إشارة المؤانِس إلى ضرورة وراثة العلم وتقييده في المجالس / فتحي إدريس

المؤلف: 
فتحي إدريس

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه.

أمَّا بعد:

فإنَّ الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالبينات والهدى مبشرا ونذيرا داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه على أكمل وجه وأتمه، «فلم يشح صلى الله عليه وسلم بشيء منه عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، بعثه الله في أمة أمية جاهلية جهلاء فلم يمت صلى الله عليه وسلَّم حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى استخراج الدقائق والفهوم»(1) فحمل الصَّحابة رضي الله عنهم عنه هذا الدين، وبذلوا دون ذلك الغالي والنَّفيس، فبلغوه لمن بعدهم حرفا حرفا، وضبطوه كلمة كلمة، لم يدَّخروا وسعا ولا جهدا في تبليغه ونشره حتى حمله عنهم التَّابعون فقاموا به أحسن قيام، وعرفوا لهذا العلم والدِّين فضله فاعتنوا بتدوينه خشية اندراسه وذهابه، فبدأت بوادر التَّصنيف تظهر، وبدأت الأحاديث تجمع والعلوم تدوَّن، فجاء من بعدهم فأخذها عنهم غضة طريةَّ، سهلة مرضية، ففرعوا عليها واستندوا إليها، ثم إنَّ العلماء رحمهم الله جعلوا ما أخذوه عنهم فنونا، وقسموه علوما، وفي كل فنٍّ صنَّفوا كتبًا منها الصَّغير والمتوسط والمطوَّل، فكان من بعدهم يشرح الصَّغير، ويعلق على المتوسِّط، وقد يختصر المطوَّل، على حسب الحاجة، وهم في هذا كلِّه يبذلون الجهد والمشقَّة طلبا لرضى ربِّ العالمين وتبليغا لهذا الدِّين، فجودوها تجويدا، وقاموا بها أحسن قيام تبويبا وترتيبا.

كان الواحد منهم يمكث في تأليفه للكتاب السِّنين الطِّوال -كالحافظ ابن عبد البرِّ رحمه الله مع كتابه «التَّمهيد»(2)-، فإذا ألَّفه انبرى له من ينسخه ويقابله على مصنِّفه ويبلِّغه لمن سواه -وقد يكون المصنف مما لا ننظر فيه فضلا عن أن نفكر نحن في نسخه أو قراءته كله كـ«تهذيب الكمال» مثلا لطوله-، فإذا بلغ غيره فرح به أشدَّ فرح وسر به غاية السرور حتى لربَّما ترك نوافل الصَّلاة واعتنى بالنظر في لفظه وتقليب فكره في معناه –كما فعل ابن دقيق العيد لما بلغه «فتح العزيز على كتاب الوجيز» للرَّافعي-، وكان لهم مع الكتب أحوال وأخبار يعجب لها الإنسان.

فحرص العلماء –رحمهم الله- على تبليغ العلم ونشره لما عرفوا فضل ذلك، ومن حقِّهم علينا إذ كان هذا جهدهم الِّذي بذلوه في تحبيرها وتهذيبها وتنقيحها، فسهروا لذلك الليالي الطوال، وجابوا القوافي ولم تمسسهم الظِّلال، تركوا الأهل والأوطان، قدموا مصلحة نشر العلم على مصلحتهم فحرموا أنفسهم من متع الدُّنيا ولذَّاتها، حرص غيرهم على المال والولد، وسعيهم هم في الجد والاجتهاد في الطلب، هذا يخلِّف الأهل والأولاد، وذاك يخلف الكتب والطُّلَّاب.

