خلق التطاوع 5-3-1439

المؤلف: 
أزهر سنيقرة

التَّفريغ:

الخُطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

أمّا بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتابُ الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

عبادَ الله:
اتقوا الله تبارك وتعالى حقَّ التقوى، واعلموا أنَّ منازلكم عند الله تبارك وتعالى بِقَدْر تقواكم، وأنَّ نجاتكم مِن فِتَن الدنيا وظلمات الآخرة على حسب تقواكم لربّكم جلّ في علاه.

روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: (بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن وقال: بشِّرا ولا تُنفّرا، ويسِّرا ولا تُعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- هذين الصَّحابيَّيْن الجليلين اللَّذَيْن منزلتهما عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عظيمة، كلاهما مِن قرّاء الصَّحابة ومِن أعلمهم.
أبو موسى -رضي الله تعالى عنه- هو الذي قال فيه نبيّنا -عليه الصلاة والسلام-: (لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود) وهذا لما سمع قراءته في حُسن تلاوته ودقّة تجويده -رضي الله تعالى عنه- لكتاب الله.
أما معاذ فهو الذي قال فيه نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (يا معاذ: والله إني لأحبك، فلا تنسَ أن تقول في دُبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك).

هذين الصحابيَّين اللذين اختارهما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهذه المَهمَّة الجليلة أن يكونا رسولَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل اليمن داعيَيْن إلى الخير ومُعلّمَيْن الناس الخير -رضي الله تعالى عنهما-، يأمرهما ويُوجّههما وينصحهما عند تشييعهما بمثل هذه النصائح الغالية والتوجيهات الكريمة الصادرة من هذا الكريم سيّد الأولين والآخرين -عليه الصلاة والسلام-، فبدأهما بقوله: (بشِّرا ولا تُنفّرا).
ولما كان مقامهما مقام الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة الناس إلى الخير (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوكم إلى ذلك فأعلموهم أن الله تبارك وتعالى قد فرض عليهم خمسَ صلوات..) إلى آخر هذا الحديث.

الدعوة إلى الله جل وعلا التي لا يصلح لها إلا من وفّقه الله عز وجل للعلم النافع أولا؛ لأنها لا تكون بجهل ولا من جهلة، إنما تكون ممَّن علم ما يدعو الناس إليه، وأن يكون على الأخلاق التي ربَّى عليها نبينا -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ودعا إليها أمته، وأنْ تكون على وفق هذا المنهج على منهج النبوة لا على المناهج المنحرفة التي يتولاها منحرفون أبعدُ الناس عن الحق وأبعدُ الناسِ عن سبيل المؤمنين وأعرضُ الناسِ عن منهج السابقين الأولين، هذه المناهج التي أساءت إلى هذه الأمة رغم تلك الشعارات التي يرفعها أصحابها ويُنادون بها في كل المناسبات.

الدعوة الحقَّة هي الدعوة القائمة على الحق؛ على كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-؛ على المنهج القويم الذي سلكه سلف هذه الأمة الكرام -عليهم جميعا رحمة الله تبارك وتعالى-.

هذه الدعوة مِن أُسُسِها ومِن أخلاق أصحابها الدَّاعين إليها أنْ يكونوا على هذه الكلمات الطّيِّبات من التبشير لا التنفير، ومن التيسير لا التعسير، ومن التطاوع لا التنازع والنفرة والاختلاف الذي يُبتلى به الناس.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (بشِّرا) أي: بشِّرا بفضل الله وعظيم ثوابه وسعة رحمته، وهذا من تحبيب الخلق إلى خالقهم مِن غرس هذه المحبَّة التي هي أول المحبَّة وأعظمها، فإذا أحبَّ الخلق ربَّهم وخالقهم كان من لازم هذه المحبَّة أن يُطيعوه ولا يعصوه، وأن يستجيبوا لأوامره كلها، وأن يُعظّموا دينه وشريعته، وأن ينصروا نبيه وهديه -عليه الصلاة والسلام-.

التَّبشير الذي يقوم على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، التبشير صِفة من أول صفات الأنبياء الذينَ اختارهم الله جل وعلا واصطفاهم ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، ﴿هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ﴾ الذي أنزله عليه ربّه تبارك وتعالى واصفًا نبيه بأنه ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾.

