غلاء الأسعار: الأسباب والعلاج 29-4-1438

المؤلف: 
أزهر سنيقرة

الخُطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

إخوة الإيمان:

قد تعجبون لو قلت أنَّ موضوع خطبتنا في هذا اليوم قد اقترحته علينا إحدى المتطاولات من الذين لا يظهرون إلا في العالم الافتراضيّ، لا يظهرون إلا وراء الشّاشات التي لا رقيب عليها ولا مُحاسِب، يتكلَّمون بما شاؤوا فيما شاؤوا تخمينًا وادّعاءً، يتكلَّمون بالباطل ويُلبِّسون على الناس ممَّن قد يسمعون كلامهم وقليلا ما هم، والحمد لله.

هذه التي تضرَّر جيبُها وتألَّم بطنُها لغلاء الأسعار عندنا فقالت –وبئس ما قالت-: "أتمنَّى أن أستمع غدًا لخطبة جمعة تتحدَّث عن غلاء الأسعار وحقوق المواطن بَدَلَ خطبةٍ تتحدَّثُ عن عذاب القبر وعن الكيفيَّة التي تأكلنا بها الأفعى" تستخفُّ بحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وتهزأُ بأمرٍ من الأمور الغيبيَّة التي دلَّت عليها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وكأنَّها تريد أن تقول زورًا وبهتانًا كذبًا وافتراءً أنَّ هؤلاء الخطباء لا حديث لهم إلا عن هذه المسألة، وأمثال هذه كثير، نسأل الله جل وعلا أن لا يُكثِّرهم، كما نسأله جل وعلا أن يُصلح حالهم، وأن يردَّهم إلى الحق المبين.

نقول لها ولأمثالها:

اعلموا أنَّ غلاء الأسعار وارتفاعها فينا إنَّما هو بسببنا وبسبب ذنوبنا، الكثير يُرجع هذا الأمر إلى بعض الأسباب، يُرجعه إلى احتكار التجار وظُلمهم، هؤلاء الذين يتقصَّدون إضرار المسلمين باحتكار بعض سِلَعهم التي هي من حاجاتهم، يقومون بتخزينها حينَ ينخفض سعرها حتى إذا نفذت في سوقنا أخرجوها للناس بأرفع الأثمان، نعوذ بالله جل وعلا من الاحتكار وأهله، والنبي –عليه الصلاة والسلام- قد أخبر في هذا الباب أن المُحتكِر مُخطئ؛ ومُخْطِئٌ هنا بمعنى: آثم، لِمَ؟ لأنه سعى في الإضرار بالمسلمين.

وهذه الشريعة العظيمة هذه الشريعة الغرَّاء جاءت لحفظ مصالح العباد كلِّها، جاءت للخير كلّه، وأيُّما أمرٍ من الأمور فيه ضرر أو إضرار بالنفس أو بالغير فهو مُحرَّم علينا.

قالوا: من أسباب غلاء الأسعار عندنا أو من أسباب الغلاء عندنا هذه الأزمات التي تعصف ببلادنا وبكثير من البلاد الإسلامية؛ منها: انخفاض سعر البترول الذي تقوم عليه ميزانيّتنا، وهذا سببٌ من الأسباب الماديَّة، ولكنَّنا دائما وأبدًا نغفل عن أهمِّ الأسباب وعن أوّلها الذي إذا عالجناه ورجعنا إلى ربنا فيه فإنَّ الله جل وعلا يُغيِّر من حالنا، لأنَّ أحوالنا التي نعيشها ما هيَ إلا أثرٌ من آثار أعمالنا، بمعنى: أن استقامتنا على أمر ربِّنا وأنَّ طاعتنا لمولانا وأن استغفارنا وأن إقبالنا على الله جل وعلا يرفع عنَّا البلاء ويُنزِّل علينا أنواع الخيرات كلّها ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: (فالغلاءُ بارتفاع الأسعار والرّخص بانخفاضها هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته، لكن هو سبحانه جعل بعض الحوادث كما جعل قتل القاتل سببا في موت المقتول..) وهذا لا يخرج أبدا عن قضاء الله وقدره، ولكن هذا هو السبب، والحقيقة أن الله تبارك وتعالى هو المتصرف في شؤون الخلق جميعا.

قال: (..في موت المقتول، وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم العباد وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس)، وهذا تحقيقُ ما ذكرنا آنفًا أنَّ أحوالنا متعلِّقة بطاعتنا لربِّنا جل وعلا، متعلّقة بحالنا مع الله جل وعلا، يدلّ على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

هذا الفساد الذي ظهر فينا وفي أحوالنا؛ الذي ظهر في برّنا وبحرنا؛ هذا إنما هو من آثار ذنوبنا على تفسير من فسَّره بمثل هذه الأمور، كما قال الإمام القرطبي –عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: (أي: ظهر قِلَّة الغيث وغلاء السِّعر).