ثم إنَّ هؤلاء مضوا وانقضوا، فخلفهم من بعدهم خلف، اعتنوا بمصنفاتهم حتى غاصوا لاستخراج دقائق المعاني، وإظهار ما فيها من إحكام المباني، عرفوا دقيقها وجليَّها، خبروا واضحها ومشكلها، نهلوا منها وسقوا غيرهم، وهؤلاء هم العلماء الربانيُّون، الَّذين ساروا في طريق الطَّلب حتى بلغوا المنتهى فخبروا الطريق وما فيها من عوائق، ونظروا في الكتب واستخرجوا منها الدَّقائق، ثم بعد ذلك أخرجوا لنا خلاصة الخلاصة، فالواحد منهم يفيدنا في ساعات ما حصله وبذل فيه نفيس الأوقات، ولم يقلَّ جهدهم وتعبهم عن الأوائل، فلهم نصيب مما بذل أولئك.

قد ساروا على طريقة الأولين فبذلوا في طلب العلم جهدهم، ثم هم يبذلون حفظهم الله لنشره ما لا يقلُّ عما بذلوه في طلبه:

فمن مشايخنا من يبلغ عدد فتاويه في الأسبوع الواحد ثلاثمئة فتيا.

ومنهم من طاف البلد شرقا وغربا شمالا وجنوبا خطيبا ومدرِّسا، ناصحا ومرشدا تراه يصل السَّفر بسفر، حتى إنَّ السَّفر إذا ذكر أتى رسم اسمه في ذهنك.

وإنَّ منهم من يحْمل -مع حمله مسئولياته الشَّخصية- من همِّ الدَّعوة ما لو حمِّله جبل لاندك، فهو رجال في رجل.

ولما لم يكن المقصود بيان جهود الأئمَّة في خدمة الدِّين، ولا العلماء والمشايخ في نشره، إذ إنَّ الواحد منهم لو جمعت جهوده لكتبت في مصنَّفات سواء من المتقدمين أو من المعاصرين لم أطل وإنَّما هي نظرة خاطفة تنبئك عمَّا خفي.

ومقصودي هو إبراز نعم الله عزَّ وجل علينا إذ يسَّر لنا أمثال هؤلاء الأئمة والعلماء والمشايخ، الذين بذلوا جهدهم في تبليغ الدِّين إلينا فعظم بذلك حقهم علينا، وازداد فضلهم وبيان شيء مما ينبغي أنْ نكون عليه.

ثم إنَّ النَّاس قد انقسموا في الاستفادة من الكتب والمشايخ أقساما:

- فمنهم من جمع بين الحسنين: فجلس عند المتأخِّر وحصَّل من الآلة ما يمكِّنه من النَّظر في كتب المتقدِّم.

- ومنهم من ضيَّع الأمرين: فلا جلس عند هذا ولا رفع رأسا بما كتبه ذاك.

- ومنهم من تمسك بطرف وضيَّع باقيه أو غلَّب جانبا منهما على الآخر: فتراه إمَّا معتنيا بمجالس العلماء والمشايخ فلا يكاد يفوته منها مجلس، ولكن مقصِّر في الكتب لا يقلب فيها النظر؛ ومنهم من يقابله في الطَّرف الآخر بخس العلماء حقَّهم، وذهب يجول بفكره في الكتب فتاه وضاع، وخرج كما دخل، وقليلٌ مَنِ استفاد وحصَّل.

ولما كان وصف واقع الحال أو استقصاء الكلام عن الثَّلاثة الأقسام قد يكون فيه تضييع الزَّمان، رأيت الاقتصار عما ينبغي أن يكون عليه الطَّالب من الجمع بين الأمرين والاستفادة من الشَّيخ والكتاب سالكا في ذلك مسلك التأثير على النَّفس والتَّذكير، غير مستقص لآداب الطَّالب مع الشَّيخ والكتاب فمثل هذا قد كتب فيه من سبق وزاد فيه من لحق.