قال: (بشِّرا)، وإنَّ في التبشير كفاية عما بعدها، ولكن الله جل وعلا أراد إثبات أمرٍ ونفيَ أمر بالكلية، فإن المُبشِّر قد يُبشِّر مرة ومرتين ومرات ولكنه قد يُنفّر في مرة من المرات أو في غيرها، ولكن لما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (بشِّرا ولا تُنفِّرا) أي: لا تُنفّرا أبدًا لا مرة ولا مرات، يكُن هديكم في دعوتكم هو التبشير فقط لا غير، أما التنفير فهو منفيٌّ عن دعوتكم وهو مطروح من قاموس دعوتكم، هذا الذي أراده -عليه الصلاة والسلام-.

والتنفير الذي قد يكون بالأقوال أو بالأحوال والأعمال، مِن الناس من يُنفِّر غيره ولو كان في أمر من الأمور الصالحة في عبادة من العبادات، ألم يقل النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إن منكم لمُنفِّرين) فيمن قام يؤمُّ الناس ويُصلي بهم إلا أنه أساء في التطويل في صلاته، هذا التطويل الذي يُؤدي إلى التنفير، فبعض الناس ينفر عن هذه العبادة بسبب هذا الأمر وبسبب هذا السلوك، وعلَّلَ لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا بقوله: (إنَّ من ورائكم الضعيف والمريض وذا الحاجة) هؤلاء إذا طوَّلْتُم عليهم فإنَّ هذا التطويل قد يُنفّرهم.

بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال هذا في حق حبيبه معاذ -رضي الله تعالى عنه- لما شكاه أهل قباء مِن تطويله في إقامة الصلاة، لأنه كان لا يُصلي بهم العشاء حتى يُصلي وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجده وهذا لشدة حرصه وحُبّه لنبيّه ما رضيَ لنفسه أن يُفرّط بصلاة وراء النبي -عليه الصلاة والسلام-، فكان يُصلي وراءه في مسجده ثم ينتقل إلى قباء ماشيًا على قدميه أو راكبا دابته، ثم إذا صلى بهم أطال في الصلاة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- مُنبِّها له ومُنكِرا عليه: (أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟) لأن مثل هذه الأعمال تُنفّر الناس وفي ذلك فتنة لهم.

فَلْيَنْتَبِهْ إخواننا جميعا في تصرّفات قد تصْدُر منهم يكون فيها التنفير الذي يُؤدي إلى افتتانهم ويتحمَّل هذا المُتسبِّب أوزارَ هذا الفعل، وكذا التنفير فيمن يُكثِر على الناس نصوص الوعيد مِن غير أن يَضُمَّ لها نصوص الوعد؛ يُكثر عليهم بمثل هذا وهذا قد يُنفّرهم خاصة الشباب منهم؛ يقولون: ما دام الأمر كذلك فما فائدة أن نعمل أو أن نتقرب إلى الله جل وعلا بالعبادة؟
فَلْيَحْذَرْ هؤلاء جميعا مِن مِثل هذه التصرفات التي تُسيء إليهم وتُسيء إلى إخوانهم.

ثم قال: (ويسِّرا ولا تُعسِّرا)، ومثلما قيل في التبشير دون التنفير يُقال كذلك في هذا، والتيسير لا يخرج عن حدود الشرع؛ عن حدود ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-.

نُيسّر على الناس في دعوتنا، نُيسّر على الناس في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بما يتعبَّدون به ربهم، نُعلّمهم الرُّخص التي جاءت في الكتاب والسنة، نُربِّيهم على أنَّ العبادة لله جل وعلا لا مشقة فيها البتَّة ولا حرج في دين الله تبارك وتعالى البتَّة فإنَّ الحرج في الدين مرفوع وبهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة.
والتيسير المطلوب هو التيسير الذي لا يكون معه تعسير، والنبي -عليه الصلاة والمسلام- قد ربَّى أصحابه مِن خلال قصة ذلك الصحابي والأمّة من بعدهم الذي شُج رأسه؛ أي جُرح رأسه؛ فسأل من معه من إخوانه ممن يظن أنهم أفقه منه، قالوا: لا نجد لك من رخصة إلا أن تغتسل؛ فاغتسل الرجل فمات، فلما بلغ هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال -فداه أبي وأمي-: (قتلوه قاتلهم الله) قتلوه لأنهم أفْتَوْه بغير علم، وكان من نتائج هذه الفتوى الهلاك لهذا الرجل.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يُجيرنا وأن يُوفّقنا للعلم النافع الذي يدلنا على أفضل الطرق وأيسرها في دعوتنا لغيرنا وفي تعليمنا لإخواننا وأبنائنا.

