الاختلاط في الكتاب والسنّة وفتاوى السّلف وعلماء هذه الأمّة (القسم الثالث)

المؤلف: 
مراد قرازة

بسم الله الرحمن الرّحيم

...... تابع

البحث الرابع : في أسباب الاختلاط وعواقبه الوخيمة

أ– من أسباب الاختلاط:

أسباب هذه الجريمة عديدة ، ومنابت الإثم منها كثيرة ، لكنّنا سنختصر على ذكر أربعة منها ، وهي التي لها الدور الأكبر في تفشي هذا الدّاء العضال والمرض المزمن:

1- خروج المرأة من بيتها : لاشكّ ولا ريب أنّ البيت هو مكان المرأة الذي فيه قرارها ، فهو العزيمة الشرعية في حقهن، وخروجهن من البيوت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو حاجة ،بضوابط الخروج الشّرعية (62)، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب: 33).

قال القرطبي - رحمه الله -، قال: " مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْأَمْر بِلُزُومِ الْبَيْت , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِنِسَاءِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَقَدْ دَخَلَ غَيْرهنَّ فِيهِ بِالْمَعْنَى، هَذَا لَوْ لَمْ يَرِد دَلِيل يَخُصّ جَمِيع النِّسَاء ،كَيْف وَالشَّرِيعَة طَافِحَة بِلُزُومِ النِّسَاء بُيُوتهنَّ ، وَالِانْكِفَاف عَنْ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا لِضَرُورَة "(63).

ولعلّ مخالفة هذا الأصل العظيم ، والتّوسّع في أمر الخروج بلا ضرورة ولا حاجة هي أساس بلية الاختلاط ، ومنبتها ، وهي أيضا غاية الأمر ومآله - والله المستعان -.

2- ذهاب الغيرة من قلوب الرّجال : إنّ الغيرة على الأعراض فطرة الله التي فطر النّاس عليها ، وهي من أشرف الأخلاق وأنبل السّجايا ، وكيف لا تكون كذلك ، وهي صفة الرّب التي اتّصف بها – سبحانه وتعالى – فقد جاء في الحديث ، عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ فَوَاَللهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ , وَاَللهُ أَغْيَرُ مِنِّي , وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"(64).

ولمّا نقصت ، هذه الغيرة في قلوب بعض الرّجال ، وزالت من قلوب آخرين ، أصبح من السّهل على النّاس تقبّل الفواحش ، والمجاهرة بها ، بل والدّعوة إليها.

قال الشيخ عبد الله بن حميد – رحمه الله – في فتوى له عن الاختلاط : "هذا والله لا يجوز ، لا من جهة الشّريعة الاسلامية ، ولا المروءة العربية والشّهامة ، هذا لا يجوز ، ولا يقرّه كلّ من كانت له نفس أبيّة ، حتّى ولو كان فاسقا ، فإنّه لا تسمح نفسه أن يرضى بأن يرسل ابنته ، أو أخته ، في هذا المجتمع بين الرّجال ،تلعب كاشفة رأسها ، وتدور بينهم ، هذا لا يجوز ، ولا يقرّه دين ، ولا مروءة ، ولا شهامة "(65)

3- مشابهة الكفّار وتقليدهم : فإن مخالفة المشركين ، في دينهم وأخلاقهم ، وعاداتهم من أعظم أصول الشريعة التي أمرنا باتّباعها ، فقد ورد التحذير الشّديد من مشابهة المشركين في أكثر من نصّ ، ومن ذلك ما رواه أبو داود ، عنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم " (66) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم ، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم ، كما في قوله : " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " (67).

فلم يكن اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل والتعليم معروفاً في مجتمعات المسلمين، ولم يعرف قبل تمكن الاحتلال الفرنسي والإنجليزي من أرض الإسلام ، بل ولا إبّانه بصفة شائعة ، وإنّما فشا هذا الدّاء في بلادنا ، على أيدي رجال ، تشرّبوا من ثقافة الغرب ، وأخلاقهم ، ما جعلهم يحتقرون كلّ ما يمتّ بصلة إلى ديننا ومجتمعنا ، ولمعرفة تاريخ ظهور هذه البلية بأرضنا ، ورجالها الّذين تحمّلوا وزرها ، يلزم ضرورة ، مطالعة كتاب "حراسة الفضيلة " للشيخ بكر بن عبد الله ، فقد كفّى ووفىّ - رحمه الله –.