ثم إنَّ على طالب العلم الَّذي قد عرف ما بذله العلماء والأئمَّة من غالٍ ونفيس في خدمة هذا الدِّين وتبليغه لمن بعدهم صافيا من كل شائبة، وقام به مشايخنا أحسن قيام فلم يتركوا متنا مهمَّا إلا شرحوه، ولا نقلا عزيزا إلا أبرزوه، ولا كتابا قد قلَّت عناية النَّاس به إلا نصحوا به وحثوا عليه وأظهروه، كل ذلك حرصا منهم على ما ينفع المسلمين، ومن حرصهم كذلك أنَّهم لم يدعوا وسيلة من وسائل تبليغ العلم إلا سلكوها فتراهم على المنابر يخطبون، وفي الدَّوارات والدُّروس والحلقات يعلمون ويربُّون، وفي المجلَّات والمنتديات والمواقع يكتبون، بل حتى في التَّويتر وغيرها يغرِّدون ويفيدون، فما أحرصهم على إيصال الخير ونشره، وما أعظم فضلهم وآكد حقَّهم.

وهذا الشَّيخ الذي قد بذل عمره وحياته في طلب العلم وتحصيله حتى شابت في ذلك لحيته يأتي لمجلسه فما أحقَّه بأن يرى:

طلاب العلم له منتظرين، ولركبهم في المجلس مثنين، قد نشروا صحفهم ولأقلامهم ممسكين، أخذوا أهبتهم لكتابة ما يلقيه الشَّيخ مستعدِّين، فإذا تكلَّم بالكلمة ابتدروها بالكتابة والتدوين، لا تفوتهم صغيرة ولا كبيرة إلا كانوا لها كاتبين، وبعد انفضاض المجلس قاموا للشَّيخ أو من مكانهم له داعين شاكرين، ولما ألقاه عليهم مثنين مظهرين، وانكبوا على ما دونوه مراجعين، فإن كان فيه ما يستشكل رجعوا للشيخ مستبصرين له سائلين، في أدب ولطف ولين، فإذا أجاب عضوا عليه النواجذ وأبدلهم بالشك اليقين، فيا له من مجلس تقرُّ به عين الشَّيخ ومن حضر، ويا له من درس يبعث على الاجتهاد في التحصيل والظَّفر.

وممَّا يحزَن له القلبُ أن ترى الطلَّاب في المجلس قد حضروا، ولكن لا للقلم حملوا ولا للكرَّاس أحضروا، فكما أن المقاتل يلبس لأمته ويضع درعه ويحمل سلاحه، فكذا طالب العلم في مجلسه يختار أحسن ثيابه، وأجود أقلامه، وأنظف أوراقه، ليدون ما يلقيه، ولا يعتمد على الحفظ فإن الحفظ خوَّان، ويداخله النِّسيان؛ وكيف يرضى طالب العلم أن يحضر المجلس ولا يدون ما يكتبه الشيخ وهو يسمع الفوائد والدُّرر النفائس تطرق سمعه، والدَّقائق وأجود الفهوم تجاوز حلقه لتصل قلبه، فوالله إنَّه لمن الغُبن أن يفوِّت الطَّالب على نفسه هذا الخير العميم، فلا أقلَّ من تدوين المهمِّ والحرص على ما ينفعه من نصح وتوجيه.

ومن المحزن كذلك أن ترى الشَّيخ قد أخرج في المجلس بنات فكره، وألقى على الطالب ما جمعه في عمره من طلبه، قد بح صوته، وجف حلقه، وبلغ جهده في التوضيح والبيان، ومع ذلك إذا انقضى المجلس فقد لا ترى إلا قليلا من الشَّاكرين له على ما بذل وقدَّم، ولو كان إلا تحمُّل مشقَّة المجيء والإتيان، وقطع جزء من وقته لأبناءه والإخوان، لكان من حقِّه أن يشكر فكيف وقد جاءك لما ينفعك في الدِّين، ويقربك من جنَّات النَّعيم، ويبعدك عن النِّيران والجحيم.

