عيش الرّجال (الحلقة الأولى)

المؤلف: 
أبو معاذ محمَّد مرابط

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
عيش الرّجال
 
-الحلقة الأولى-

 

الحمد لله ربّ الأوّلين والآخرين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى الآل المنتخبين، وصحابته الأكرمين، أمّا بعد:

 

 

 

 

 

 

فإنّي مذكّر نفسي وكلّ من تبلغه رسالتي، بحقيقة (الرجولة السلفية) التي أضحت أسطرا على صفحات، وأحرفا على ورقات، ومن شدّة غربة تلكم الرجولة الحقّة أن أصبح يدّعيها كلّ سافل ونذل، وهو في سفوله لا يستحي أن تكذّبه شواهد طبعه، لأنّ الكثير من الخلائق تنكّروا لقواعدها، وتعاملوا بنواقضها، فأصبح من السهل جدّا على لسان الأكثرين ادّعاء السلفيّة في جوانب معيّنة، في وقت يثقل جانب العمل بالرجولة السلفية على أنفسهم وطبائعهم.

فهل يعي المدّعي (الكاذب) كيف كانت رجولة رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ وهل يدرك كيف عاش الصدّيق الكبير والفاروق عمر في أكنافها؟ وهل وقف على معيشة المهاجرين والأنصار؟ أم أنّ الإرجاء قد مسّ الانتماء؟

مكثت زمنا أقدّم فيه قلما وأرجع آخر، وأملي أن يطاوعني القلم فلا يجاريني في الكتابة في موضوع لا يقوى عليه أمثالي، ففكّرت مليّا ثم قرّرت جليّا: أنّي أكتب لا لشيء إلاّ للتذكير بحقيقة رجولة السلف، وكيف كانت معيشتهم في الدنيا الفانية، وأنا على أتمّ إدراك أنّ الكثير من النّاس قد أوتي من قبل جهله بأخبار الأوّلين.
 

رجال صدقوا وأدعياء كذبوا

إنّ الرجولة في الإسلام محمدة مطلوبة، ومنقبة مرغوبة، جاء ذكر حسنها في آي القرآن وسنّة النبيّ العدنان صلى الله عليه و سلم.

قال تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (36) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} النور

وقال تعالى:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} سورة الأحزاب:23 - 24

فليست الرجولة في شدّة البأس، وقوّة الجأش، وإرهاب الخصوم، وليست هي في طول الشارب، والنظر الثاقب، فهذه صور قد تشترك فيها جملة من البهائم.

قال ابن حزم –رحمه الله-: (العاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة.

فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير حقها لله تعالى: فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه.

ومن سر بقوة جسمه: فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً.

ومن سر بحمله الأثقال: فليعلم أن الحمار أحمل منه.

ومن سر بسرعة عدوه: فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوا منه.

ومن سرّ بحسن صوته: فليعلم أن كثيرا من الطير أحسن صوتا منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته.

فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائم متقدمة له، لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه وحسن عمله، فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس.)(كتاب الأخلاق والسير/ صفحة:82-83)

فرحم الله ابن حزم كم كان مسدّدا في مقولته هذه.

إنّ (الرجولة السلفية) تظهر في صحّة الإيمان، وحسن الإسلام، وصدق التعبّد، ومعاملة الخلق بدين الله سبحانه، رجاء ثوابه وجنّته، كل ذلك في قالب (النفس الزكيّة) التي قامت أركانها على الشجاعة ورحمة الخلق، وبذل النفس و النفيس في مواطن المحن والفتن.

نفس غائبة عن مواطن ( الذّل و الهوان) مترفّعة عن سفول (المال وتعظيم أهله).

نفس توّاقة لخدمة المساكين والفقراء والضعفاء، لأنّها تعتزّ بسلفيّتها الحقيقية التي نهلت منها تلكم الرجولة.