قال الشّيخ عبد الرّحمن بن ناصر البرّاك : " وعليه ؛ فإن الاختلاط بين الرجال, والنساء في جميع المجالات هو من طاعة الكفار والمنافقين التي نهى اللهُ عنها نبيَّه صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين " (68).

4- الطّمع وحبّ الدّنيا : فأصل البلايا ، ومنشأ الرّزايا كلّها هو الطّمع وحبّ الدّنيا ، قال شيح الإسلام ابن تيمية " وما حكم الاسلام في ذلك‏:‏ فالذى يعاقب الرجل عليه الحب الذى يستلزم المعاصي‏:‏ فانه يستلزم الظلم والكذب والفواحش، ولا ريب ان الحرص على المال والرئاسة يوجب هذا، كما في الصحيحين انه صلى الله عليه وسلم‏ قال‏:‏ ‏"‏اياكم والشُّحَّ، فان الشح اهلك من كان قبلكم، امرهم بالبخل فبخلوا، وامرهم بالظلم فظلموا، وامرهم بالقطيعة فقطعوا‏ " (69)، وعن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ ‏"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه‏"(70) ، فحرص الرجل على المال والشرف يوجب فساد الدين".

والمتأمّل في حال الكثيرين من أهل هذا الزّمان ، يجد أنّ دوافعهم من دراسة بناتهم ، وعمل نسائهم ، مادية محضة ، تنحصر في جمع المال والتوسع في الدّنيا ، ولو على حساب الدّين - والله المستعان -.

ب- من عواقب الاختلاط وآثاره السيّئة على الفرد والمجتمع:

1- وقوع الزّنا والفاحشة وإشاعتها بين المؤمنين : فالاختلاط ولا شك بريد الزّنا ، وعنوانه ، وهو من أعظم أسبابه ودوافعه ، قال تعالى : " وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " ( الإسراء 32) ، وقال " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " (النور 19).

قال الشّيخ ابن باز -رحمه الله-: " واختلاطُ الرجال بالنساء سببٌ لكثْرة الفواحش والزِّنا ".

قال ابن القيّم -رحمه الله-: " ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة ، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنى ، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة "(71).

2- مسّ المرأة الأجنبية : فلا يمكن مع الاختلاط الاحتراز غالبا عن الاحتكاك البدني بالأجنبيات ، وهذا واقع لا يكاد يخفى على أحد ، خصوصا في الأماكن الضيّقة وحال الزحمة ،في الطوابير وغيرها ، وقد شدّد النّبيّ صلى الله عليه وسلّم في ذلك أيّما تشديد ، فقد جاء عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد، خير له من أن يمسَّ امرأة لا تحل له"(72) ، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما - : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم " كان لا يصافح النساء في البيعة " (73).

3- النّظر إلى الأجنبيات : ولا يمكن بحال تصوّر اختلاط بلا نظر –إلا إن كان صاحبه أعمى– لذلك حشد الأئمة والعلماء أدلة النظر في مسألة الاختلاط ، لأنه أمر لازم لا انفكاك عنه البتّة ، وقد جاء الأمر في القرآن الكريم بغض البصر ، بما لا يمكن تطبيقه حال الاختلاط ، قال تعالى : " قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ " ( النور 30) ، وعن جرير بن عبد الله قال :سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري"(74).

4- الفتنة بطيب النّساء ، وفاخر الزّينة ، وجمال اللّباس : ومعلوم أنّ الشّرع إنّما حرّم على المرأة أن تخرج متطيبة أو متزيّنة حتى لا تفتن الرّجال، قال تعالى : " وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا " (النور 31) ، وفي حديث زَينَب الثقفية امرَأَة ابن مَسعُود " إذا شَهِدَت إِحداكُنَّ المَسجِد فَلا تَمَسَّ طِيبًا"(75).

وقال ابن الملقن - رحمه الله -: " وقال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: أن يكون ذلك لضرورة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن لا يظهر عليها الطيب، وما في معناه من البخور، وأن يكون خروجها في طرفي النهار، وأن تمشي في طرفي الطرقات دون وسطها لئلا تختلط بالرجال"(76) ، وأكثر النّساء ممن يعملن أو يدرسن في الاختلاط ، لا يلتزمن بشيء من ذلك - والله المستعان –.