هذا فيما يتعلق بعلمائنا ومشايخنا المعاصرين أمد الله أعمارهم في طاعته، وجزاهم عنَّا خير الجزاء وأوفره، ووفقهم لكل خير وسداد.

وقد ابتدأت بهم مع أنَّهم متأخرين عن الأئمة المتقدِّمين لأنهم الطَّريق إليهم.

وأما ما يتعلق بالأئمة المتقدِّمين الذين صنَّفوا في كل فنٍّ كتبا ورسائل، واعتنوا بتهذيبها وتحقيقها وتجويدها، فيكفي في الحثِّ على النَّظر فيها وتقليب الفِكَر ما يراه طالب العلم من ترغيبهم فيما كتبوه، فإنَّك ترى في مقدماتهم من ذلك الشَّيء الكثير حتى يصل بأحدهم أن يظهر أن تأليفه أجود من تأليف غيره فلا تظنَّ بهم سوءً فإنَّهم ما أرادوا لك ولا لغيرك إلا الخير، وهم أشرف من أن يثنوا على أنفسهم أو يروا لها الفضل، وإنَّما ذكروا ذلك ترغيبا لك فيها، ونصحا وإرشادا وتوفيرا لجهدك، ولهذا اعتنوا ببيان الكتب الأصول والجوامع فحتى لا يقرأ الطالب في كتب تفرقت فيها المباحث يعتني بكتاب واحد يجمع له شتات ذلك.

فعلى طالب العلم أن يعتني بكتبهم قراءة، ودراسة واختصارًا، وأن لا تشغله عنها الشواغل، وتقطعه عنها العوائق، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تضيع فيها كثير من الأوقات ومع أنَّه قد تحصل منها فائدة، إلَّا أنَّ تلك الفائدة في ذلك الوقت الذي بذل فيها لو قرنتها بقراءة في كتاب أو نظر في رسالة لعرفت الغبن الذي وقع فيه والخير الَّذي فاته، وهذا من مداخل الشَّيطان على الإنسان فإنَّ له مراتب(3) يتدرَّج فيها مع الإنسان منها أن يشغله بالعمل المفضول عن ما هو أفضل.

فهذه نصيحة ما أحوجني إليها، وخاطرة شاركت بها إخواني عسانا نبذل في طلب العلم وسعنا، ثم إن أردت أن تقف على تقصيرك فانظر في تراجم العلماء الكبار لما كانوا في مثل سنك على أي شيء كانوا، وقارنهم بحالك تأتيك عبرة البكاء على نفسك وقد تعزيها!ولكنها أرزاق قسمت، فنسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل خير وسداد، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصَّالح إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

ولا تزال طائفة ليست بالقليلة من طلبة العلم على نهج الأوائل سائرين، ولآثارهم مقتفين متبعين، سالكين في ذلك ما سلكه الأوائل أسأله تعالى أن يزيدهم توفيقا، غضضت الطرف عنهم لئلا يذهب استشعار التقصير الدَّافع إلى بلوغ المعالي وعدم ركون المرء ورضاه على نفسه، وكلٌّ أدرى بحاله: فمن رأى من نفسه تقصيرا فليسع إلى سدِّ الخلل، ومن رأى منها ما تقرُّ به العين وترضى فليحمد الله حتى يزيده من نعمه ويوفقه لما يرضيه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدِّين.

 

 

=======
(1) «تفسير السَّعدي»(ص873).

(2) قال –رحمه الله- في وصفه كما في «ترتيب المدارك وتقريب المسالك»(8/130):
سهير فؤادي من ثلاثين حجة ... وصاقل ذهني والمفرج عن همي
بسطت لكم فيه كلام نبيكم ... لما في معانيه من الفقه والعلم
وفيه من الآداب ما يهتدى به ... الى البرّ والتقوى وينهى عن الظلم

(3) ينظر: «بدائع الفوائد» لابن القيم رحمه الله (2/260-261).