين علي أقواهما وتقدم إن هذا من الكمال قوة الحب والبغض.
ولا يتم له هذا إلاّ بأمرين قوة الإدراك وشجاعة القلب فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما بضعف الإدراك بحيث أنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه علي ما كان عليه إما لضعف في النفس وعجز في القلب بحيث لا يطاوعه الإيثار الأصلح له مع علمه بأنه الأصلح فإذا علمني إدراكه وقويت نفسه وتشجع قلبه علي إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى فقد وفق لأسباب السعادة.
فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوي من سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغالب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبى عليه نفسه وشهوته إلاّ تناوله ويقدم شهوته علي عقله وتسميه الأطباء: عديم المروءة فهكذا أكثر مرضى القلب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له.
فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها.
فالحب والإرادة أصل كل فعل ومبدأه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته.
ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلاّ بوجود سببه من الحب والإرادة».

هذا طرف مما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله، ومن أراد الاستزادة فعلية فكتاب الجواب الكافي ففيه الدواء الشافي، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه أبو محمد مهدي بن صالح البجائي

ـــــــــــــــــــــــــ
1- كان قد طلب أحد الأفاضل مقالا حول أسباب ودوافع انحراف بعض كان على الجادة السلفية ثم زاغ عنها، وبخاصة من كان منهم صاحب عقل وعلم، فلعله يجد فيما كتب هاهنا شيئا من بغيته، والله الموفق.
2- انظر مقال الشرك والكبر أساس كل ذنب للشيخ حسن آيت علجت.
3- انظر محاضرة (مفرغة) بعنوان مقاصد السور وأثر ذلك فهم التفسير للشيخ صالح آل الشيخ.