5- الفتنة بصوت المرأة ، وهمس الحليّ : وقد حرّم الله جلّ وعلا على المرأة خاضع القول الذي يكون سببا لفتنة الرّجال فقال تعالى: "فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا " (الأحزاب 32) ، قال ابن جرير : قال ابن زيد " خضع القول ما يكره من قول النّساء للرّجال ممّا يقع في قلوب الرّجال "(77).

ونهى عن الضّرب بالقدم ليعلم المخفيّ من الحلي ، فكيف بالظّاهر منه ؟! قال تعالى : "وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ" (النور 31)، قال ابن كثير رحمه الله : " كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت - لا يسمع صوته - ضربت برجلها الأرض ، فيعلم الرجال طنينه ، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا ، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النّهي "(78).

6- ذهاب الحشمة والحياء : فمن أعظم مفاسد الاختلاط أنّه أذهب الحشمة والحياء بين الجنسين ، وأسقط الحاجز الذي جعله الله حصنا بينهما ، فسهلت بعد ذلك المعاصي ، ورقّقت الذّنوب ، فأصبحنا نرى من النّساء ما يستحي من فعله كثير من الرّجال ، من رفع الصوت ، وساقط الكلام ، وقبيح الهيأة ، ولا شكّ أن الحياء لا يأتي إلا بخير ، وأنّ ذهابه لا يصدر إلاّ الشّر ، فعن عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ " (79).

7- تشبّه النّساء بالرجال والرّجال بالنّساء: فمن طول الخلطة والعشرة بين الجنسين، تطبّعت كثير من النّساء بأخلاق الرّجال، وتطبّع الرّجال بأخلاق النّساء ، وتشبّه كلّ منهما بالآخر ، في الملبس والهيأة ، والكلام وغيرها من شؤون الحياة ، مع أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم حذّر من ذلك أيّما تحذير ، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ"(80).

قال الإمام ابن بطال رحمه الله : قال الطبري : " فيه من الفقه : أنه لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي هي للنساء خاصة، ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال فيما كان ذلك للرجال خاصة فمما يحرم على الرجال لبسه مما هو من لباس النساء: البراقع، والقلائد، والمخانق، والأسورة والخلاخل، ومما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التي هن بها مخصوصات : فالانخناث في الأجسام، والتأنيث في الكلام ومما يحرم على المرأة لبسه مما هو من لباس الرجال : النعال، والرقاق التي هي نعال الحدو، والمشي بها في محافل الرجال، والأردية والطيالسة على نحو لبس الرجال لها في محافل الرجال، وشبه ذلك من لباس الرجال، ولا يحل لها التشبه بالرجال من الأفعال في إعطائها نفسها مما أمرت بلبسه من القلائد والقرط والخلاخل والأسورة، ونحو ذلك مما ليس للرجل لبسه، وترك تغيير الأيدي والأرجل من الخضاب الذى أمرن بتغييرها به "(81).

ولعلّنا نقتصر من آثار الاختلاط السيّئة على ما ذكرنا ، لوضوحه ، وكثرة أدلّته ، وإلا فكم هتك هذا البلاء من ستر ، وكم طعن من عرض ، وأسقط من شرف ، وكم فكّكت به من أسرة ، وشرّد به من أطفال ، وضاعت به من حقوق للزوج ، وحقوق لذوي الأرحام ، وكم أثار بين النّاس من عداوة ، وأنشأ من بغضاء ، وبالجملة فإنّه من أعظم الأدواء التي أصيبت بها الأمّة الاسلامية في قرونها الأخيرة – عجّل الله شفاءها –.

ومع كلّ هذا الشرّ والبلاء ، نسمع من يدّعي أن في الاختلاط مصالح ظاهرة ، وحاجات مؤكّدة !! " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ".

