صفة الطالب المحقق (وفي ضمنه: نقد البرامج المقترحة) / خالد حمودة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه.
أمَّا بعد:

فمن مهمَّات الطَّلب سلوك الطَّريق الصَّحيح في التَّحصيل، فلهذا اهتمَّ به علماؤنا، واعتنوا به عناية بالغة في مجالسهم ومؤلفاتهم العامَّة والخاصَّة، ومن أشهر ما أُلِّف فيه على الانفراد كتاب الخطيب البغدادي وابن عبد البر والسمعاني وابن جماعة والشوكاني وبكر أبو زيد وغيرها.

وعناية الطَّلبة بهذا الباب كثيرة، وقد اصطُلح عليه أخيرًا بالمنهجية في الطَّلب، وأحر بمن اعتنى به منهم أن يصل إلى مطلوبه، لكن الملاحظ أن بعض الطلبة يبالغ في العناية به حتى يصير غاية ما عنده من العلم هو منهجية طلب العلم، فتجد قراءته ومدارسته وسؤاله كلَّه يدور حول المنهجية في دراسة العلم، والمنهجية في دراسة الفقه، وأفضل طريقة للحفظ، وأفضل وسيلة لمراجعة الشَّرح... وهكذا، حتى يخيَّل إليك أن هذا الطالب سيكون عالمًا في المنهجيَّة!!، وهذا خطأ كبير، لأنَّ طريقة الطلب المقصود منها أن يسير سيرًا صحيحًا في الطريق الصَّحيح، فيصل في أقرب وقت إلى أقصى موضع يمكن أن يصل إليه مثله في العلم، لا أن يدرسها ويقف عندها حتى يكون مجتزئًا بالوسيلة عن الغاية، وبالدَّلو عن المورد.

هذا شيء، وشيء آخر هو أنَّ الطريق إنَّما يصفها من سلكها، وعرف عقباتها فاجتازها، ووقف على معوِّقاتها فذلَّلها، فهؤلاء هم الذين يؤخذ بكلامهم في هذا الباب.
وبعض إخواننا يعتمد على بعض البرامج والمنشورات الَّتي يكتبها طلبةٌ لم يصلوا مبلغ التَّحقيق، ولم يحققوا مراتب العلماء؟ فكيف يصف هذا الواصف طريقًا لم يسلكه، أم كيف يوصلك إلى شيء وهو لم يصل إليه بعد؟

ثمَّ إنَّ هذه البرامج المتداولة فيها أغلاط عظيمة في طريقة التَّحصيل، مخالفة لما نصح به العلماء وأرشد إليه العارفون، وهذه بعض المآخذ على تلك البرامج:
ـ اشتركت كلها في أنها تخلط على الطالب عدَّة علوم في يوم واحد، أو في أسبوع واحد، مع أنَّ العلماء ينصحون بالمواظبة على متن واحد أو على فنٍّ واحد حتى يقضي منه الطَّالب وطرَه ثم ينتقل إلى كتاب آخر أو علم آخر، وفي ذلك قالوا:

القلب واحد وحيث يُشغَلُ // بعملٍ عن ضدِّهِ ينشغِلُ
ـ واشتركت أيضًا في أنَّها تُعيِّن كتبا مرتَّبًا بعضُها فوق بعض، وكثير منها لا يوافَق على ذلك التَّرتيب فيها، بحيث ربما ذكروا في المرحلة الأولى ما هو أليق بالثانية أو الثالثة، وربما ذكروا في الثالثة ما هو دون ما ذُكر في الثانية أو الأولى وهكذا.

ـ واشتركت في تسمية بعض الكتب التي لا تصلح موضوع درس، بل منها ما يُقرأ مرَّة واحدة أو أكثر على حسب الحاجة وليس صالحا للشرح، ومنها ما يُجرد جردًا، ومنها ما يكفي الطالبَ أن يُراجع فيه بعض ما يحتاج إليه، وهذه البرامج تخلط بين هذه الأنواع كلها، ولا ينبغي للطَّالب أن يعتمد في درسه إلَّا ما اعتمده العلماء كما سيأتي.