الخطبة الثانية:

هذا الحديث العظيم في بابه لِعِظَم هذه الكلمات ولجليل قدرها ونافع تأثيرها فيمن الْتَزمها وسار عليها، هذه توجيهات نبويَّة وما أدراك ما التوجيهات النَّبويَّة، إنها الهديُ وإنها الخير كله وإنها المصلحة وإنها الأجر والثواب وإنها حُسن الاقتداء والتأسي بمن أُمرنا بالتأسي به -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا لحرصه على إيصال الخير لأمته، ولحرصه على هداية الناس جميعا، وهذه هي فائدة هذه التوجيهات.

نبيّنا -عليه الصلاة والسلام- اختار مِن بين أصحابه مَن يصلح لهذه المَهمة، نبيّنا -عليه الصلاة والسلام- يُوجّه من اختارهم لهذه المهمة حتى يكونوا مفاتيحَ خير مغاليقَ شر، حتى يكتب الله جل وعلا على أيديهم هداية هذه الأمة؛ هداية أهل اليمن الذين نسأل الله جل وعلا أن يُطهّر أرضهم من خُبث أولئك الأخباث الروافض الحوثيين.
نسأل الله جل وعلا أن يأتيَ على أولهم وآخرهم، وأن يجتثَّهم مِن على هذه الأرض الطيبة حتى لا يبقى فيهم من يدعو إلى دعوتهم أو يُوالي أولئك الذين صدوا عن سبيل الله.

أرضُ اليمن التي قال فيها نبيّنا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (الإيمان يمان، والحكمة يمانية)، نسأل الله جل وعلا أن يُبقيها الله تبارك وتعالى أرضا طيبة بأهلها من أهل السنة الذين يحملون لواءها ويذبّون عنها ويموتون دونها من أمثال أولئك العلماء الأجلاء وفي عصرنا على رأسهم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمة الله تبارك وتعالى عليه-.

هذا الحديث العظيم في بابه أخرجه الإمام البخاري وبوب له بهذا التبويب: باب ما يُكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذا من فقه هذا الإمام؛ أنَّ الاختلاف والتنازع سواء كان في حال الحرب أو في حال السِّلم ليس مما يُرضي الله تبارك وتعالى وليس مما يُقوّي هذه الدعوة، هذه الدعوة إنما تتقوَّى بتآلف قلوب أصحابها واجتماعهم وتعاونهم على البِرّ والتقوى كما أمرهم ربهم تبارك وتعالى، أمَّا الاختلاف والفرقة هذا الذي قال فيه ربّنا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال الإمام السعدي -عليه رحمة الله- عند هذه الآية الكريمة التي بدأها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قال: (﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُفي استعمال ما أَمَرَا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، ﴿وَلَا تَنَازَعُواتنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها)، وفي هذا إشارة إلى أن من أعظم أسباب التنازع والاختلاف هو الابتعاد عن الأمر الأول؛ الابتعاد عن طاعة الله والابتعاد عن طاعة رسوله؛ هو الاختلاف على ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، لأن الاجتماع الذي يكون اجتماعا صوريا شكليا هذا لا يُحبّه الله ولا يرضى عن أهله؛ بل هذا مذموم شرعا وفيه قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.

فالواجبُ أن يكونوا جميعا وقلوبهم مجتمعة على الحقّ وما بعد الحق إلا الضلال، وقديما قال هؤلاء من العارفين بالحق وأهله: (الحقُّ أبلج، والباطل لجلج)، الحق أبلج لأنه بيِّن واضح يُعلَم من كتاب الله وسنة رسوله؛ يُعلَم من أهله مِن علماء هذه الأمة، وفي هذا دعوة للالتفاف حولهم والتمسك بغرزهم وعدم مخالفتهم؛ لأنَّ في مخالفتهم الشر الكبير والبلاء العظيم، وهذه الأيام نرى بأمّ أعيننا ما يحدث فينا بسبب اختلافنا وخلافنا.
نسأل الله جل وعلا أن يَرُدَّ ضالَّنا، ويهديَ شاردنا، إنه هو السميع العليم.

الحق هو الذي يجمع الناس، ونحن نجتمع على الحق وبالحق، ولا نجتمع أبدا على حساب الحق أنْ نتنازل حتى نجتمع مع غيرنا، وتنازلنا عما نعتقده أنه أصل من أصول دعوتنا هذا لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نتنازع عنه، بل الواجب على من ضلَّ أن يرجع إلى الهدى، والرجوع إلى الحق فضيلة وليس برذيلة، ومن يستنكف أن يرجع إلى الحق بعد أنْ بان له هذا في نفسه كِبر ونفسه وطويّته خبيثة، نسأل الله جل وعلا أن يُجيرنا من هذه الخصلة ومن أهلها.

