الفعل المبيِّن للمجمَل: حكمه، أماراته، مع الجواب على الإشكال الوارد عليه

المؤلف: 
عبد الله بوزنون

الحمد لله و الصلاة على رسول الله وبعد:

فإن باب المجمل و المبين وباب أفعال النبي صلى الله عليه و سلم من أهمّ أبواب أصول الفقه على طالب العلم أن يضبط مسائله و يستوعب معانيه و لهذا آثرت الكلام على قاعدة مهمة هي منثورة في كتب الأصوليين و الفقهاء ألا وهي قاعدة" الفعل المبيِّن يأخذ حكم المجمل " فحاولت جاهدا جمع أقوال العلماء في القاعدة و كذا ما يتصل بها من مسائل وإشكالات :

وأول ما نوطئ به البحث هو الكلام على مسألة مهمة وهي:

هل يكون الفعل بيانا

الذي عليه جمهور الأصوليين أن الفعل يقع به البيان إلا خلاف ضعيف قد نقل، بل بعضهم حكى الإجماع في هذه المسألة جاء في كتاب أفعال الرسول و دلالتها على الاحكام لمحمد لعروسي ص61:" و جمهور الأصوليين على أنّ الفعل يقع بيانا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: ومن أصحابنا من قال لا يجوز البيان بالفعل خلافا لأبي إسحاق المروزي من الشافعية و الكرخي من الحنفية و قال المخالفون لوقوع الفعل بيانا بأن الفعل لا ينبئ عن شيء و إنما ينبئ عنه القول و أن الفعل يتأخر عن الخطاب و لا يجوز تأخير البيان عن الخطاب " وفي غاية الوصول في شرح لب الأصول ص 90 "وقد قال صاحب الواضح من الحنفية في الأخيرين لا أعلم خلافا في أن البيان يقع بهما "اهـ

و قد ذكر الآمدي في الإحكام الأدلة على وقوعه بيانا فقال :" ويدل على ذلك النقل والعقل، أما النقل: فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال: " «صلوا كما رأيتموني أصلي» "، " «وخذوا عني مناسككم» ".وأما العقل: فهو أن الإجماع منعقد على كون القول بيانا، والإتيان بأفعال الصلاة والحج؛ لكونها مشاهدة أدل على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول، فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك ،و إذا كان القول بيانا، مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانا أولى".

ثم أجاب عن شبهة الذين يمنعون وقوع البيان بالفعل زعما أنه يؤدي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول.فقال :"قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أو دعت إليه: فإن كان الأول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من القول، وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما قررناه.وبتقدير امتناعه فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة، وأما إذا كان لفائدة فلا".الإحكام في أصول الأحكام (3/28). وأما مسألة التكليف بما لايطاق التي ذكرها ففيها تفصيل ينظر في مجموع الفتاوى" (8/294).

بم يعرف أنّ الفعل بيان

هناك أمور يراعيها المجتهد حتى يدرك أنّ الفعل بيان أم لا وقد ذكر الأصوليون هذه الأمارات فمنهم من أوجز ومنهم من أوعب فقد ذكر الرازي في المحصول(3/178) ثلاث أمارات فقال:" واعلم أنه لا يعلم كون الفعل بيانا للمجمل إلا بأحد أمور ثلاثة:

أحدها: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده

وثانيها: أن يعلم بالدليل اللفظي وهو أن يقول هذا الفعل بيان لهذا المجمل أو يقول أقوالا يلزم من مجموعها ذلك

وثالثها: بالدليل العقلي وهو أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له ولا يفعل شيئا آخر فيعلم أن ذلك الفعل بيان للمجمل وإلا فقد أخر البيان عن وقت الحاجة وأنه لا يجوز"

و ممن تصدّى لبيان هذه الأمارات الغزالي في كتابه المستصفى فقد ذكر قرائن سبعة نذكرها باختصار جاء في المستصفى(2/289):". فإن قيل:، وبم يعرف كون فعله بيانا؟ قلنا: إما بصريح قوله، وهو ظاهر أو بقرائن، وهي كثيرة:

إحداها: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة ثم فعل عند الحاجة، والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان فيعلم أنه بيان

الثانية: أن ينقل فعل غير مفصل كمسحه رأسه، وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا، فهذا في الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول

الثالثة: أن يترك ما لزمه، فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه أما في حق غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم...

الرابعة: أنه إذا أتي بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع، فيدل على تخصيص الآية؛ لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع...، وكذلك تركه القنوت، والتسمية، والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ إذ يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة، وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب، وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة.