خاتمة المقال

هذا ولعلي أختم هذا المقال بالردّ على ما زعمه هذا المنافح عن الاختلاط والمدافع عنه ، من أنه أنسب لهذا العصر ، وأنّ فصل مجتمع النّساء عن الرّجال في وقتنا متعذّر ، وسأجيب عن شبهته هذه بوجهين؛ عام وخاص:

الوجه الأوّل : - وهو الوجه العام – فأقول : صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان من المعلوم بالضرورة من الدين، وقدِ انعقد عليها إجماع السابقين واللاحقين منَ المسلمين، فهذه الشريعة هي الشريعة الخاتمة، التي نسخ الله بها ما قبلها منَ الشرائع، وأوجب الحكم بها والتحاكُمَ إليها إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَن عليها، قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " فتَوَجَّهَ الخطابُ بهذه الرّسالة إلى أهل الأرض كافَّةً، مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فلا بد إذًا أن تكون منَ الصلاحية بحيث تُلَبِّي حاجاتِ البشرية في مختلِف أعصارها وأمصارها، وتُحَقِّقَ مصالحها في كل زمان ومكان.

الوجه الثاني : - وهو الوجه الخاص – أنّا ولله الحمد مازلنا نعيش وإخواننا من أهل الاستقامة من المسلمين ، بغير اختلاط ولا سفور ، ومع ذلك لم يصبنا بلاء ولا مشقّة ، إلا بقدر الوسع والطّاقة ، بل قد وجد من البلدان والمجتمعات من لم يألف الاختلاط ولم يصبه نتنه وقذاه ، وهذا ظاهر لكلّ أحد ، إلا من أعمى الله بصره وبصيرته.

فهذا أقرب مثال : دولة التوحيد والسنّة – المملكة السّعودية حرسها الله من كل سوء – تمنع الاختلاط وتعاقب فاعله ، قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – " وأخيرا: أختم بأنه كان قد صدر الأمر السامي ذو الرقم 11651 وتاريخ 16/5 / 1403هـ والمؤكد عليه بالأمرين الكريمين ذي الرقم 2966 وتاريخ 19/9/1404هـ وذي الرقم 759/8 وتاريخ 5/10/1421هـ والمتضمن (أن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاطها بالرجال ونحوها في الإدارات الحكومية أو غيرها من المؤسسات العامة أو الخاصة أو الشركات أو المهن ونحوها أمر غير ممكن سواء كانت سعودية أو غير سعودية؛ لأن ذلك محرم شرعا، ويتنافى مع عادات وتقاليد هذه البلاد، وإذا كان يوجد دائرة تقوم بتشغيل المرأة بغير الأعمال التي تناسب طبيعتها، أو في أعمال تؤدي إلى اختلاطها بالرجال فهذا خطأ يجب تلافيه، وعلى الجهات الرقابية ملاحظة ذلك والرفع عنه "(82)
 

وإن كان دعاة الاختلاط ، قد فتنوا بالغرب ، فلا يحسّنون إلا ما رآه الكفّار حسنا ، فإنّي أنقل لهؤلاء – على كره منّي – " أنّ سبعة بالمئة من مدارس الولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا غير مختلطة ، وأنّ هذا العدد في تضاعف مستمر ، لأن القانون المنظّم لهذه المدارس لم يصدر إلا مؤخّرا ، وأن إقبال الأمريكيين على تسجيل أبنائهم في هذه المدارس أدهش حتّى المستثمرين في القطاع ، فباتوا يخططون لمزيد من العمل في هذا التّوجّه " ( 83) ، فأين هو فقه الواقع التي يتحدّث عنه " المخلّطون"!!

ولقائل أن يقول : ها قد عرفنا المرض وخبرناه ، وتبصّرنا ألمه وكنّا من ضحاياه ، فما السبيل إلى شفاءه ؟ وما هو دواؤه وعلاجه؟

وجوابه سهل بإذن الله ، فقد روى أبو هريرة – رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " (84 ) ، وشفاء هذا الدّاء ، بحول الله تعالى في قوله جلّ وعلا " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَه " (الأحزاب 33) ، قال القرطبي رحمه الله " معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت ، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء ، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة ، على ما تقدم في غير موضع، فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن ، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن ، ونهاهن عن التبرج ، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى "(85).