ـ واشتركت أيضًا في أنَّها تسمي كتبا قد لا يتهيَّأ للطالب دراستها في بلده، أو لم يجر العمل عند أهل البلد على دراستها، ولا سيما ما يتعلق منها بالمختصرات الفقهية، ولهذا لما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الكتب التي ينصح بها لفت السائل إلى الكتب التي يدرسها أهل بلده كما في «الوصية الصغرى» له، وهذا مأخذ لا ينتبه له ولا ينبه عليه من يضعون هذه البرامج.

ـ ومع هذا كلِّه فإن الأصل في الطَّالب أن يدرس عند شيخه ما ينصحه به شيخه ويحيله عليه بحسب ما درس شيخُه وما أتقن، لا أن يأتي هو ببرنامج معد مسبقا ثم يبحث عمن يدرسه له أو يسير به عليه، فهذه البرامج في هذا على خلاف أصل موضوع الطَّلب.

وهذه كلمة ذهبيَّة لإمامٍ من أئمَّة التحقيق، ورأس من رؤوس العلماء، تُبيِّن الطَّريق الصَّحيح في التَّحصيل الذي سلكه من قبلنا من العلماء، وبه وصل من وصل، وهو الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي رحمه الله حيث قال في «خطبة الكتاب المؤمَّل» (ص95) بعد كلام حسن جميل: «وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كلَّ معتمَد عليه، ولا يجاوز تحقيق ما أشكل لديه، فهذه صفة المشتغل المحقِّق، وهو الَّذي ينتفع، وينفع الله به كل موفَّق».

فقد بيَّن رحمه الله صفة الطَّالب المحقِّق الذي ينتفع في نفسه وينفع الله به من حوله، وأنَّ ذلك مردودٌ إلى ثلاثة أركان:

أولها: أن يعتمد شيخًا معتمَدًا عليه، منصوحا به، مرجوعا إليه، محكِما للفن الذي يدرسه عليه، ضابطا لأصوله، عارفا بمآخذه.

الثَّاني: أن يعتمد من الكتب ما اعتمده العلماء في ذلك الفنِّ الذي يطلبه، فإنَّ العلماء ما اعتمدوه إلى لما علموا فيه من الفائدة والعائدة، وبعض الطَّلبة يغفل عن هذا فيطلب غرائب الكتب، ويحاول أن يقفز المراحل فلا يظفر بعد طول نصب إلَّا بالإغراب، وهو علامة من علامات الحرمان في الطَّلب.

الثَّالث: أن يدرس الكتاب الَّذي يعتمده دراسةً محكمةً، ويفهمه فهمًا جيدًا، وإذا أشكل عليه منه شيء فليشتغل بتحقيقه وتدقيقه، ولا يتركه غفلا ويمضي حتى يكون همُّه الوصل إلى آخر الكتاب من غير تحقيق لما فيه من العلوم وتحريرٍ لما اعترضه من إشكالات، وعلى هذا سيرُ الأكابر، فقد حدَّثني شيخنا أحمد المختار الشَّنقيطي رحمه الله صاحب «مواهب الجليل من أدلَّة خليل» أنَّ شيخه الإمام المتبحِّر في فنون العلوم الشَّرعية محمَّد الأمين الشَّنقيطي رحمه الله صاحب «أضواء البيان» حدَّثه أنَّه لمَّا كان طالبًا في بلده كان يدرس على شيخه «مختصر خليل» وبلغ موضعًا مشكلًا في كتاب النِّكاح منه، فلم يُزِل له شيخه الإشكال تمامًا، فلمَّا رجع من الدَّرس بعد العشاء أوقد نارًا ـ ولم تكن الكهرباء آنذاك عندهم ـ وجلب الشُّروح، وانهمك ينظر فيها، قال: «فلم ينبِّهني إلَّا حرُّ الشَّمس في ظهري، وقد انتشرت هوام الأرض من حولي»!

فإذا أردت يا طالب العلم أن تنتفع وينفع الله بك فدونك هذه الوصفة من هذا الإمام الضَّليع.

والحمد لله ورب العالمين.