الخامسة: إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على الوجوب، كزيادة ركوع في الخسوف، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل القليل لا يبطل، وأنه فعل قليل، هذا مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» يكون بيانا في حقنا

السادسة: إذا أمر الله تعالى بالصلاة، وأخذ الجزية، والزكاة مجملا ثم أنشأ الصلاة، وابتدأ بأخذ الجزية، فيظهر كونه بيانا، وتنفيذا، لكن إن لم تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا بل يحتمل أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت، فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى

السابعة: أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه ضربا أو نوع عقوبة فإنه له خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال فإنه لا يمتنع؛ لأنه، وإن تقدم ذلك الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال، وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو المقتضي للمال وللعقوبة".اهـــــــ

حكم الفعل المبيِّن هو حكم المجمل

لقد ذكر كثير من الأصوليين أنّ الفعل إمّا هو فعل مستقل[أوصل الشوكاني أقسام الفعل إلى سبعة أقسام انظر إرشاد الفحول (1/104)] وهذا فيه خلاف بينهم هل الحكم فيه الوجوب أو الندب أو الإباحة .

أو هو فعل جاء لبيان مجمل وهذا الثاني قالوا عنه أنه يأخذ حكم المبيَّن ووجه قولهم بهذا الحكم "لأن الفعل يتضمن صفة المبين لا أن الفعل المبين على وزن الفاعل بالكسر –يدل على الوجوب كما يدل على المبين . و الفعل المبين لا يدل على لفظ يفيد الوجوب و إن كان ندبا فهو ندب قال ابن عقيل و إنما كان كذلك لأن البيان لا يعدوا رتبة المبين و متى عداه لم يكن بيانا و لأن البيان ماانطبق على المبين كالتفسير ينطبق على المفسر" أفعال الرسول للعروسي ص164 و قال أبو الحسين البَصْري في المعتمد (1/314):" لِأَن الْبَيَان إِنَّمَا يتَضَمَّن صفة الْمُبين وَلَيْسَ يتَضَمَّن لفظا يُفِيد الْوُجُوب" اهـ.

لكن ليعلم أن هذه القاعدة مقيدة بما إذا كان الفعل مبينا لأمر أو تنفيذا لحكم قال ابن حزم في النبذة الكافية ص44 ط الكتب العلمية:" وأفعال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على النّدب لَا على الْوُجُوب الا مَا كَانَ مِنْهَا بَيانا لأمر أَو تنفيذا لحكم مثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ وَأَبْشَاركُمْ عَلَيْكُم حرَام ثمَّ نجد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد سفك دَمًا أَو انتهك بشرة اَوْ اسبتاح مَالا اَوْ عرضا فندري ان ذَلِك الْفِعْل مِنْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فرض انفاذه لِأَنَّهُ لم يستبح شَيْئا من ذَلِك بعد التَّحْرِيم الا بِفَرْض وَاجِب وَهَذَا اذا كَانَ مَعَ ذَلِك قرينه أَمر مثل ان يخبر ان من فعل كَذَا فَعَلَيهِ كَذَا وَكَذَا وعاقبوا من فعل كَذَا ثمَّ يفعل هُوَ عَلَيْهِ السَّلَام بِهِ فعلا مَا فَهُوَ فرض فانه بَيَان لأمر فان تعرى من الْأَمر فانما هُوَ اباحة بعد التَّحْرِيم فَقَط لأننا على يَقِين من خُرُوجه عَن التَّحْرِيم الى الاباحة وعَلى شكّ من وُجُوبه"اهـــــ.

إشكال يرد على هذه القاعدة وجواب العلماء عنه

إنّ الأخذ بهذه القاعدة معناها أنّ حكم الفعل المبين هو نفس حكم المجمل فإن كان الأمر واجبا صار حكم الفعل الوجوب و إن كان ندبا صار حكم الفعل الندب وهذا لا إشكال فيه في الفعل الواحد لكن قد يشكل على العبادة ذات أفعال مختلفة الأحكام- فيها فعل واجب وفعل مندوب بل قد يكون ضمنها من الأفعال ماهو مباح- مع أنّ هذه العبادة هي فعل مبين لأمر واجب قال ابن الهمام " إن الاستقراء يدل على أنّ كثيرا من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مرادة من المجمل " تيسير التحرير 3/176 فالصلاة ذات أفعال هي بيان لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني اصلي " فإن كان أمره واجبا فالصلاة فيها ما هو مندوب وما هو واجب كما قال ابن قدامة: إن أكثر أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة مسنونة غير واجبة"المغني(1/ 397) .

و قل ذلك بالنسبة لأفعال الحج مع قوله صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسككم "فكيف يوفق بين هذه القاعدة و هذه الفروع التي ورد فيها الإشكال.

