حكم مهنة التوثيق في الجزائر

رقم المجلس: 
73
رقم الفتوى: 
2

السؤال:

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم، سؤال آخر يقول: ما حكم مهنة التوثيق في الجزائر علما أنه يقدم للموثق عقود صورية لتوثيقها كعقد هبة على شكل عقد بيع مثلا وعقود ربوية، علما أن القانون لا يسمح له برفض توثيقها، وكذا توثيق عقد البيع بمبلغ غير متفق عليه ونحو ذلك؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

التوثيق سواء كان في بلدنا أو في غيره من البلاد التي تسير على حسب القوانين التي تسير هذا القطاع في بلدنا ونحن في مثل هذه الأمور يعني القوانين الإدارية في الغالب أننا تبع لغيرنا تبع للنظام أو القانون الإداري الفرنسي أو ما إلى ذلك.

وحقيقة التوثيق أن الموثق يقوم بتوثيق العقود، ولهذا سُمي موثِّقا -أو موَّثقا- يقوم بتوثيق العقود، بمعنى أن العقود عندنا لا تقبل إلا إذا وثقها هذا المحلَّف، ووظيفة التوثيق من عموم الوظائف التي يحلَّف أصحابها لأنها أمانة عظيمة ومسؤولية مع الله -تبارك وتعالى- أولا، وأمام ولي الأمر الذي كلف هؤلاء بتوثيق هذه العقود.

وبالتالي نحن نقول أن الأصل في حكمها تبع لحقيقة هذه العقود:

- فإذا كانت العقود عقود شرعية يجوز عقدها شرعا، فلا حرج في توثيقها بل إن توثيقها من تمام تحقيق المقاصد الشرعية، لأن مثل هذه الأمور القصد منها حفظ الحقوق لأصحابها.

- أما إذا كان هذا العقد أو هذا التوثيق على عقد لا يجوز عقده شرعا كتأجير محل لمن يجعله خمَّارة أو مخمَرة، هذه المخمرة من الأمور المحرَّمة في دين الله والأصل أنَّها لا تكون في بلاد الإسلام، وبالتالي التأجير فيها والكتابة على هذا التأجير كلُّه من الأمور المحرمة، وبالتالي لا يجوز للموثق أن يوثق مثل هذا العقد، أو التوثيق على عقد إجار لمؤسسة ربوية فهذا كذلك من الأمور المحرمة، أو التوثيق على عقود رهون البنوك مثلا والتي تكون بالربا، وهذا كله يندرج تحت قول النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني فيما يخص هذه المعاملات الربوية: «لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهداه»(1)، كلهم ملعونون في هذا العقد المحرَّم، نسأل الله -جل وعلا- العفو والعافية.

ولهذا الواجب على الموَثِّق أن يتحرَّى في ما يوثِّقه من العقود، ناهيك عن الأمور الأخرى التي من المفروض أنه محلَّف عليها من العقود التي فيها التصريحات الكاذبة أو التصريحات المخالفة للحقيقة فهذا كذلك مما لا يجوز شرعا وفيه غشٌّ لولي الأمر الذي كلَّفه واستأمنه على مثل هذه العقود.

أمَّا كيف يكون تصرُّف الموثِّق إزاء مثل هذه العقود المحرَّمة التي ربَّما يجد حرجًا شديدا في ردها وعدم قبولها، هذا عليه أن يكون حكيما في التصرُّفِ فيها بطريقة لا تسبب له الضرر في الاعتذار أو ردِّ مثل هذه العقود، وإن كان ولابد ولم يجد مناصا من ردِّ مثل هذه العقود فنحن ننصحه أن يترك هذا العمل لغيره من الأعمال وهذا لقول النبي -عليه الصلاة والسلام- «إن الله طيب لا يقبل إلَّا طيِّبا»(2)، نبينا - صلى الله عليه وسلّم – نهانا عن المعاملة التي تكون فيها ريبة، يعني نجد في أنفسنا حرج منها هذا لقوله - صلى الله عليه وسلّم -: «دع ما يُريبُك إلى ما لا يريبك»(3)، فكيف بالمعاملات التي نعلم يقينا أنها محرمة، نحن نعلم يقينا أن الخمر حرام، ونعلم يقينا أن بيعه وشراءه والتعامل فيه محرَّم كذلك، ونعلم يقينا أنَّه يحرم علينا التعاون على الإثم والعدوان ويقينا هذا من الإثم والعدوان، فكيف نرضى لأنفسنا بمثل هذه المعاملات المحرَّمة ونرضى لأنفسنا بمثل هذا الكسب الخبيث نسأل الله جل وعلا العفو والعافية.

هذا والله -تبارك وتعالى- أعلم.


(1) مسلم:1598.

(2) راه الترمذي:2989 وقال حسن غريب.

(3) الترمذي:2518 ،والنسائي:5397 وصححه الألباني.

المؤلف: 
الشيخ أزهر سنيقرة
تاريخ المجلس: 
27-07-1439 هـ