الذي يُكابِر والذي يعتذر بمخالفته بمخالفة الآخرين أو يعتذر على أنه على قول شيخٍ أو قول عالم؛ ومتى تعبدنا الله جل وعلا بأقوال الناس؟! بل إنَّ الله تبارك وتعالى ما تعبَّدنا إلا بكتابه وبسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وأقوال الناس جميعا كائنا من كانوا يُعرض على الكتاب والسنة فإن وافقه أخذنا به وإن خالفه تركناه.

ورحم الله أئمة السنة والهدى الذي قالوا وأصَّلوا وقرَّروا، الإمام مالك -عليه رحمة الله- في مقولته السلفية العظيمة: (كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر) يُشير إلى قبر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكان يُدرِّس في مسجده.
والإمام الشافعي كان يقول: (إذا رأيتم قولي خالف قول رسول الله فاضربوا به عرض الحائط).

رحم الله علماءنا الربانيّين الذين والله نصحوا وما غشّوا وبيُّنوا وما كتموا، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا السَّير على منهجهم، وأن يحشرنا مع الصالحين من عباده من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ثم ختم الله جل وعلا هذه الآية بقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يأمر بالصبر لأن هذا ما يحتاجه المؤمن في مثل هذا الحال؛ في مثل حال الاختلاف والتنازع، ويعلم بعد ذلك أن في الصبر الأجر العظيم والثواب الجزيل، وأنَّ معيَّة الله الخاصة مع هؤلاء؛ مع الصابرين الذين يصبرون على الحق، يصبرون في دعوة الغير إلى الحق، يصبرون على الأذى الذي قد يأتيهم منهم محتسبين هذا لربهم تبارك وتعالى لا غير.

ولهذا جاء هذا التوجيه النبوي المبارك للصحابيَّيْن الجليلَيْن اللَّذين جمعا الأوصاف الكريمة والخصال الحميدة التي تُؤهّلهم لمثل هذه الثِّقة العظيمة من النبي الكريم: (تطاوعا ولا تختلفا) يأمرهما بأن يلين بعضهم لبعض، وأن يُطاوع بعضهم للبعض، والتطاوع هو: التنازل؛ بمعنى: يتنازل الواحد منا عن حقه الذي هو حقُّه هو لأجل الجماعة والاجتماع، أمَّا أن يتنازل عن الحق أو يتنازل عن أصل من أصوله هذا لا شكَّ ولا ريب ما أراده النبي ولا قصده، بل إن نصوص الكتاب والسنة جاءت بخلافه؛ جاءت بالتمسك الشديد كما عبَّر عنه نبينا -عليه الصلاة والسلام- بقوله في الحديث العظيم لما يكون مثل هذا: (فإنه من سيعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).

والعاصم مِن مثل هذا كله: أن نبقى على أصل ديننا وعلى أصل هدي نبيّنا؛ أن نتناصح فيما بيننا، النصيحة فيها خير عظيم؛ فيها شفاء لكلّ ما قد يحدث بيننا؛ النصيحة القائمة على وِفق ما جاء به نبينا -عليه الصلاة والسلام-؛ أن نناصح بعضنا البعض وأن يلين بعضنا لبعض حتى تجتمع هذه القلوب وتتآلف وحتى نتعاون على البِرّ والتقوى، أمَّا من شَرَدَ منا وأبى المخالفة لنا ولِمَا نعتقده أنه حق فهذا وإنْ تركناه فهو مِن صميم دعوتنا ومنهجنا؛ وهذا وإن تركناه فلا كرامة لأننا أُمرنا بذلك، كما أُمرنا بولائنا للمؤمنين الصادقين المتمسكين السائرين على النهج القويم أُمرنا بالبراء من المشركين ومن المبتدعين ومن الموالين لهؤلاء وأولئك.

نسأل الله جل وعلا أن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يُوفّقنا لمعرفة الحق، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

نسأل الله جل وعلا أن يجمع قلوبَ عباده الصالحين على ما يُحبه ويرضاه، أنْ يجمع قلوبهم على سُنَّة نبيِّهم وهدي سلفهم على تلك الأصول المباركة التي تركوها لمن بعدهم، واللهِ ثم والله فيها الخير كله وفيها العصمة من الشرور جميعها.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يُوفّقنا وأبناءنا لما يُحبه ويرضاه.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.