لقد اختلفت أنظار الأصوليين و الفقهاء في هذه المسألة على أوجه مختلفة:

1-فمنهم من بقي على ظاهر القاعدة ثم فرق بين أحكام الأفعال المختلفة بالقرائن فقوله صلى الله عليه وسلم صلوا للوجوب يدل على أن أفعال الصلاة واجبة إلا ما دلت القرائن على غيره بل ادعى بعض من قال بهذا القول الإجماع عليه فقد"قال أبو تمام المالكى، وأبو بكر بن الطيب: ما كان من أفعال الرسول بيانًا لمجمل كالصلاة، والصيام، والحج، وما دعا إلى فعله كقوله: (خذوا عنى مناسككم، وصلوا كما رأيتمونى أصلى) . فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب، واختلفوا فيما كان منها واقعًا موقع القرب لا على وجه البيان والامتثال لتمثيل أمر لزمه" شرح ابن بطال لصحيح البخاري(10/345)

و قال المازري في شرح التلقين (2/510)"وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي فوجب اتباعه فيما أيقنّا من أفعال الصلاة و أقوالها إلا ما دلّ دليل على نفي وجوبه"اهـــ و قال القرطبي:" ويلزم من هذين الأصلين أنّ الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكي عن الشافعي"اهـ المفهم (10/123) و كأن القرطبي لا يرى الإجماع المذكور ’و القرينة عندهم حديث المسيء كما قال الشوكاني في نيل الأوطار _2/ 204 " ....وقد صح عنه" كان يفتتح بالتكبير"الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة من الأقوال والأفعال ويؤكد الوجوب كونها بيان لمجمل قوله {أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] وهو أمر قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر في الأصول إلا أنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - اقتصر في تعليم المسيء صلاته على بعض ما كان يفعله ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال والأفعال، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول بالإجماع، ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في حديث المسيء، فمنهم من قال: يكون قرينة بصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال: تبقى الصيغة على الظاهر الذي تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد، وسيأتي ترجيح ما هو الحق عند الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى". قلت ويؤيد هذا القول أنه عمل بالأصل في الأوامر الوجوب إلاّ ما احتف بقرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب أو الإباحة.

2- ما ذكره أبو يعلى الحنبلي من أنّه يرجع فيه إلى الإجماع فما أجمعوا على أنه بيان فهو بيان و ما لم يجمعوا على أنّه ليس بيان فليس كذلك، قال: " وقد أكّد ذلك بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقوله: "خذوا عني مناسككم" وليس كل فعله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة والصدقة بياناً للجملة التي في الكتاب، لأنه لو صلّى لنفسه لم يدلّ على أنه بيان لقوله تعالى: {أقيموا الصلاة}، ولو تصدّق بصدقة، لم يدلّ على أنها مرادة بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة}. وإنما وجه البيان ما يُجْمِع الناس على أنة من المكتوبات، لأنّ ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضاً، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بياناً" (العدة ص(1/119).و نحو هذا الكلام - إن لم نقل مثله- في كتاب الفصول في الأصول(2/35).

وهذا التوفيق لم يرتضه الدكتور محمد بن سليمان الأشقر رحمه الله فقال:" إذ لا يمكن توقّف فهم الأحكام على الإجماع. بل ما أجمعوا على أنه بيان كعدد ركعات الصلاة فهلا بيان بلا شك، وما أجمعوا على أنه ليس بياناً كالتثليث في غسل اليدين، فليس هو بياناً بلا شك. وأما ما لم يجمعوا فيه بنفي ولا إثبات فقول أبي يعلى يقتضي منع كونه بياناً، مع أنه اتّفق على أنه يمكن تعليق البيان بالفعل بقول من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في الطريق الأولى، والنص على الحكم كالإجماع عليه، بل هو أولى". أفعالُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم وَدَلالَتها عَلَى الأَحكَام الشَّرعيَّة (1/295).

3- جواب ابن دقيق العيد رحمه الله: لابن دقيق العيد في كتابه الإحكام أكثر من جواب فقال في موطن: "ما ثبت استمرار فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه دائماً، دخل تحت الأمر كما هو في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" وكان واجباً. وبعض ذلك مقطوع به -أي مقطوع باستمرار فعله له- وما لم يقم دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر باتباع الصلاة على صفتها، لا يُجْزَم بتناول الأمر له" الإحكام(1/233).و نحو هذا الجواب في كتاب" أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله" ص 121 .
وهذا الجواب لا يصلح ضابطا لأنّ مالك بن الحويرث وغيره ممن الذين لم يواظبوا على رؤيته صلى الله عليه وسلم ليس لديهم هذا الضابط الذي ذكره ابن دقيق العيد.