هذا الفساد هُوَ قلّة الغيث الذي يُنزِّله الله برحمته من السماء، ألم يُخبِر نبيُّنا –عليه الصَّلاة والسَّلام- عن هذه الحقيقة بقوله: (وما منعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء)، ما منعوا طاعةً من طاعات الله عليهم وما تركوا ركنًا من أركان دينهم ألا وهو الزكاة إلاّ مُنِعوا، أي: أنَّ الله تبارك وتعالى عاقبهم بمثل هذ العقوبة، والجزاءُ –كما يُقال- من جنس العمل.
نعوذ بالله تبارك وتعالى من معاصيه، ونسأله جلّ في علاه أن يُوفّقنا لطاعته، وأن يُغيِّر من حالنا.

الخطبة الثَّانية:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ﴾ أي: ظهر قلَّة الغيث وغلاء السّعر كما قال هذا الإمام –عليه رحمة الله-.

قال الله عزّ وجلّ بعد ذلك: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بسبب أعمالهم التي عصوا فيها ربَّهم، التي خالفوا فيها أمره، نسأل الله جل وعلا أن يُجيرنا.

قال ابن القيِّم –عليه رحمة الله-: (فإنَّ الذنوب تُزيل النِّعم ولا بُدَّ..) ذنوب العباد ترفع نِعَم الله جل وعلا عليهم، قال: (..ولا بُدَّ، فما أذنب عبدٌ ذنبًا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرَّ لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمه حتى تُسلب النِّعَم كلّها)، نعوذ بالله تبارك وتعالى.

ولهذا كان شيخُ الإسلام ابن تيمية –عليه رحمة الله- يقول: (من أراد السعادة الأبديَّة فَلْيَلْزَم عتبة العبوديَّة) من أراد السعادة الأبديَّة التي تكون في الدنيا والتي تكون في الآخرة، لأنَّ أعظم أسباب السَّعادة الإيمان بالله تبارك وتعالى والتّقرّب إليه بصالح الأعمال ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً َوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

تضرَّرنا من غلاء الأسعار فينا؛ من غلاء السّلع وارتفاع أسعارها، فلنرجع إلى الله جل وعلا، ننظر حولنا هذه المعاصي التي تفشَّتْ فينا، ننظر في أبنائنا وبناتنا، ننظر في معاملاتنا فيما بيننا بكل أنواعها، هل اتّقينا الله عز وجل فينا؟ والرّبا له عروشُه، والرّشوة أصبحت هي العادة المُتَّبعة عند الصغير والكبير في المصالح كلّها، حتى بأخذ حقوق الغير وظلم الناس لأجل ذلك.

وقِسْ على ذلك من هذه القبور التي يُتقرَّب عندها والتي يُشْرَك فيها أو بها ربُّ العزَّة والجلال.

مثلُ هذه الذنوب؛ كان فيمن كان قبلنا من الأمم السابقة ربُّ العزَّة والجلال يُعذِّبهم ويُدمِّرُ أرضهم بسبب ذنبٍ من مثل هذه الذُّنوب، ولكن رحمةُ الله جل وعلا بنا واسعة.

الله جل وعلا رحمنا رغم هذه المبارزة له بكبائر الذنوب والآثام، لأن الله عز وجل استجاب لدعوة نبيِّه أن لا يأخذ أمَّته بعذابٍ عام يأتي على أولهم وآخرهم.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوب علينا، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يرفع عنا البلاء والغلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن.

فاتقوا الله عباد الله، وتواصوا فيما بينكم بالحقّ، وتواصوا فيما بينكم بالصَّبر كما أمركم ربُّكم جلّ في علاه، ولا تسمعوا لأولئك الذين يصيدون في المياه العكرة، والذين يتحيَّنونَ مثل هذه الفرص لإثارة الفتنة وإشعال نارها، فإنهم والله الذي رفع السماء بغير عمد لا يُحبُّون الخير لنا ولا يُحبُّون الخير في أوطاننا، لا يهدؤون ولا يرتاحون حتى يروا أهل هذه البلاد متمزّقين متناحرين متقاتلين.

نعوذ بالله من الشّرّ وأهله، ونسأله جلّ في علاه أن يعصمنا من الفتن كلّها ظاهرها وباطنها، وأن يرزقنا الاستقامة على أمره، ومتابعة هدي نبيّه، وأن يجعلنا ممَّن يتمسَّكون بهدْيِ الأولين، ويسيرون على طريقهم صابرين محتسبين لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم السَّاعة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.