فليس بدعا من القول أن نقرّر أنّ السلف الصالح قدوة لنا في هذه ( الرجولة السلفية) فقد رضينا بهم أسلافا في العلم والدعوة، فكيف لا نجعلهم كذلك في عيشنا ورجولتنا.

فعن بكر بن عبد الله قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال".(صحيح الأدب المفرد:201)

فكم مرّت الحقائق ولم تجد لها رجالا؟ إلاّ من رحم الله.

إنّ هذا النصّ المذكور قد ظلمه الكثير من المحتجّين به، وذلك أنّ حجّة اللاّعبين من المهدرين لأوقاتهم، هو الشطر الأوّل منه فقط، أما شطره الثاني فلا يكاد يُسمع.

فكم سمعنا من قائل : يجوز اللّعب لأن الصحابة كانوا يلعبون بالبطّيخ !

ولكن نسي المتحدّث أو جهل: أنّ القوم كانوا في ساعة الجدّ هم الرجال.

ومثله أيضا ما نسمعه عن الأكثرين في جواز المزاح واللهو، قولهم: الصحابة كانوا يتحدّثون في أمور الجاهلية والنبيّ صلى الله عليه وسلم يتبسّم.

وهذا حقّ لو أنّ النصّ أخذ بتمامه !!

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزّقين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أُريد أحد منهم على شيء من أمر الله، دارت حماليق عينيه كأنّه مجنون). (صحيح الأدب المفرد:432)

ولست أدري أهو الجهل بنصوص الحديث أم هي عين الهوى التي لا تبصر إلا عشيقها؟

فأين هم الذين تدور حماليق أعينهم عندما تنتهك حرمات الله؟

 

فصل في بيان صور الرجولة عند السلف

إنّ أسلافنا وأسيادنا -بدءا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان- قد رسموا (الرجولة) في أجود قالب وأتقن صورة، عجز أمامها خلائق البشر أجمع، وبها عرفوا نعمة الإسلام، وعليها قامت ركائز عيشهم.

وسأنقل ما قدرت على نقله من ذلكم العيش الطيّب، عسانا نقتدي بهم كما اقتدينا بهم في عقائدهم و(لباسهم) !!

 

رجولة الأخوّة عند السلف
صدق ووفاء

 

كانوا لا يقدّمون على إخوانهم شيئا من حطام الدّنيا، بل كانوا معظّمين لهم ولو كانوا من أفقر النّاس، فالمكيال عندهم هو مكيال الإيمان والإسلام، فكانت سعادتهم في سعادة إخوانهم، وحزنهم في حزنهم، يهتمّون لشؤونهم، ويتفرّغون لخدمتهم، وبذلك أعملوا دروس الأخوّة وقواعد الصحبة، وذلك هو الصّدق و الوفاء في المحبّة والإخاء.

 

وخذ أمثلة لذلك:

-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه، فأعطاهم، ثم سألوه، فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» (صحيح البخاري برقم:1469).

هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع أصحابه شيئا من حطام الدنيا، فهلاّ اقتدينا به وبأخلاقه صلى الله عليه وسلم حتّى نصدق في اتّباعنا، ومتابعة السنّة المحمّدية.

-عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لقد أتى علينا زمان –أو قال: حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول:كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب، سل هذا لم أغلق بابه دوني ومنعني فضله"(صحيح الأدب المفرد:81).

-عن محمد بن زياد قال: أدركت السلف، وإنهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم، فربما نزل على بعضهم الضيف، وقدر أحدهم على النار، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القدر صاحبها.

فيقول: من أخذ القدر؟ فيقول صاحب الضيف: نحن أخذناها لضيفنا. فيقول صاحب القدر: "بارك الله لكم فيها" (أو كلمة نحوها) .

قال بقية: وقال محمد: والخبز إذا خبزوا مثل ذلك، وليس بينهم إلا جدر القصب. قال بقية: وأدركت أنا ذلك: محمد بن زياد وأصحابه. (صحيح الأدب المفرد:739)

(يتبع)