4-و أما الجواب الآخر لابن دقيق العيد فهو ماذكره في كتابه أيضا الإحكام قال:" وهو أن يقال: الخطاب المجمل يتبين بأول الأفعال وقوعا. فإذا تبين بذلك الفعل لم يكن ما وقع بعده بيانا، لوقوع البيان بالأول. فيبقى فعلا مجردا، لا يدل على الوجوب. [الإحكام(1/232)]. وهذا الوجه و إن وصفه قائله بأنه" تحقيق بالغ" لكنه لا يرفع الإشكال لأنه يحيلنا على أمر آخر وهو النظر في أول الأفعال شروعا و لا يتأتى ذلك في كل فعل و الله أعلم .

5-الجواب الثالث له قال رحمه الله :"وقد يجاب عنه بأمر جدلي لا يقوم مقامه. وهو أن يقال: دل الحديث المعين على وقوع هذا الفعل. والأصل عدم غيره وقوعا، بدلالة الأصل. فينبغي أن يكون وقوعه بيانا. وهذا قد يقوى إذا وجدنا فعلا ليس فيه شيء مما قام الدليل على عدم وجوبه. فأما إذا وجد فيه شيء من ذلك، فإذا جعلناه مبينا بدلالة الأصل على عدم غيره، ودل الدليل على عدم وجوبه: لزم النسخ لذلك الوجوب الذي ثبت أولا فيه"[المصدر السابق] وهذا "الجواب يشكل عليه الأفعال التي تنازع العلماء في حكمها , فإنها ليست داخلة في تقريره هذا".

6-جواب أبي شامة "أنّ المراد بقوله صلّوا و خذوا أي أوقعوا فعل الصّلاة و النسك على ما يوافق في الصورة ما أوقعه عليه من نية التقرب مطلقة" [المحقّق من علم الأصول فيما يتعلّق بأفعال الرسول ص331] ويزيد قوله بيانا لمّا يقول في موطن آخر:"فقد ظهر ا المراد من قوله "صلوا " و "خذوا " بيان ما شرعه الله سبحانه في هاتين العبادتين من واجب و مندوب وشرع لنا بذلك اتباع فعله فيهما ووكل فهم التمييز بين ذلك إلى المجتهدين كما وكل تفسير الكلالة وغيرها إليهم.

وليس المراد بقوله صلوا وخذوا بيان الواجب من الصلاة و النسك إذ قد اشتمل فعله على واجب و مندوب فكيف يبين الواجب بما ليس بواجب فقد بان بطلان القول بأنّ الائتساء به و اتباعه لا يتحقق إلا بفهم صفة فعله و إيقاعهم مثله على صفته من وجوب و ندب و يحتمل أن يحمل قوله صلوا و خذوا على الندب وعلى الوجوب أما على الندب فمعناه لا تقتصروا على أقل ما يجزئ من اعمال الصلاة و النسك و افعلوا ما أفعل.

وأما على الوجوب فبمعنى :رتبوا أركان الصلاة وواجباتها كما ترونني أفعل و افعلوا كل شيء منها في موضعه و اقتصروا من ركعاتها على العدد الذي أقتصر عليه و كذا في النسك و على كلا التقديرين فهو إرشاد و تنبيه لنا على أن نتخذ فعله قدوة كماسبق .

و يحتمل أيضا : أن لا يكون قوله صلى الله عليه و سلم صلوا و خذوا دليلا على أنه لا يبين بفعله بل بقوله كما قال :"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة " الحديث.
وقوله :" صلوا كما رأيتموني أصلي ": أي كما علمتموني مصليا بما اخبرتكم به و علمتكم من فعلي في صلاتي فيكون (رأى ) من باب (علم ) فقد حصل لنا أربعة أوجه في تفسير هذين الأمرين و هما :"صلوا" و "خذوا" و بالله التوفيق و كلها لا تنافي ما ندعيه بل تؤيده و تقويه" اهـــ المحقق ص335ـ
وقد ارتضى الأشقر جواب أبي شامة بل عن رأيه صدر فقال" والخلاصة: أن هذين الحديثين لا يصلحان دليلاً على أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم – في الصلاة والحج واجبة، بناء على أنها بيان للواجب. بل أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في هاتين العبادتين مختلطة واجبها بمندوبها غير متميزة، والعمدة في تمييز ذلك على الأدلة الأخرى. وينظر في كل فعل بخصوصه ما يحتفّ به من القرائن......والصواب إن شاء الله ما ذكرناه من أنّ أفعاله - صلى الله عليه وسلم - فيهما ليست مميزة للواجب من المندوب إلّا فعلاً خاصاً عليه دلالة خاصة، أنه بيان لذلك. والله أعلم".أفعال الرسول للأشقر(1/300).

و بعد عرض هذه الأقوال قد يقال إن جواب أبي شامة هو أقوى الأقوال و يتلوه في القوة قول من بقي على الأصل أعني أصحاب القول الأول و الله أعلم .

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك