عيش الرجال (الحلقة الثانية)

المؤلف: 
أبو معاذ محمَّد مرابط

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
عيش الرجال

الحلقة الثانية

إنّ من أكبر الغفلة أن ينحصر حديث الناس عن هذه الدعوة السلفية المباركة في الجانب النظري، وأن تُسدّ طرق هذه الدعوة ولا يسلك فيها إلا طريق الأقوال والدعاوي! بل حتى النظري لا يُلتفت إلا لجانب واحد منه!

وهذا ما جعل عقول الكثير من أصحابها، وحتى أعدائها تستخلص نتيجة موهومة وتعتقد: أنّ هذه الدعوة ليست إلاّ مساحة عراك، وساحة حرب، والمنتسب إليها لا يحسن إلا ترديد شعارات: الراد على أهل البدع مجاهد! والهجر من أصول الإسلام! ونبذ التمييع والتحذير من أهله! وفلان إخواني و الآخر خارجي! وهذا حلبيّ وذاك حدادي!

نعم هذا جانب لا يزهد فيه إلاّ مختلّ العقل أو الديانة

لكن! هلمُّوا إلى فنّ -مهجور- من فنون هذه الدعوة المباركة!

فنّ كاشف لمعادن الرجال، وبه توزن أنفس أهل الكلام! فتتميّز الطيبة الأبية، وتُفضح الذليلة الغويّة!
فنّ من فنون الأعمال لا الأقوال، به يُميّز الذكور عن الرجال!
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لقد أتى علينا زمان –أو قال: حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: "كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب، سل هذا لم أغلق بابه دوني ومنعني فضله"(صحيح الأدب المفرد:81)

فيامن تغدو وتروح في في ميدان الانتساب للسلف الصالح، هل سمعت قول من تنتسب إليهم: (لقد أتى علينا زمان –أو قال: حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم)
فاسأل نفسك وأجبها بصدق: هل أنت سلفي في مثل هذا المقام؟! أم أنك صاحب هوى منحرف ضال ! مخالف للسلف الصالح.
ورضي الله عن ابن عمر كيف لو رأى زماننا؟! وقد اشتكى من زمن خير الناس بعد الصحابة رضي الله عنهم: (ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم)!!

وكيف لو رأى الخصومات الدنيوية اليوم بين أصحاب المنهج الواحد ؟!

وكيف لو رأى العبد المؤمن يموت في حيّه مرضا وعين جاره وابن حيّه السلفي عنه مغمضة؟!

كيف لو رأى السلفيّ يبكي ليله ونهاره من ألم حقوق الناس التي يُطالب بها كمطالبة الشرطة للسارق! وإخوانه أهل السنة! يتفرجون على مصرعه، ويقفون على مقتله؟!

كيف لو رأى الفقير السلفي! يمشي بنعل قد لا يقبلها البغل لو أُلبسها، في وسط إخوانه أصحاب الترف من أهل السنة ممن ازدحمت النعال الراقية في رواق بيته؟!

كيف لو رأى السلفي وهو يطرد من بيته وتفرق عائلته ويصاب بالأمراض النفسية جراء هذه المحن! وإخوانه يشترون تذاكر الأسفار إلى ماليزيا والصين وأكرانيا!!

كيف لو رأى السلفي يعاني مع والدته المُعاقة وهو لا يملك قوت يومه والفقر قد بصم على وجهه، حتى ظفر به الشيطان غنيمة باردة فصيّره بائعا للمخدرات بعدما كان عامرا للحلقات!! في وقت يجتهد إخوانه أهل السنة في شراء آلات الرياضة الفاخرة! و الاجتهاد في كسب أحدث سيّارة وباخرة!!


 

الراد على أهل البدع مجاهد!
 

نعم مجاهد ! ولا يردّ هذا إلاّ مبتدع أوجاهل

لكن هناك مجاهد آخر! لكنه غريب في ساحات القتال! لا يكاد يذكر

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : "الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النهار و يقوم الليل"(صحيح الأدب المفرد:98)

أمر محزن جدا أن يغفل أهل السنة عن مثل هذه الحقائق! التي تعتبر -والله- من صميم منهجهم ومن آكد خصالهم !!

أما حان الوقت أن نستحي ونحن نجلس على أريكة البطالة، نوجه وننظّر، ونقرّر ونؤصل! وأرملة بجوارنا تشتكي إلى الله من متاعب العيش؟!

أما حان الوقت أن نستحي من الله ومن عباده أن نكتب ونؤلف، ونخطب ونُدرّس، ومسكين يعذّب في الدنيا، وقد رُفع لنا خبره ثم نتركه ولا نقف معه؟!

ليست هذه والله ديانة أسلافنا!

عن الحسن رحمه الله  قال: (أدركت أقواما يبذلون أوراقهم، ويخزنون ألسنتهم, ثم أدركت من بعدهم أقواما خزنوا أوراقهم، وأرسلوا ألسنتهم)(مصنّف بن أبي شيبة برقم:36226)

كيف لو أدرك زماننا ؟! فاللهم سلم سلم

إن الانتساب للسلف في جانب وإهمال ذلك في جوانب أخرى، نشأ منه جرأة منعدمة النظير من عوام الناس، حتى خرجت بهم إلى نصب العداء لهذه الدعوة المباركة من حيث لا يشعرون!

أما قرأنا وحفظنا حديث موسى بن أنس، عن أبيه، قال: (ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة )

فبأي حق يهمل هذا الجانب المهمّ! ويركّز أهل الثرثرة والكلام على جانب وجدوا فيه ضالتهم؟!
فكن سلفيا في مالك! ولا تدعيها فقط في كلامك وكتابك!

عن عبيد بن عمير  قال: (إن الله يبغض القاريء إذا كان لباسا, وركابا, خارجا, ولاجا)(كتاب إصلاح المال لابن أبي الدنيا برقم: 409)

 

يتبع