فرجوع المرأة إلى أصلها ، ومكوثها ببيتها ، والتزامها بحدود الشّرع وقت خروجها لحاجتها ، وضروراتها ،هو الطّريق الذي لا ريب فيه ولا شبهة للقضاء على هذه البلية ، وهذا واجبها ، وواجب من ولاّه الله أمرها ، من زوج ووالد وأمير ، قال ابن القيّم رحمه الله :" وَمِنْ ذلك : أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ يَجِبُ عليه أَنْ يَمْنَعَ اخْتِلَاطَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ في الْأَسْوَاقِ وَالْفُرَجِ وَمَجَامِعِ الرِّجَالِ ، الْإِمَامُ مَسْئُولٌ عن ذلك وَالْفِتْنَةُ بِهِ عَظِيمَةٌ ..." (86).

قال الشّيخ فركوس -حفظه الله-: " هذا، والرَّجل إذا ارتاد أماكن العمل للاسترزاق فلا يُطلب منه الرجوع إلى البيت، ولو لم تَخْلُ أماكن العمل من فتنة النساء، وإنَّما الرجل مُطالب بقطع أسباب الفتنة: من غضِّ البصر، وتحاشي الحديث معهنَّ وغيرها، وأن يتَّقي الله في تجنُّب النساء قدر المستطاع وإنَّما يطلب ذلك من المرأة التي خالفت أصلَها، فهي آثمة من جهة مخالفتها للنصوص الآمرة بالمكوث في البيت، ومن جهة تبرُّجها وعُريها، تلك هي الفتنة المضرة بالرجال والأمم والدِّين، وله انتياب أماكن العمل إذا احترز واحتاط لدِينه ما أمكن؛ لأنَّ النفقة تلزمه على أهله وعياله وتبقى ذمَّته مشغولة بها، وتكسُّبُه واجبًا بخلاف المرأة فهي مكفية المؤونة"(87).

هذا الذي وفّقت إلى كتابته ، وإن كان الموضوع أوسع من أن يجمع في مقال ، ولو تفرّغ له من هو أهل ، لكتب فيه مجلدات ، قد لا تسع شعبه ، وتفاصيله ، وأدلّته ، وفتاوى أهل العلم فيه ، عسى أن يكون ذلك من مستطيعه قريبا ، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(62 ) حراسة الفضيلة ( ص89 )
( 63) تفسير القرطبي ( 14/178 )
(64 ) رواه البخاري (6846) ومسلم (3757)
( 65) فتاوى مهمّة للنساء (ص 225 )
(66 ) رواه أبو داود (رقم4031 )، وحسّنه الألباني في كتاب "حجاب المرأة المسلمة"(ص203)
(67 ) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص127)
( 68) من فتوى للشيخ عن الاختلاط بتاريخ (10/7/1434ه)
( 69) رواه البخاري () ومسلم (6668)
( 70) رواه الترمذي (رقم 2376) ، وقال حديث حسن صحيح ، وصحّحه العلاّمة الألباني.
( 71) الطرق الحكمية (ص 407)
( 72) رواه الطبراني في المعجم الكبير (برقم: 486) ، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (برقم: 9176)
( 73) رواه أحمد ( يرقم: 6998) ، وقال الشيخ الألباني: حسن، السلسلة الصحيحة (برقم: 530)
( 74) " رواه مسلم (رقم 2159 )
( 75) " رواه مسلم (رقم 443 )
( 76) " الإعلام (2/240 )
( 77) " تفسير الطبري (4/ 422 )
(78 ) " تفسير القرآن العظيم (6/ 152 )
( 79) رواه البخاري (6117) ومسلم (37)
( 80) رواه البخاري (5546)
( 81) شرح صحيح البخاري (9/140)
(82 ) من مقال " على رسلكم أيها الصحفيون " للشيخ الفوزان حفظه الله .
(83 ) نقلا عن مجلّة البيان " الصادرة يوم الاثنين 6 محرم 1437 هـ " ( بتصرّف بسيط )
(84 ) صحيح البخاري (5354)
(85 ) الجامع لأحكام القران ( ص 14/37)
( 86) الطّرق الحكمية لابن القيّم ( 406 )
( 87) من فتوى للشيّخ بعنوان : ( الصّراط في توضيح فتوى الاختلاط ) ، وهي فتوى هامّة في موضوعها ، ينبغي لكلّ من بحث في مسألة الاختلاط أن يطّلع عليها في موقعه – حفظه الله -